السبت 3 شعبان 1438 / 29 أبريل 2017    
في



التصنيف وخطورته
06-02-1436 08:51
في زمن تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ ، وفي أوج المخطط الذي يهدف إلى تفتيت دول عربية وإسلامية كثيرة ، تحت عناوين شتى منها: التجزئة الجغرافية ، ومنها التجزئة العرقية ن ومنها التجزئة اللغوية ، ومنها إشعال الفتن المذهبية والطائفية ؛ الأمر الذي يحتم علينا الاجتماع والتعاضد والتكاتف ، نرى أن البعض يفت في عضد الأمة من خلال التصنيفوالقدح والجرح في العلماء والدعاة وأهل الفضل ، فهذا إخواني ، وهذا سلفي ، وهذا سروري ، وهذا جامي ، وهذا تبليغي ، وهذا اسلامي مستنير ، وذاك متزمت متشدد ، وهذا غالٍ متطرف وذاك وهابي وآخر رجعي وصولي .
وقالوا في النيل من علماء الشريعة : هذا مداهنٌ متزلف وذاك مراءٍ منافق وثالث من علماء السلطان، إلى آخر ما هنالك من أسماء ليست من الإسلام في شيء ، بل هي من الجاهلية ومدعاة التفرقة وتكريس الفجوات في المجتمع .
فإن لم يجدوا زلَّةً قالوا: متوانٍ محايد ، فإن لم يجدوا لا هذا ولا ذاك لجأوا إلى الطعن في النيات والمقاصد .
كشفت نتائج استطلاع أجراه مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني حول التصنيفيات الفكرية، أن (68,6 %) من المجتمع لديهم قلق حول الآثار المترتبة على وجود التصنيف، ويرون بأن هناك حالات عداء وتنافر بين فئة وأخرى، ورأى (53%) أنها التصنيف يسهم في إضعاف الوحدة الوطنيَّة . ( الأحد 27 محرم 1435 العدد 15039).
وهذا ما حذر منه قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله ، حيث قال :" وأصارحكم القول إنني أرى أنه لا يتناسب مع قواعد الشريعة السمحة ولا مع متطلبات الوحدة الوطنية أن يقوم البعض بجهل أو بسوء نية بتقسيم المواطنين إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان.. فهذا علماني.. وهذا ليبرالي.. وهذا منافق.. وهذا إسلامي متطرف.. وغيرها من التسميات والحقيقة هي أن الجميع مخلصون (إن شاء الله)، لا نشك في عقيدة أحد أو وطنيته حتى يثبت بالدليل القاطع أن هناك ما يدعو للشك لا سمح الله. إنني أطلب من المواطنين كافة وطلبة العلم والصحفيين والكتاب خاصة أن يترفعوا عن هذه الممارسات وأن يتذكروا قوله عز وجل {يا أيُّها الذِين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } .
هذه التصنيفات انتشرت على حساب الاسم الأسمى والأغلى (المسلمون ) ، فاسم ( المسلم ) اسم يتسع للحق كله، وللخير كله وللفضائل كلها ، وهو الاسم الذي ارتضاه الله للمؤمنين به وبرسوله  كما قال تعالى {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} .
إن من مزايا الإسلام ومقاصده العظمى (التوسعة ) و(التفسح ) و(اليسر) و( عدم التنطع) في كل شأن {وما جعل عليكم في الدين من حرج } . فالله هو "رب العالمين " لا رب قبيلة أو شعب بعينه، و"رحمته وسعت كل شيء" ، ورسالة رسول الإسلام  " رحمة للعالمين "، والأرض كلها "جعلت مسجداً وطهوراً للمصلين" ، وعطاء الله مبذول يسع "الناس أجمعين" مؤمنهم وكافرهم {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا}. وأمة الاسلام أمة واحدة واسعة، لا تضيقها أو تحجرها أسماء وأوصاف لا ترقى إلى صفة (المسلم ) في التوسعة والتفسح واندياح الأفق.
فالله تعالى سمانا المسلمين فلم نعدل عن هذا الاسم إلى أسماء محدثة؟، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بهذه الأسماء ولا يُوالى عليها ولا يُعادى عليها ، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم { إن أكرمكم عند الله أتقاكم} .
والمؤسف أنك "ترى الجَرّاحَ القَصَّاب من هؤلاء كُلَّما مَرَّ على ملأ من الدُّعاة اختارَ منهم ذَبيحًا، فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المُرَّة، تمرُقُ من فَمِه مُروق السهم من الرَّميّة، ثم يَرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق، فإن ذلك من شُعَب الإيمان !! .
وترى دأبَه التربُّص والترصُّد؛ عَينٌ للترقُّب ، وأذنٌ للتجسُّس، كلُّ هذا للتحريش، وإشعال نار الفتن بالصالحين وغيرهم.وترى هذا "الرَّمْز البَغيض" مَهْمومًا بمُحاصَرة الدُّعاة بسِلْسِلة طويلٍ ذَرْعُها، رديء متنها، تجرُّ أثقالًا من الألقاب المُنَفِّرة، والتُّهَم الفاجرة؛ ليَسْلُكَهم في قِطار أهل الأهواء، وضُلَّال أهل القبلة، وجَعْلهم وقود بَلْبَلة، وحَطَب اضطراب.وبالجملة؛ فهم أسوأ "غُزاة الأعراض بالأمراض" والعَضّ بالباطل في غَوَارب العِبَاد، والتفكُّه بها؛ فهم مُقَرَّنون بأصفاد: الغِلّ، والبغضاء، والحسد، والغيبة، والنميمة، والكذب، والبهت، والإفك، والهمز، واللمز، جميعُها في نَفاذ واحد. إنهم بحق: "رمز الإرادة السيئة" يَرْتَعون فيها بشهوة جامحة.نعوذ بالله من حالهم، لا رُعُوا" . (تصنيف الناس بين الظن واليقين، للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله 397 ) .
يقول الشيخ بكر ابو زيد رحمه الله : "لو سألتَ الجَرَّاح عن مُسْتَنَدِه وبَيِّنته على هذا التصنيف الذي يَصُكُّ به عِباد الله صكَّ الجَنْدَل لأفلتَ يديه، يُقَلِّبُ كفّيه، مُتَلَعْثِمًا اليوم بما برع به لسانه بالأمس، ولوجدتَ نهاية ما لديه من بيّنات هي:وساوس غامضة، وانفعالات متوتّرة، وحسدٌ قاطع، وتوظيفٌ لسوء الظن، والظنُّ أكذبُ الحديث، وبناءٌ على الزَّعْم، وبئسَ مَطِيّة الرجل زعموا.فالمنشقُّ يُشيِّدُ الأحكامَ على هذه الأوهام المُنْهارة، والظنون المرجوحة، ومتى كانت أساسًا تُبنى عليه الأحكام؟! ومِنْ آحادها السخيفة التي يأتمرون ويَلْتَقون عليها للتصنيف:
_ فلانٌ يترحَّم على فلان، وهو من الفرقة الفلانية! فانظر كيف يتحجّرون رحمة الله، ويقعون في أقوام لعلهم قد حطّوا رحالهم في الجنة.
_ التصنيف بالإثم. إنه يذكر فلانًا بالدرس، وينقل عنه! .
العلماء لا ينقلون عن أهل الأهواء المُغَلَّظة، والبدع الكبرى (المُكَفِّرة ) ولا عن صاحب هوى أو بدعة في بدعته، ولا متظاهر ببدعة، متسافه بها، داعية إليها.وما دون ذلك ينقلون عنهم على الجادَّة، أي: على سبيل الاعتبار، كالشأن في سياق الشواهد والمتابعات في المرويّات. (تصنيف الناس بين الظن واليقينللشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله403 ) .

* - حكم التصنيف :هو من البهتان إن كان مبعثه سوء الظن أو التشفي والانتقام ، أو الحسد أو البغي ، أو الحزبية والتعصب .
وإذا كان الإنسان مقيماً عليه فهو مقيمٌ على كبيرة من الكبائر والعياذ بالله مهما ظن أنه على خير أو على طاعة أو على هدى؛ فهو مرتكب لكبيرة عظيمة، وحسبه أن يأتي يوم القيامة وخصومه بين يدي الله من نال منهم من العلماء أو الأخيار أو الأفاضل.
ما شُرِعَ أدبُ الاستئذان، وما يتبعه من تحسيس أهل البيت بدخول الداخل إلا للبعد عن الوقوع على العثرات، فكيف بتتبّعها؟! .
والله تعالى قد نهى عن التحسس والتجسس على المؤمنين ، وعن تتبع زلاتهم وعثراتهم، قال سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} .قال ابن حجر الهيتمي : ففي الآية النهي الأكيد عن البحث عن أمور الناس المستورة وتتبع عوراتهم .
يقول النبي : " ولا تجسسوا ولا تحسسوا" . رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
وقد ورد الوعيد الشديد لمن فعل ذلك، فقد أخرج أبو داود عن أبي برزة الأسلمي أن رسول الله قال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته. قال الألبانيحسن صحيح.


* - التصنيف بحجة التحذير من الضالين والمبتدعين :
إنَّ كشفَ الأهواء، والبدعِ المُضِلَّة، ونَقْدَ المقالات المخالفة للكتاب والسُنَّة، وتَعْرِيَة الدُّعاة إليها، وهجرَهم، وتحذيرَ الناس منهم، وإقصاءَهم، والبراءةَ من فَعَلاتهم ، سُنَّةٌ ماضية في تاريخ المسلمين، في إطار أهل السُّنَّة، معتمدين شَرْطي النَّقْد: العلم، وسلامة القصد. (تصنيف الناس بين الظن واليقين، 387 ) .
وأما وقيعةُ اهل التصنيف في أهل الفضل والدِّين فعلى شَبَهٍ ممن قال اللهُ فيهم {وَإِذَا تُتلَىٰعَلَيهِمءَايَٰتُنَابَيِّنَٰتتَعرِفُفِيوُجُوهِٱلَّذِينَكَفَرُواْٱلمُنكَرَيَكَادُونَيَسطُونَبِٱلَّذِينَيَتلُونَعَلَيهِمءَايَٰتِنَا} . واستخفافُ هؤلاء بالدِّين يَحْملهم على إشاعة أشياء عن العلماء، والدُّعاة منهم، ورجال الحِسْبة فيهم، بقصد الشَناعة عليهم. (تصنيف الناس بين الظن واليقين، 392 ) .
سئل سماحة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : كثير من الناس اليوم يتكلمون في المشائخ والدعاة والعلماء بحجة الجرح والتعديل فهل للجرح والتعديل شروط ؟.فقال : الجرح والتعديل في علوم الحديث ما هو بالغيبة والنميمة ، الغيبة والنميمة حرام ولا هي الجرح والتعديل ، ولا يجوز الكلام في الناس والكلام في العلماء وطلبة العلم وأهل الخير ، ولو لاحظت عليهم شيئاً ما يجوز لك أن تتكلم في غيبتهم ، حرام هذه غيبة ونميمة ، اذا لاحظت عليهم شيء تبلغهم هذا الشيء فليس هذا من الجرح والتعديل هذا من الغيبة. انتهى كلامه.
وسئل حفظه الله : ماهو الضابط في التحذير من المخالف؟. فأجاب : أنا أقول اتركوا الكلام في الناس اتركوا الكلام في الناس ، فلان حزبي ... فلان كذا ... اتركوا الكلام في الناس ، ابذلوا النصيحة وادعو الناس إلىاجتماع الكلمة ، وإلى تلقي العلم عن أهله، وإلى الدراسة الصحيحة ، إمادراسة دينية وهذه أحسن ، أو دراسة دنيوية تنفع نفسك وتنفع مجتمعك ، أماالاشتغال بالقيل والقال، فلان مخطىء ، وفلان مصيب ، وفلان كذا ... هذا هو الذي ينشر الشر ، ويفرق الكلمة ، ويسبب الفتنة...إذارأيتَ على أحدٍ خطأ.. تناصحه ،بينك وبينه ما تجلس في مجلس ، تقول فلان سوىكذا وفلان سوى كذا...تناصحه فيما بينك وبينه ..هذه النصحية أما كلامك فيالمجلس عن فلان هذه ليست نصيحة هذه فضيحة..هذه غيبة..هذه شر .
ورد في بعض الآثار لفظ " السلف"، ولا شك أن الانتماء إلى طريقتهم واتباع هديهم شرف ما بعده شرف ، ولكن إذا استعملت هذه العبارة للتعصب والتحيز ، صارت ممقوتة .
جاء في السيرة أنه اقتتل غلامان ، غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار ، فنادى المهاجر : يا للمهاجرين ، ونادى الأنصاري : يا للأنصار ، فخرج رسول الله  قائلاً : " ما هذا ، أبدعوى الجاهلية أنا بين أظهركم ، دعوها فإنها منتنة ". رواه مسلم . مع أن اسم المهاجرين والأنصار وردا في القرآن الكريم ورضي الله عن أهلهما وتاب عليهم وهم محبوبون لله ولرسوله  . ولكن لما استعمل هذين الاسمين لنوع من العصبية صار ذلك من فعل الجاهلية . وصارت دعوى منتنة لأنها تقود إلى التفرق والنزاع .
وقريب من هذا ما ذكره شيخ الإسلام ، ونقله عنه ابن بطة في الإبانة ( 238 ) واللالكائي ( 133 ) ، حيث قال : روينا عن معاوية  أنه سأل ابن عباس  أأنت على ملة علي أو ملة عثمان ؟. فقال: لست على ملة علي ولا على ملة عثمان بل أنا على ملة رسول الله  .
أما إذا كان المقصود من هذه التسميات تمييز أهل البدعة والفرقة عن أهل السنة والجماعة ، فإن التحذير لا يكون بالتسميات والتقسيمات، بل يكون بذكر أوصافهم دون تعيينهم أو تصنيفهم .
قال الشاطبي رحمه الله:( ينبغي أن تذكر أوصاف أهل البدع ، ولا يعينون بأعيانهم لئلا يكون ذلك داع إلى الفرقة والوحشة وعدم الألفة التي أمر بها الله ورسوله . قال تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}.وقال تعالى { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم}.وفي الحديث :" لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً ".رواه البخاري . وأمر عليه الصلاة والسلام بإصلاح ذات البين ، وأخبر أن فساد ذات البين هي الحالقة ، وأنها تحلق الدين والشريعة طافحة بهذا المعنى).أ.هـ.( الاعتصام 423 وما قبلها ) .






* - من أسباب التصنيف :
1/ تلبيس إبليس، وتلاعبه في بعض العباد بداء الوسواس، وكثيرًا ما يكون في هؤلاء الصالحين مَنْ نَفَثَ فيهم أهلُ الأهواء نفثة، فتمكّنت من قلوبهم، وحسبوها زيادة في التوقّي والورع، فطاروا بها كل مطار حتى أكلت أوقاتهم، واستلهمت جهودهم، وصدّتهم عما هم بحاجة إليه من التحصيل، والوقوف على حقائق العلم والإيمان.ولهذا كثرت أسئلتهم عن فلان وفلان، ثم تنزّلت بهم الحال إلى الوقوع فيهم. ص406
2/ أو يكون الدافع: "داء الحسد والغي والغيرة" وهي أشد ما تكون بين المنتسبين إلى الخير والعلم، فإذا رأى المغبون في حظّه من هبوط منزلته الاعتبارية في قلوب الناس، وجفولهم عنه، بجانب ما كتب الله لأحد أقرانه من نعمة - هو منها محروم-؛ من القبول في الأرض، وانتشار الذكر، والتفاف الطلاب حوله = أخذَ بتوهين حاله، وذمّه بما يشبه المدح : فلان كذا إلا أنه...وقد يسلك - وشتّان بين المسلكين- صَنيعَ المتورّعين من المُحَدِّثين في المجروحين؛ كحركات التوهين، وصِيَغ الدعاء التي تشير إلى المؤاخذات، والله يعلمُ أنه لا يريد إلا التمريض، يفعل هذا كمدًا من باب الضرب للمحظوظين بوساوس المحرومين. وكل هذا من عمل الشيطان.(تصنيف الناس بين الظن واليقين407 ).
3/ أو الدافع:"عداوة دنيوية"، فكم أثارت من تباغض وشحناء، ونكد، ومكابدة. فهؤلاء دائمًا في غُصَّة من حياتهم، وتَحرّق على حظوظهم، ولا ينالون شيئًا."وإنما أهلكَ الناسَ الدرهمُ والدينار"، واللبيب يعرف شرحَ ذلك.
* - خطورة التصنيف :
1/ بلبلة أفكار كثير من الشباب . فمنهم من وقع في حزبية مقيته وعصبية جاهلية منتنة ، ومنهم من صار بينه وبين العلماء فجوة كبيرة ووحشة عظيمة فابتعد عنهم بل وقع في أعراضهم ، ومنهم من بات يرى الناس ضلالاً غلا من كان على شاكلته.
ذَكَرَ الإِمَاُم أَحمَدَ في العِلل ومعرفةِ الرِّجَاِل عن الحسن قال :شَهِدتُهُم يَومَ تَرَامَوا بِالحَصَا فِي أَمرِ عُثمَانَ حَتَّى جَعَلتُ أَنظُرَ فَمَاَ أَرَى أَدِيمَ السَّمَاءِ مِنَ الرَّهَجْ (أي من الغبار) ، فَسَمِعتُ كَلَامَ امرَأةٍ مِن بَعضِ الحُجَر قِيلَ هَذِهِ أمُّ المُؤمِنِينَ فَسَمِعتُها تَقَوُلُ :" إِنَّ نَبِيَّكُم قَد بَرِىَء مِمَن فَرَّقَ دِينَهُ واحْتَزَبْ ". قالَ عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ :هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ .
ولذا حذَّر العلماءُ ، من هذه الفئة التي تصنف الناس ، فتهدم، ولا تبني، وتفرّق ولا تجمع، وتفضح ولا تنصح، وتُوقد نار الفتنة بين المسلمين بالشقاق والنزاع والتحريض والتفريق. ومن ذلك :
- وجه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء تحذيراً هاماً للدعاة وطلبة العلم من الدخول في النيَّات، وتقسيم المجتمع وتشتيته، وتصنيفه الى جماعات وفئات.كما حذَّر من نشر الأحقاد وتوزيعها، إذ إن كثيراً من الدعاة والطلبة شغلوا أنفسهم عن الدعوة إلى الله بأمور لاقيمة لها، وترهات ونزعات، بدلاً من السعي إلى المحبة ووحدة الكلمة والصف والدعوة إلى اللحُمة الوطنية الإسلامية.وشدَّد على أن المسلمين في أمس الحاجة إلى لحُمة وطنية إسلامية تقف صفاً واحداً أمام كل التحديات، وتجمع القلوب على طاعة الله وتآلفها على شرع الله لنكون صفاً واحداً أمام كل التحديات التي تستهدف ديننا وأمننا وأخلاقنا.
فالتصنيف رقية الحزبية : والحزبية في الاسلام حرام . سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حكم تعدد الجماعات والأحزاب في الإسلام ، وما حكم الإنتماء إليها ؟. فأجاب رحمه الله:"إن نبينا محمداً ِ بين لنا درباً واحداً يجب على المسلمين أن يسلكوه ، وهو صراط الله المستقيم ،ومنهج دينه القويم ، قال الله تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فالواجبُ عَلَى عُلماءِ المسلمينَ توضيحُ الحقيقةِ ، ومناقشةُ كلِّ جماعةٍ ،ونُصحُ الجميعِ بأن يَسِيُروا فِي الخطِ الذى رَسَمَهُ اللهُ لعبادهِ ،ودَعَا إليهِ نبيُنَامحمدٌ ومن تجاوزَ هَذَا واستمرَّ في عنادِهِ ،فإنَّ الواجبَ التشهيرُ به، والتحذيرُ منهُ ،ممن عرفَ الحقيقةَ حتَّى يتجنبَ النَّاسُ طريقَهم وحتَّى لا يدخلَ معهم من لا يعرفُ حقيقةَ أمرِهم فَيُضِلوهُ ويَصرِفُوهُ عن الطريقِ المستقيمِ الذى أمَرَنَا اللهُ باتباعِهِ….ولا شكَّ أنَّ كثرةَ الفرقِ والجماعاتِ في البلدِ المسلمِ مما يحرصُ عليهِ الشيطانُ أولاً ،وأعداءُ الإسلامِ ثانياً". أ . هـ .
وقَالَ الْشَّيخُ بنُ عُثَيمِيْنَ رَحِمَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ :" لَيْسَ فِىْ الْكِتَابِ وَلَا فِىْ الْسُنَّةِ مَا يُبِيْحُ تَعَدُّدَ الْجَمَاعَاتِ وَالْأَحْزَابِ ، بَلْ إِنَّ فِىْ الْكِتَابِ وَالْسُنَّةِ ذَمَّاً لِذَلِكَ ،قَالَ الْلَّهُ تَعَالَىْ { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُوْنَ } وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعَدُّدَ هَذِهِ الْأَحْزَابِ يُنَافِي مَا أَمَرَ الْلَّهُ بِهِ ، بَلْ مَا حَثَّ عَلَيْهِ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوْنِ} (كِتَابُ الْصَّحْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ضَوَابِط وتَوْجِيْهَات ) .
وَقال الشيخ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ:"لَا يَخْفَي عَلَيْ كُلِّ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِالْكِتَابِ وَالْسُّنَّةِ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُنَا الْصَّالِحُ رَضِيَ الْلَهُ عَنْهُمْ أَنَّ الْتَّحَزُبَ وَالَتَّكَتُّلَ فِيْ جَمَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَنَاهِجِ وَالْأَسَالِيْبِ لَيْسَ مِنْ الْإِسْلَامِ فِيْ شَيْءٍ , بَلْ ذَلِكَ مِمَّا نَهَىَ عَنْهُ رَبُنَا عَزَّوَ جَلَّ فِيْ أَكْثَر مِنْ آَيَةٍ فِيْ الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ ". (فَتَاوَىْ الْشَّيْخِ الألْبَانّىِّ لِعُكَّاشَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَنَّان 106).
2/ اتباع الهوى : فمعلوم أنَّ إصدارَ أي حكم لا يخلو من واحد من مأخذين لا ثالث لهما:
- الشريعة: وهي المستند الحق، وموئل العدل، وماذا بعد الحق إلا الضلال.(تصنيف الناس بين الظن واليقين، 408 ) .
- الهوى: قال تعالى{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}.
النفس مشحونة بحب العلو والرياسة وإن خفي ذلك على صاحبها ، كما قال شداد بن أوس : (يا بقايا العرب ، إن أخوف ما أخاف عليكم : الرياء والشهوة الخفية ، قيل لأبي داود السجستاني ، صاحب السنن ، وما الشهوة الخفية ؟ . قال : حب الرئاسة ، فهي تخفى على الناس ، وقد تخفى على صاحبها).( مجموع الفتاوى 16 / 346 ).
قال الشاطبي رحمه الله : (كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك عداوة ولا بغضاء ولا فرقة ، علمنا أنها من مسائل الإسلام ، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء ، فيجب على كل عاقل أن يجتنبها ، ودليل ذلك قوله تعالى {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى ، فالإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، وكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين ) . (الموافقات 186 ) .
3/ الظلم : إن تجريح الناس وتصنيفهم بغير حق شُعْبة من شُعَب الظُّلم، فهو من كبائر الذنوب والمعاصي، فليحذر الطعانون سلوك جادّة يمسّكَ منها عذاب. (تصنيف الناس بين الظن واليقين 419 ).
وقد حفلت الشريعة بنصوص الوعيد لمن ظلم، واعتدى، تُنذِر بعمومها محترفي التصنيف ظُلمًا وعدوانًا، وظنًّا وبُهتانًا، وتحريشًا وإيذاءً. فالظالمُ قد ظَلَمَ نفسه، وخسرها، مُتَّبعٌ لهواه، قد بَدَّل الحق إلى الباطل، يُحَوِّل القول إلى غيره، مفترٍ، كذّاب، حُجَّته أبدًا: الهَوَى، مُتَعَدٍّ لحدود الله، ولهذا استحق هذا الوصف البَشِع: "الظالم" كما قال تعالى {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَهُمُٱلظَّٰلِمُونَ}
وليحذر الأتباع من سلوك سبيل الظلمة ، فقد جاءت النصوص ناهيةً عن معاشرة الظالِم، والركون إليه، وتولّيه، والقعود معه {فَلَا تَقعُدۡبَعدَٱلذِّكرَىٰمَعَٱلقَومِٱلظَّٰلِمِينَ} والنهي عن السَّكَن في مسكنه، ويُخاطَب بغير التي هي أحسن، وأنَّ السبيل عليه {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظلِمُونَٱلنَّاسَ } (تصنيف الناس بين الظن واليقين، 418) .
فالظالِمُ: لا يُفلِح، وليس له من أنصار، والله لا يحب الظالمين، وليس للظالِم من وليٍّ ولا نصير، ودائمًا في ضلال مبين، وفي زيادة خَسار وتباب، وعليه اللعنة، وللظالِم سوء العاقبة، وقُطِع دابره، والظالِم وإن قَوِيَ فإن القوة لله جميعًا، ولا عدوان إلا على الظالمين . (تصنيف الناس بين الظن واليقين، 418)
وقد تنوَّعت عقوبات الظَّلَمة والظالمين في هذه الدنيا: برجز من السماء، والأخذ بالصاعقة، وبالطوفان، وتدمير بيوتهم، وخوائها، وأَخْذ الظالِم بعذاب بئيس، وأنَّ عقوبةَ جرمة تَعُمّ، وحالُه شديد في غمرات الموت. ص418-419وللظالِم من الوعيد يوم القيامة: الوعيد بالنار، وبوَيْل، وبعذاب كبير، وسَيَعَضُّ على يديه، وسيجد ما عمل حاضرًا، ولا يظلمُ ربك أحدًا. (تصنيف الناس بين الظن واليقين، 419) .
ورُبَّما يُبتلى "الجَرَّاح" بمن يشينه بأسوأ مما رمى به غيره، مع ما يلحقه من سوء الذكر حيًا وميتًا، فنعوذ بالله من سوء المنقلب. (تصنيف الناس بين الظن واليقين، 420) .
4/ في الطعن والتصنيف هضم لحقوق المسلمين في دينهم وأعراضهم ، ومن الأصول الشرعية تحريم النيل من أعراض المسلمين عامة وأهل العلم خاصة . قالعام حجة الوداع :" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ". أخرجه الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه .
قال بعضُ السلف:"أدركنا السلفَ الصالحَ وهم لا يرَون العبادة في الصلاة والصيام، ولكن في الكفِّ عن أعراض الناس".
وكان مالكُ بن دينار رحمه الله يقول:"كفَى بالمرء إثمًا ألا يكون صالحًا، ويقعَ في عِرض الصالحين ".
والأعظمُ من القدح البائِن الصريحِ، والطعنِ والتجريحِ: الحُكمُ على النيَّات، واتِّهامُ المقاصِد والمآلات، والخوضُ بكل صفاقةٍ في غيب السرائر، وقذفُها بالعيُوبِ والجرائِر، التي لا يعلمُ حقيقتَها إلا الله عز وجل .
قال الإمام أحمد رحمه الله:"ما رأيتُ أحدًا تكلَّم في الناس إلا سقط".
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"والكلامُ في الناس يجبُ أن يكون بعلمٍ وعدلٍ، لا بجهلٍ وظُلمٍ، والوقيعةُ في أعراضِهم أشدُّ من سرقة أموالِهم ".




* - مما يعالج به هذا الداء :
1/ الاعتصام بحبل الله بالوحدة والألفة والتعاون على الحق وعلى البر والتقوى والتكاتف والتعاضد .عن أبي موسى  قال : قال رسول الله  :" المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ، ثم شبك بين أصابعه". متفق عليه .
يقول القرطبي رحمه الله : ( فواجب على الناس التعاون ، فالعالم يعين بعلمه والغني بماله والشجاع بشجاعته في سبيل الله ، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ، فالمؤمنون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ) . (التفسير 6 / 47 ) .
وإن مخالفة هذا الأصل العظيم بالتفرق والجرح والطعن والتصنيف ، تورث الشقاق والاختلاف كما قال تعالى {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق } .
فالله تعالى أوجب أن نجعل اجتماعنا ووحدتنا حول دينه وكتابه لا حول حزبيات تشرذم وتسميات تفرق ومذاهب مضللة وجاهلية منتنة .
2/ معرفة أن الاختلاف لا يبرر الطعن والقدح بالتصنيف أو بغيره .
فوقوع الاختلاف أمر قدري كوني . قال تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ...}.
الخلاف أمر متوقع لا غرابة فيه لكون الناس متباينين في قدراتهم وعقولهم وأفهامهم وأهوائهم . لكن الخلاف يصبح شراً إذا أدى إلى التباغض والقدح والطعن والتجريح بالمخالف . وهذا النوع هو الذي يؤدي إلى فرقة الأمة وتشرذمها .
ولذا جاءت النصوص القرآنية والنبوية في التحذير منه، كقوله تعالى { وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ }.وقوله { وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. وقوله {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ }.
وبالتأمل في تاريخ الأمة الطويل نجد أن الخلاف قد وقع بين علماء أهل السنة ، لكنه لم يكن يوماً سبباً لشر أو تصنيف او تجريح أو فرقة أو تشرذم أو تنافر. يقول شيخ الإسلام: (كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كانكلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة). (الفتاوى 4/172- 173).
ويقول يونسالصدفي: ( مارأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا ولقيته فأخذبيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة ).قالالذهبي:(هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه،فما زال النظراء يختلفون). (السير 10/16-17)، وقالمحمد بن أحمد الفنجار: ( كانلابن سلام مصنفات في كل باب من العلم،وكان بينه وبين أبي حفص أحمد بن حفص الفقيه مودة وأخوة مع تخالفهما في المذهب). (سيرأعلام النبلاء10/630).
كما ينبغي أن لا يُنكر على المجتهد في اجتهاده وعمله بهذا الاجتهاد، لكن هذا لا يمنع هذا من إقامة الحجة عليه أو المحاورة معه للخروج من الخلاف والوصول إلى الحق، بل هو الأولى، إذ مازال السلف يرد بعضهم على بعض في مسائل الفقه والفروع من المعتقد، وهذا من النصيحة للمسلمين.
وقد نقل عن كثير من السلف عدم الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان للاجتهاد فيها مساغ . ومقصدهم في ذلك الإنكار المؤدي إلى الفرقة ، لا مجرد التنبيه وإقامة الدليل على صحة ما يعتقده الإنسان، وإلا انسد كثير من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول سفيان: (إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه ). (الفقيه والمتفقه 2/69).
ويقول أحمد فيما يرويه عنه ابن مفلح: (لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم ). وقال ابن مفلح: ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع ). (الآداب الشرعية 1/186) .
قال النووي : ( ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً) . (شرح النووي على صحيح مسلم 2/24).
ويقول ابن تيمية:(مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه)(مجموع الفتاوى20/207)
وسئل القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به فقال: ( إن قرأت فلك في رجال من أصحاب محمد رسول الله  أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله  أسوة).(التمهيد، ابن عبد البر 11/54).
وعبر الفقهاء عن هذا بقاعدة تقول: ( الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد). (الأشباه والنظائر لابن نجيم 105).
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم من التابعين في كثير من المسائل : فمنهم من كان يجهر بالبسملة في الصلاة ومنهم من لا يرى ذلك ، ومنهم من كان يتوضأ من الرعاف والقيء والحجامة ومن من لا يرى ذلك ، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل أو مما مسته النار ومنهم من يرى رأيه لعدم بلوغ الدليل . ولم يكن هذا الاختلاف مبرراً للطعن والتثريب والتفسيق والعداوة والبغضاء فيما بينهم .
عن أنس  قال: "إنا معشر أصحاب رسول الله كنا نسافر، فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ولا المقصر على المتم، ولا المتم على المقصر". رواه البيهقي في السنن .
ولا زال علماء السلف يختلفون ، لكن لم يقدح بعضهم ببعض . قال القرطبي: ( كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً . وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد) رغم أنه يرى أن خروج الدم بحجامة أو غيرها ينقض الوضوء.(الجامع لأحكام القرآن،القرطبي، 23/375).
يقول الإمام أحمدبن حنبل: ( لميعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإنالناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً ) . (سير أعلام النبلاء 11/371).
وفي عصرنا حدث خلاف بين علماء كبار العلماء كالشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ محمد الصالح العثيمين رحمهم الله تعالى ، في كثير من المسائل الفقهية : كحكم تارك الصلاة ، وإباحة الذهب المحلق، وتغطية وجه المرأة ، والأخذ من اللحية ما زاد عن قبضة ، ووضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع وغيرها .
ولكن لم يكن هذا الخلاف أبداً سبباً للتنافر بين هؤلاء العلماء الأجلاء أو ذريعة للقطيعة وعدم التعاون . بل كان كل واحد منهم يذكر الآخر بخير ويثني عليه .
3/ النصح هو السبيل : لا عصمة لأحد بعد رسول الله ، والعالم قد يزل ، والداعية قد يخطئ ، ولذا حذَّر أهل العِلم من زلة العالم وأنكروا على من أصرَّ عليها أو تابَعَه فيها ، منطلقين في ذلك من هدي النبي في النصيحة، حيث روى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أنّ رسول الله قال : " الدين النصيحة "، قلنا : لمن ؟ قال :"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
الواجب علينا أن نلتزم تجاه العلماء بأدبَين جليلين :
الأوّل : توقيرهم ومعرفة قَدرهم ، وعدَم الحط من مكانتهم ، أو الطعن في علمهم وأمانتهم بسبب ما قد يقعون فيه من زلاّت ، أو يخطئون فيه من الفتاوى و السؤالات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين اضطره المقام إلى الخوض في مسألة زلات العلماء :" نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة ، أو انتقاص أحد منهم ، أو عدم المعرفة بمقاديرهم وفضلهم ، أو محادتهم و ترك محبتهم و موالاتهم ، و نرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم و يواليهم و يعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع ، وأن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ". (الفتاوى الكبرى : 6 / 92) .
و قال أيضاً : " ليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم و الإيمان إلا بما هم له أهل ". (مجموع الفتاوى 32 / 239 ) .
وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي : " و لو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه و بدَّعناه ، و هجرناه ، لما سلم معنا ابن نصير ، و لا ابن مندة ، و لا من هو أكبر منهما ، و الله هو هادي الخلق إلى الحق ، هو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى و الفظاظة ". (سير أعلام النبلاء 40/14) .
الثاني : الإعراض عن المسائل المعدودة من قبيل زلات العلماء ، وعدم ذكرها أو العمل بها ، أو الانتصار لها ، أو الدعوة إليها ، كي لا يغترّ أحدٌ بها لصدورها من عالم موثوق في علمه ، وعدالته ، ورجاحة رأيه ، فيصير الناس إلى تقليده فيها مع ظهور الخطأ عنده ، وجلاء الحق عند غيره ، أو إلى الطعن فيه ، وغمز قناته ممّن دأبوا على تتبّع السقطات ، والطعن في العلماء والدعاة .
قال ابن الجوزي في كتابه السر المكتوم : " هذه الفصول هي أصول الأصول و هي ظاهره البرهان ، لا يهولنك مخالفتها لقول معظم في النفس ، و قد قال رجل لعلي عليه السلام أتظن أنا نظن أن طلحة و الزبير على الخطأ و أنت على الصواب ؟ فقال : إنه ملبوس عليك ، اِعرِف الحق تعرف أهله . وقال رجل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إن ابن المبارك قال كذا فقال إن ابن المبارك لم ينزل من السماء". (الفروع في الفقه الحنبلي 6/381 ) .
و قال الإمام القرطبي في تفسيره (10 / 131)بعد أن ذَكَرَ الخلاف في حكم شرب النبيذ : " فإن قيل : فقد أحل شربه إبراهيم النخعي ، و أبو جعفر الطحاوي ، و كان إمام أهل زمانه ، و كان سفيان الثوري يشربه ، قلنا : ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي ، و هذه زلة من عالم ، و قد حُذِّرْنا من زلة العالم ، ولاحجة في قول أحد مع السنة" .
4/ عدم الخوض في الاشاعات : البعض شُغلهم الشاغل: "تطيير الأخبار كل مَطار" يَتلقّى لسانٌ عن لسان بلا تثبّت ولا رويّة، ثم ينشره بفمه ولسانه بلا وعي ولا تعقّل، فتراه يقذف بالكلام، ويطير به هنا وهناك. والواجب أن يكون المسلم على جانب كريم من سُمُوّ الخُلُق وعلو الهمّة، وأن لا يكون مَعْبَرًا تُمَرَّرُ عليه الواردات والمُختَلَقَات. (تصنيف الناس بين الظن واليقين438) .
الواجب على من سمع بطعن أو قدح في عالم أو داعية أو غيره ، أن يذب عنه ن ومن ذب عن عرضه ذب الله عن وجهه النار يوم القيامة.
وعليه أن يكف لسانه وأن يصم سمعه ، وألا يكون من الذين قال تعالى عنهم { إذ تلقونه بألسنتهم } ، فالاشاعة خطرهاكبير على الأمة في دينها ووحدتها .والشائعات من أقوى أسلحة أهل الباطل في الصد عن الحق وأهله .
فقد كان خصوم الرسل يُشيعون عنهم أنهم كذابون أو مجانين أو سحرة أو ممسوسون أو سفهاء ، حتى صدَّق كثيرون ذلك ، فكذبوا الرسل ولم يصدقوهم قال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } وقال تعالى {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} وقال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ }.
وفي غزوة أُحُد صرخ الشيطان أن محمداً قتل فسرت هذه الشائعة بين المؤمنين ففتت في عضدهم وأوهنت قوتهم وتسلط عليهم العدو .
وفي زمن عثمان أشاع عنه أعداء الإسلام وأهله ممن يتستر بالإسلام إشاعات تتهمه بالظلم والأثرة والخروج عن هدي النبي  وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فحقد عليه من حقد وتظاهروا عليه في المدينة وحصروه في داره ثم قتلوه رحمه الله ورضي عنه.
ولا تزال الشائعات موجودة متجددة في المجتمعات وتفعل فعلها وتنفث سمومها فكم كُذب من صادق وخُوِّن من أمين واتُهِم من بريء وحصل بسببها من المفاسد الخاصة والعامة ما لا يمكن حصره ولا عده.
وقد ازداد خطرها في هذه الأيام لسهولة نشرها وتناقلها من خلال وسائل الإعلام والتواصل والمحادثات بين الناس مع ضعف الأمانة والديانة لدى البعض ، وظهور الاختلاف والعداوات بين آخرين ، وسعي بعضهم في إضرار بعض . (خطر الشائعات والموقف الصحيح منها 1-2 بتصرف كبير) .
وفي ذمّ الله عز وجل المسارعين في نقل الأخبار حثٌ على التروي والتؤدة. روى أبو داود في سننه عن النّبِيِّ قال: " التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ".وعن أنسِ رضي الله عنه عن النّبِيِّ قالَ: "التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ". رواه البيهقي. وقوله: " التأنّي " من الله تعالى أي: ممّا يرضاه الله، وأمر به، ويوفّق إليه، ويثيب عليه.وثوله : " العجلة من الشّيطان " : قال المناوي:" أي هو الحامل عليها بوسوسته، لأنّ العجلة تمنع من التثبّت، والنّظر في العواقب". (انظر تفسير سورة الحجرات ، لعبد الحليم توميات ، نقلاً من موقعه ) .
ومدح النبيّ أهل التأنّي ، ففي صحيح مسلم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قالَ : قال نَبِيُّ اللهِ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ".
قال ابن القيّم وهو يعدّد فوائد الحديث:" وفيه: مدح صفتي الحِلم والأناة، وأنّ الله يحبّهما، وضدّهما الطيش والعجلة، وهما خلقان مذمومان مفسدان للأخلاق والأعمال". (زاد المعاد في هدي خير العباد 3/529)
ويزداد الأمر توكيدًا إذا تعلّق الأمر بالدّماء والأعراض والأحكام الشّرعيّة، لما في انتشار الأخبار الكاذبة من ضرر عظيم، وشرّ جسيم. (انظر تفسير سورة الحجرات ، لعبد الحليم توميات ، نقلاً من موقعه).
لا تُقرِّر المؤاخذة إلا بعد أن تأذنَ لك الحُجَّة، ويقومَ عندك قائم البرهان كقائم الظهيرة. (تصنيف الناس بين الظن واليقين438) .
5/ التمسك بهذا الاسم (المسلمون) فهو الوصف الأدق والأعلم والأحلى، ولذا سمى الله جل ثناؤه به نبيه ، وأمره التزامه، وأن يجهر به ولا يخافت{قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين } .
هذه التسمية قد وُصف به الأنبياء جميعاً بلا استثناء. قال نوح عليه السلام{فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } . {ووصى بها إبراهيم بينه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} . { وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}. وشهد حواريو عيسى عليه السلام ورضي الله عنهم بأنهم (مسلمون ) { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون } . وقال يوسف عليه السلام {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين } .
هذا الوصف هو الذي أُمر المسلم أن يموت عليه ، لا على ألقاب أو تصنيفات {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }
6/ سلامة الصدر : قال تعالى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّإِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}. وقال:"لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولاتقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث". رواه مسلم.
قال الشيخ يكر أبو زيد رحمه الله : "ليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء، والصفاء، والشفقة على الخلق ما يحملك على استيعاب الآخرين، وكظم الغيظ، والإعراض عن عِرْض من وقع فيك، ولا تُشْغِل نفسك بذكره، واستعمل: "العزلة الشعورية". فهذا غاية في نُبْل النفس، وصفاء المَعْدن، وخُلُق المسلم.وأنتَ بهذا كأنما تُسِفُّ الظالمَ المَلَّ.والأمور مرهونة بحقائقها، أما الزَّبَد فيذهب جُفَاء". (تصنيف الناس بين الظن واليقين 434 ) .
من حشا جوفه بالأحقاد والغل والبغضاء والغش للمسلمين؛ فقد استعجل الشقاء . قال ابن حزم : رأيتأكثرالناسإلامنعصماللهتعالىوقليلماهميتعجلونالشقاءوالهموالتعبلأنفسهمفيالدنياويحتقبونعظيمالإثمالموجبللنارفيالآخرةبمالايحظونمعهبنفعأصلاًمننياتخبيثةيضبونعليهامنتمنيالغلاءالمهلكللناسوللصغارومنلاذنبلهوتمني ) . شدالبلاءلمنيكرهونهوقدعلموايقيناًأنتلكالنياتالفاسدةلاتعجللهمشيئاًممايتمنونهأويوجبكونه. وإنهملوصفوانياتهموحسنوهالتعجلواالراحةلأنفسهموتفرغوابذلكلمصالحأمورهمولاقتنوابذلكعظيمالأجرفيالمعادمنغيرأنيؤخرذلكشيئاًممايريدونهأويمنعكونه.فأيغبنأعظممنهذهالحالالتينبهناعليهاوأيسعدأعظممنالتيدعوناإليها.(الأخلاق والسير 60 -61 ) .
وتتأكد سلامة الصدر تجاه العلماء وأن لا يعتقد أنهم تعمدوا ترك الحق الذي بان له - وقد يكون هو المخطئ - ، وعليه فلا يحكم بهلكتهم في خلافهم له ، بل يلتمس لهم العذر في ذلك. قال : " إذا حكمالحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر". رواه البخاري ومسلم .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وفي الصحيح يقول الله عز وجل : " قد فعلت" رواه مسلم. ( الفتاوى 19/286).
ومنه قول علي لعمر بن طلحة بن عبيد الله ، وكان بينه وبين طلحة  خلاف يوم الجمل: (إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك في الذين قالالله عز وجل فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ }. رواه الحاكم والبيهقي في السنن .
قال يحيى بن سعيد الأنصاري : ( ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرّم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه ) .(جامع بيان العلم 2/80 ).
وفي أصحاب الخلاف الشاذ الذين أحلوا نكاح المتعة وربا الفضل وشرب النبيذ ، يقول ابن تيمية في تحقق النصوص الشرعية التي جاءت بالوعيد لمن صنع ذلك:( فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد، لما كان لهم العذر الذي تأولوا به، أو لموانع أخرى). (رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص66).
قال سفيان بن دينار: قلت لأبي بشير -وكان من أصحاب علي-: أخبرني عن أعمال من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسَلَامة صدورهم. (الزهد لهناد بن السري 2/600 ) .
وقيل: أَنَّه لَا طَرِيق أقرب من الصِّدْق، وَلَا دَلِيل أنجح من العِلم، ولَا زَاد أبلغ من الـتَّقْوَى، وما رأيت أَنْفَى للوسواس من ترك الفضول، ولَا أنور للقلب من سَلَامة الصَّدر . (رسالة المسترسدين للمحاسبي 61-62 ).


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved