الأربعاء 29 رجب 1438 / 26 أبريل 2017    
في



ضريبة اختلال الأمن
01-10-1438 11:02
ضريبة اختلال الأمن
( جريمة القتل العمد / جريمة الاعتداء والمضاربة / جريمة الاغتصاب والزنا والسفاح)

الأمن نعمة كبرى لا يعرف فضلها إلا من حرمها ، ومن شك في هذا فليلتفت ذات اليمين وذات الشمال إلى دول كانت إلى وقت قريب تنعم بالأمن والاستقرار ، فبات الناس فيها يتمنون ليلة هادئة آمنة دون خوف أو ترويع أو تفجير أو سفك دماء بريئة وإزهاق أرواح معصومة.
فالأمن مطلب ينشده الجميع ؛ الغني والفقير والكبير والصغير والعامل والوزير والراعي والرعية والرجل والمرأة ، وتعظم الحاجة إليه في أمة لا تتنعم بالإيمان ما لم يتحقق الأمن ، فهذه الأمة إذا آمنت أمنت، وإذا أمنت نمت .
الأمن ثمرة من ثمرات الإيمان ، وسبب من أسبابه في نفس الوقت ، ينعم المؤمن في ظلالها بالهدوء والسكينة والاطمئنان. قال تعالى{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمناً } . وقال تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } .
وقد امتنّ الله على الخلق بنعمة الأمن، وذكّرهم بهذه المنّة، ليشكروه عليها، وليعبدوه في ظلالها، قال الله تعالى { أَوَلَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شيء رّزْقاً مّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وقال تعالى { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ }.
وعن عبيد الله بن محسن الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" رواه الترمذي.وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال:"اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، هلال خير ورشد، ربي وربك الله " .أخرجه الإمام أحمد .
فالأمن ضرورة دائمة وركن رئيس وأصل في العطاء ، إذا استتب؛ عُمِرت الأرض وظهر العدل وتقهقر الظلم وتجدد الإبداع وتتابع التجديد وسمت العقول وسكنت النفوس ، وأشرق نور العلم وانزوى الجهل وعفَّت النفوس وتصدر الأكفاء ، وتتابع الخير واستمر العطاء وتوالت الأرزاق.
وإذا اختل الأمن سُفِكت الدماء وأُُزهِقت الأرواح وظُلِم الأبرياء وكثرت الجريمة ، واستبيحت الأنفس المعصومة لأدنى شبهة ولأتفه سبب .
وشأن الدماء عند الله عظيم، فأول ما يقضى بين الناس في خصوماتهم يوم القيامة في الدماء . قال صلى الله عليه وسلم :" لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً". رواه البخاري.
والفسحة في الدين هي سعة الأعمال الصالحة التي تكفر الذنوب والسيئات حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره .
قال تعالى {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } فجعل الله القتل بعد الشرك وثنى به بعد الكفر وما ذاك إلا لعظيم شأنه وجليل خطره .
بل إن زوال الدنيا عند الله أهون من قتل المسلم كما قال صلى الله عليه وسلم :" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم النار". رواه الأصبهاني وصححه الألباني . وقال صلى الله عليه و سلم :"لو أن أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم الله في النار" . قال ابن العربي رحمه الله ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق وثبت الوعيد بذلك فكيف بقتل الآدمي بل كيف بقتل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
لقد أبطل النبي صلى الله عليه و سلم كل تأويل وتبرير لاستباحة الدماء المعصومة عندما قتل أسامة بن زيد رضي الله عنه رجلاً شهد أن لا إله إلا الله عندما رأى بارقة السيف فوق رأسه ، فتأول أسامة رضي الله عنه أنه قال ما قال تعوذاً من القتل فقال له صلى الله عليه و سلم :" أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ، ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟". فما زال صلى الله عليه و سلم يشدد النكير على أسامة حتى قال أسامة رضي الله عنه : تمنيتُ أني لك اكن أسلمت قبل يومئذ.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" . رواه البخاري .
ولأجل حرمة النفس عاقب الله قاتل النفس المعصومة بعقوبات أخروية وعقوبات دنيوية:
أما عقوبات الآخرة فقال الله عزَّ وجل { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عليه وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } فهذه عقوبات أربع كل واحدة أكبر من أختها :

الأولى : {جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا }.
الثانية : {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ }.
الثالثة : { وَلَعَنَهُ }.
الرابعة : { َأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي المقتول متعلّقًا رأسه بإحدى يديه متلبّسًا قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي العرش فيقول المقتول: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قتلني، فيقول الله تعالى للقاتل: «تعست» أي: هلكت، ويُذهب به إلى النار". رواه الطبراني وصححه الألباني .
وأما العقوبة الدنيوية فهي القصاص ، قال تعالى {َولَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وقال تعالى { وَكَتَبْنَا عليهم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو ارتداد بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به " رواه الترمذي وصححه الألباني .
ومن تأمّل قول الله عزَّ وجل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أدرك أن القصاص سبب لحياة الأمة؛ ولا يمكن القيام به إلا بسلطان مستتب وأمن مستقر ، أما إذا اختل الأمن وانفرط عقد الناس ، غابت يد العدالة أو ضعفت ، وتجرأ الناس على الدماء وعلى الأنفس وكثر الهرج ، واستباح البعض الأنفس والأموال المعصومة .
وللمال حرمته كما للنفس حرمتها وبالأمن واستقراره تحترم هذه الحقوق وتصان تلك الحرمات ، قال تعالى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
فإذا سرق الإنسان مالاً يبلغ نصاب السرقة ونصاب السرقة قدره ربع دينار فإنه تقطع يده اليمنى من مفصل الكف إذا استوفى بقية الشروط ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد امرأة كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تُقطع يدها. عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، في غزوة الفتح ، وكانت تستعير الحلي على ألسنة جاراتها, فتجحده فباعته وأخذت ثمنه ، فأتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يدها ، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد؟ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه فكلمه أسامة ، فلما كلمه فيها ؛تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ، فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، " فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد أيها الناس , إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" وفي رواية: "كانوا يقيمون الحد على الوضيع , ويتركون الشريف ، والذي نفس محمد بيده , لو أن فاطمة بنت محمد سرقت , لقطعت يدها " رواه الشيخان وغيرهما.
إن أهم الواجِبات والحقوق لكل مسلمٍ على أخيه المسلم: ألا يعتدِيَ عليه، ولا يتجاوزَ حقَّ الله فيه؛ إذ لكل مسلمٍ حقٌّ في حفظِ ضَروراتِه الخمس : الدين، والنفسُ، والمال، والعقل، والعِرضُ والنسَب، قال صلى الله وسلم عليه :" كل المُسلم على المسلم حرام؛ دمُه ومالُه وعِرضُه ". رواه مسلم.
فإذا اختل الأمن ضاعت هذه الحقوق كلّها أو جلّها ، ومرجت العهود واندس المغرضون للإيقاع بين الناس ، إما بالقتل أو بالسرقات أو بنشر المخدرات أو بترويج الأفكار المنحرفة والالحادية ، وغير ذلك من ألوان الاعتِداء والعُدوان الذي نهى الله عنه بقولِه { وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
فضلاً عما يقع بين الناس من ألوان الخصومات والمضاربات لأدنى سبب وأتفه مبرر ، والناس الآن يلجأون إلى المحاكم للاقتصاص ممن اعتدى عليهم ، فمن يأخذ حق الضعيف إذا اختل الأمن ومرجت الأمور ؟.
ومن الذي سيقوم على حفظ الأعراض من المعتدين ، سيما من يتعرضون للنساء بالاغتصاب أو السفاح والزنى ، الذي جعله الله تعالى بعد الشرك وبعد قتل النفس لعظيم خطره وكبير ضرره . قال تعالى { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً* وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} .
فالاغتصاب جريمة قبيحة محرمة في كافة الشرائع ، وعند جميع العقلاء وأصحاب الفطَر السوية ، وجميع النظم والقوانين الأرضية تقبح هذه الفعلة وتوقع عليها أشد العقوبات.
لقد أغلق الإسلام الأبواب التي يدخل من خلالها المجرم لفعل جريمته ، وذلك بسد أبواب الفاحشة ، وبتسليط سيف العدل على الجاني المعتدي :
ـــ فجاءت تشريعات الإسلام لتحفظ عرض المرأة وحياءها ، وتنهاها عن اللبس غير المحتشم ، وتنهاها عن السفر من غير محرم ، وتنهاها عن مصافحة الرجال الأجانب عنها ، ، وحث الشرع على المبادرة بزواج
ــ وأما عقوبة الاغتصاب : فعلى المغتصب حد الزنا ، وهو الرجم إن كان محصناً ، وجلد مائة وتغريب عام إن كان غير محصن . ويوجب عليه بعض العلماء أن يدفع مهر المرأة . قال الإمام مالك رحمه الله : الأمر عندنا في الرجل يغتصب المرأة بكراً كانت أو ثيبا : أنها إن كانت حرة : فعليه صداق مثلها , وإن كانت أمَة : فعليه ما نقص من ثمنها ، والعقوبة في ذلك على المغتصب ، ولا عقوبة على المغتصبة في ذلك كله. (الموطأ 2 / 734 ) .
وقال الباجي رحمه الله : المستكرَهة ؛ إن كانت حرة : فلها صداق مثلها على من استكرهها ، وعليه الحد ، وبهذا قال الشافعي ، وهو مذهب الليث ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وقال ابن عبد البر رحمه الله : وقد أجمع العلماء على أن على المستكرِه المغتصِب الحدَّ إن شهدت البينة عليه بما يوجب الحد ، أو أقر بذلك ، فإن لم يكن : فعليه العقوبة (يعني : إذا لم يثبت عليه حد الزنا لعدم اعترافه ، وعدم وجود أربعة شهود ، فإن الحاكم يعاقبه ويعزره العقوبة التي تردعه وأمثاله) ولا عقوبة عليها إذا صح أنه استكرهها وغلبها على نفسها ، وذلك يعلم بصراخها ، واستغاثتها ، وصياحها. ( الاستذكار 7 / 146 ) .
وإذا قام المجرم باغتصاب الضحية بتهديد السلاح ، فإنه يكون محارباً ، ويقام عليه حد الحرابة ، قال تعالى { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
وإنما يمكن إقامة هذه العقوبات الرادعة التي تحفظ أعراض المسلمين ، في ظل الأمن وشيوعه واستتبابه ، فإذا اختل الأمن أصبحت الأعراض نهباً لكل طامع ، عياذاً بالله من ذلك .
تشير إحدى الدراسات أن معدل الجرائم الأخلاقية يزداد شيئاً فشيئاً، الأمر الذي يهدد المنظومة القيمية والأمنية في المجتمع . وقد لاحظت الدراسة من خلال تتبع الإحصاءات الجنائية الصادرة من وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية أنه نتيجة للتغيرات المتلاحقة التي شهدها المجتمع السعودي فإن المرأة قد تأثرت بتلك التغيرات، واتضح ذلك من خلال تزايد السلوكيات الإنحرافية التي تمارسها بعض النساء. فقد تبين أن حجم إجرام الإناث في المجتمع ارتفع من (138) امرأة حكم عليهن بالسجن في عام 1386هـ إلى 2538 امرأة حكم عليهن بالسجن في عام 1412هـ .
كما يلاحظ أن حجم الجرائم الأخلاقية في ازدياد أيضاً، حيث كان هناك 1032 جريمة أخلاقية مرتكبة من قبل النساء في عام 1416هـ تضاعف هذا الرقم ووصل إلى 2460 جريمة أخلاقية في عام 1420هـ لتصل في عام 1424هـ إلى 4020 جريمة أخلاقية كما ورد في الكتاب الإحصائي لوزارة الداخلية ، مع الأخذ في الاعتبار أن كثيراً من جرائم النساء الأخلاقية يتم تسويتها في مهدها حرصاً على السمعة والشرف والستر، أي أنها لا تصل إلى علم الجهات الرسمية ولم يتم تسجيلها وبالتالي لا تدخل ضمن الإحصاءات الرسمية.
فقد تم القبض على 2448 امرأة سعودية وغير سعودية بتهمة ارتكاب جرائم أخلاقية أو السكر أو المخدرات من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عام 1420هـ في جميع أنحاء المملكة، فتم إحالة 907 حالة فقط إلى الجهات المختصة، وأما بقية النسوة فتم إنهاء أمرهن داخل مراكز الهيئة ، مما يؤكد أن الجرائم المسجلة لا تمثل سوى الجرائم المضبوطة التي تم التعامل معها، مما يوجب ضرورة أخذ الجرائم المخفية بعين الاعتبار. (دراسة : جرائم الزنا والسفاح والبغاء في المجتمع السعودي ، للباحثة هبة الراشد ، نشرها مركز أسبار ) .
هذه الاحصائيات موجودة ، ونحن ننعم بالأمن والاستقرار وبساط الحسبة مبسوط ، ما بالنا لو اختل أمننا وغابت العين الساهرة على حفظ أرواح وأعراض الناس؟.
فإذا اختل الأمن ، وغابت عين الرقيب ، نشطت أدوات نشر الفاحشة في المجتمع ، فانتشر الزنا والسفاح بشكل لا يمكن تتبعه او السيطرة عليه ، والزنا والسفاح من الجرائم التي غلظت الشريعة فيها وحكمت على فاعلها بالرجم إن كان متزوجاً وبالجلد إن كان بكراً . قال تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}
ولا فرق بين لفظ الزنا ولفظ السفاح من جهة دلالتهما على الفاحشة. وقد ذكر ابن منظور في كتابه لسان العرب: أن الزنى بالقصر والمد هو البغاء، سواء كان من المرأة أو من الرجل، وأن السفاح من المسافحة، وهي إقامة المرأة مع أجنبي على الفجور من غير نكاح صحيح، وقال: وهو شائع عند الجاهليين، الذين كان أحدهم إذا أراد الزنى بامرأة قال لها: سافحيني، فهو مسافح، وهي مسافحة.
وقد ورد تفسير السفاح بالزنى في قول الله تعالى { غيْرَ مُسَافِحَاتٍ} كما في تفسير ابن كثير والشوكاني وغيرهما، فهما لفظان مترادفان.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال :" أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك ". رواه الشيخان .
قال ابن القيم رحمه الله : وَسَمَ الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب ... فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين : الزنا واللواط ، ولهما خاصية في إبعاد القلب عن الله جل وعلا ، فإذا انصبغ القلب بهما بَعُد من الله الطيب الذي لا يصعد إليه إلا الطيب .أ . هـ .
وما ذك إلا لأنه من أقبح القبائح يبدد الأموال وينتهك الأعراض ويقتل الذرية ويهلك الحرث والنسل، عاره يهدم البيوت و يطأطئ عالي الرؤوس، ويسود الوجوه البيضاء ويخرس ألسنة البلغاء، ويهبط بالعزيز إلى هاوية الذل والحقارة والإزدراء ، هاوية ما لها من قرار ينزع ثوب الجاه مهما اتسع ويخفض عالي الذكر مهما علا .
ولهذا فقد خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ، فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يا نعايا العرب ــ يريد أن العرب قد هلكت ــ يا نعايا العرب ، إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشهوة الخفية " . رواه الطبراني وحسنه الألباني .
وإذا حملت المرأة من الزنا فربما قتلت ولدها فجمعت على نفسها مصيبتين، وحاربت الله بكبيرتين : الزنا وقتل النفس التي حرم الله بغير حق ، وربما ألقته على الطريق حياً ليست بسائلة عنه ولا متحنّنة عليه فهو نطفة وضعت في غير موضعها ، وإن أبقته أدخلت على زوجها وأهله من ليس منهم فيختلط بهم ويرثهم .
ولا يجوز لمن حملت من السفاح أن تسقط الجنين ، يقول الله تبارك وتعالى { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فلا تتحمل نفس وزر غيرها مما لم يكن لها يد في كسبه أو التسبب فيه ، ولا مسوغ في الشريعة للتضحية بحياة بريء من أجل ذنب اقترفه غيره ، والمعروف أن أول شيء تفكر فيه الزانية هو التخلص من هذا الحمل الذي يعرضها للفضيحة والعار والشنار .
فهل يتصور أن يبيح الشارع قتل الأجنة بالإجهاض في سبيل تحقيق رغبات أهل الأهواء والشهوات ؟. يقول الإمام القرافي : " فأما المعاصي فلا تكون أسباباً للرخص ، ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر ، لأن سبب هذين السفر ، وهو في هذه الصورة معصية ، فلا يناسب الرخصة ، لأن ترتيب الترخيص على المعصية سعى في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها. (الفروق 2/33 ).
روى مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني . وأنه ردها ، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى ، قال: " إما لا فاذهبي حتى تلدي " فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة وقالت: هذا وقد ولدته ، قال: " اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه " فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز ، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام ، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها ، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها ، فقال: "مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت .
فهذا يبين مدى اهتمام الشريعة بالجنين حيث أخر النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد على أمه حفاظا على حياته ، ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بأن يولد الولد بل رد أمه مرة أخرى لترضعه حتى يستغني عن الرضاع ، ثم دفع به إلى من يقوم بتربيته ورعايته .وقد أجمع الفقهاء على تأخير إقامة الحد على الحامل حتى تلد وليدها وترضعه استدلالاً بهذا الحديث .
أن في القول بجواز إسقاط الزانية حملها المتكون من الزنا مناقضة صريحة لما تقضي به قاعدة سد الذرائع ، وذلك لأن من أهم العقبات المانعة لبعض النساء من ارتكاب الزنا نشوء الحمل الذي يعرضها للفضيحة والعقاب ، فإذا زالت عن طريقها هذه العقبة كان ذلك تشجيعا لها لارتكاب الفاحشة ، وهذا بلا شك مخالف لمقاصد الشريعة التي من أهدافها حفظ الكليات الخمس فيكون الإجهاض في هذه الحالة من أسباب ارتكاب الفاحشة ، وارتكاب الفاحشة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام .
فلهذا لا يجوز الإجهاض ، سواء كان الحمل عن طريق شرعي كالنكاح أو بطريق غير شرعي من سفاح . يضاف إلى ذلك أن الإجهاض في أي طور من الأطوار له مضار عديدة بالمجتمع وبالأم. (مجلة البحوث الاسلامية 63/ 267 وما بعدها ) .
وأما نسب الأبناء غير الشرعيين فقد فصل فيه الفقهاء فقالوا :لا يخلو حال المزني بها من أحد أمرين :
الأول : أن تكون فراشاً ، يعني أن تكون متزوجة : فكل ولد تأتي به حينئذ إنما ينسب للزوج وليس لأحد غيره ، ولو جَزَمت أنه من غيره ممن زنا بها ، إلا إذا تبرأ الزوج من هذا الولد بملاعنة الزوجة، فحينئذ ينتفي نسب الولد عن الزوج ويلتحق بأمه وليس بالزاني .
الثاني : أن تكون غير متزوجة : فإذا جاءت بولد من الزنا ، فقد اختلف العلماء في نسب هذا الولد،هل ينسب إلى أبيه الزاني أو إلى أمه، على قولين، والراجح هو عدم صحة النسب من السفاح ، فلا يجوز نسبة ولد الزنا إلى الزاني ، إنما ينسب إلى أمه ، ولو بلغ القطع بأن هذا الولد لذلك الزاني المعين درجة اليقين .فقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ( 20 / 387 ) : الصحيح من أقوال العلماء أن الولد لا يثبت نسبه للواطئ إلا إذا كان الوطء مستنداً إلى نكاح صحيح أو فاسد أو نكاح شبهة أو ملك يمين أو شبهة ملك يمين ، فيثبت نسبه إلى الواطئ ويتوارثان ، أما إن كان الوطء زنا فلا يلحق الولد الزاني ، ولا يثبت نسبه إليه ، وعلى ذلك لا يرثه " . انتهى .
وجاء فيها أيضاً ( 22 / 34 ) : أما ولد الزنا فيلحق نسبا بأمه ، وحكمه حكم سائر المسلمين إذا كانت أمه مسلمة ، ولا يؤاخذ ولا يعاب بجرم أمه ، ولا بجرم من زنا بها ، لقوله سبحانه : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) " .
ختاماً : إن حفظ الأمن يغلق ابواب كثير من الفواحش والموبقات ، ويقطع الطريق على شيوع الزنا ، والذي إذا انتشر ؛ أغلق أبواب الحلال ، وكثُر اللقطاء ونشأت طبقات بلا هوية ، حاقدة على المجتمع لا تعرف العطف ولا العلاقات الأسرية، فيعم الفساد ويسقط المجتمع.
وإذا انتشر أولاد الزنا في الأمة كان ذلك مؤذناً بنزول العقوبة عليها . عن ميمونة رضي الله عنها قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا ، فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب ". رواه أحمد وحسنه الألباني .


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved