السبت 3 شعبان 1438 / 29 أبريل 2017    
في



اصبروا وصابروا ورابطوا
04-30-1437 08:01

اصبروا وصابروا ورابطوا

قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. قال الزجاج : أي على دينكم، (وَصَابروا): أي عدوكم ورَابطُوا: أقيموا على جهاد ، عدوكم بالحرب والحجة، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه.(معاني القرآن وإعرابه 1/501-502).
وقال ابن القيم رحمه الله : فأمرهم بالصبر، وهو حال الصابر في نفسه.والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنها مفاعلة، تستدعي وقوفها بين اثنين، كالمشاتمة والمضاربة- فهي حال المؤمن في الصبر مع خصمه.
والمرابطة، وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة.
فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط. وقد يصبر ولا يصابر، ويرابط من غير تعبد بالتقوى.
فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله: التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها.قال {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان، فيزيله عن مملكته . ( التفسير القيم 221-222 ) .
وروى مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم :" عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ".
ولأهمية الصبر وعظيم منزلته فقد ذكره الله معثاني أعظم ركن من أركان الإسلام، مع الصلاة ، فقال{ ٱسْتَعِينُواْبِٱلصَّبْرِوَٱلصَّلَوٰةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}.
وقد تكرر ذكره في القرآن حوالي تسعين موضعاً، وذكر سبحانه جزاءه في الدنيا والآخرة ، فالصابرون :
1- يحبهم الله { والله يحب الصابرين }.
2- وهو معهم ، وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم { واصبروا إن الله مع الصابرين }.
3- والصبر خير لأهله {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}.{وإن تصبروا خيرا لكم }.
4- ولهم الجزاء الحسن { ولنجزين الذين صبروا بأحسن ما كانوا يعملون }.
5- الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }.
6- للصابرين البشرى من الله { وبشر الصابرين }.
7- ضمن الله النصر والمدد لهم { بلى إن تصبروا تتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين }.
8- الصابرون هم أهل العزائم { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور }.
9- الصابرون لهم الإمامة في الدين { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون }قال ابن القيم رحمه الله : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.(مدارج السالكين 161 ) .
10- أخبر تعالى أن الفوز بالمطلوب المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما ينال بالصبر { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } .
11 ــ الصبر نور لأهله : روى مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم :" والصبر ضياء ". قال النووي رحمه الله: والمراد الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب . ( شرح النووي على مسلم 3 / 103 ) .
لأجل هذه الفضائل كان الصبر سيد الأخلاق، به ترتبط مقامات الدين ، فما من خلق فاضل إلا ويمر بقنطرة من الصبر، وإن تحول إلى اسم آخر، إن كان صبراً عن شهوة فرج محرمة سمي ( عِفَّة )، وإن كان عن فضول عيش سمي ( زهداً) ، وإن كان عن دواعي غضب سمي ( حلماً )، وان كان صبراً عن دواعي الفرار والهرب سمي (شجاعة ) ، وإن كان عن دواعي الانتقام سمي ( عفواً ) ، وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي ( جوداً ) .. وهكذا بقية الأخلاق فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كله (الصبر) فأكرم به من خلق، وما أوسع معناه، وأعظم حقيقته . ( عدة الصابرين 21 ).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الصحابة على الصبر ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ تحتها ، في عمرة الحديبية ، قال جويرية أحد رواة الحديث : فسألت نافعاً وهو مولى ابن عمر : على أي شيء بايعهم ، بايعهم على الموت ؟ ، قال : لا بل بايعهم على الصبر. رواه البخاري .


وهنا رسائل سريعة في الصبر :
ـــ يا من تريد الله والدار الاخرة ؛ اصبر على طاعة ربك ، فالصبر على الطاعة أمره عظيم وشأنه كبير وأجره أعظم من غيره ، يقول ابن تيمية :"هو أعظم عند الله من الصبر عن المعصية ، لأن الصبر على الطاعة إنما يحتاج نفساً دائمة المراقبة، ذات عزيمة نافذة، وذات قوة وإرادة، لا تعرف التردد ولا التلعثم، حتى تبقى العبادة مستقيمة مستمرة إلى أن يلقى الله عز وجل . أما الصبر عن المعصية، فإنه أقل منزلة عند الله خاصة إذا لم تتوفر الدواعي ولم تتيسر السبل ولم تتهيأ الجادة ".
إن فعل الطاعات وترك المنكرات أمر ثقيل على النفوس ولهذا يقول تعالى { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } ، إنه يحتاج إلى صبر ومصابرة ومجاهدة، ولكن تربية النفس على الصبر وحبسها على الطاعة ومصاحبة الأخيار وملازمة الصالحين والبعد عن الأشرار يجعلها تقوى وتصمد أمام الشواغل والصوارف بإذن الله فلا تتأثر بعد ذلك بأي ريح تهب عليها لتحيد بها عن الجادة والصواب .
كان صلى الله عليه وسلم من أصبر الناس على الطاعة ، فقد أمره ربه بذلك بقوله{أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئاً من الطاعات أثبتهوداوم عليه ، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه وكان يصوم من شعبان حتى يقال أنه لا يفطر ، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وقرين الصبر على الطاعة : الصبر عن المعصية ، يقول تعالى في جزاء أصحابه {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإنالجنة هي المأوى } . ورغب به صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " وذكر منهم:" ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله "رواه مسلم.
قال ابن القيم : الصبر عن المعصية ، بمطالعة الوعيد : إبقاءً على الإيمان ، وحذراً من الحرام ، وأحسن منها : الصبر عن المعصية حياءً.و ذكر أن للصبر عن المعصية سببان وفائدتان .
أما السببان : فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها، والثاني الحياء من الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه ، وأن يبارز بالعظائم.
وأما الفائدتان : فالإبقاء على الإيمان ، والحذر من الحرام. قال : وأحسن من ذلك : أن يكون الباعث عليه وازع الحب . فيترك معصيته محبة له.(مدارج السالكين 2/164-165)
لقد قصَّ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قصة نبي الله يوسف عليه السلام وصبره عن المعصية تعليماً وإرشاداً للأمة ، حيث { راودته التي هي في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون }.شاب غريب عزب، والمرأة التي تغويه ذات منصب وجمال، هي التي دعته وغلقت الأبواب وهو مملوك وهي سيدته ، ولكنه صبر حتى فرج الله عنه ورفعه.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : لقد كان صبر يوسف على امرأة العزيز أعظم أجراً وأرفع ذكراً من صبره على البلاء في داخل البئر، لأن إلقاءه في الجب لم يكن باختياره ، أما صبره وهو شاب أعزب متغرب بعيد عن مراقبة الأعين وتراوده امرأة هي سيدته، وفي قمة جمالها، وهو في عنفوان شبابه وطاقته، وفي بيت مغلق، أمين عن الرقباء، بعيد عن النظر، وقد توفرت جميع الدعاوى ، وهي التي تتقدم إليه وتصر عليه، وتتوعده وتتهدده إن لم يفعل، وهو الأجير في بيتها، ومع ذلك قال { قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } .
إن الذنوب والمعاصي تمحق بركة العمر، وبركة الرزق والعلم ، وتثخن صاحبها عن العبادة وتجلب له سواداً في الوجه ووهناً في البدن وبغضاً في قلوب الخلق وتورثه الذل وفساد العقل وظلمة القبر ، وإن التوبة والاستقامة تجلب البركة على العباد والبلاد، كما قال تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }، { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسقَيْنَاهُمْ مَاءً غدقاً } قال الحسن : لو استقاموا على طاعة الله ، وما أمروا به لأكثر الله لهم الأموال حتى يغتنوا بها، والله إن كان أصحاب محمدصلى الله عليه وسلم لكذلك، كانوا سامعين لله مطيعين له، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر.

ـــ إلى كل داع إلى الله ؛ اصبر على الدعوة ومشاقها ، قال تعالى {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "لما علم أنه لابد أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن الأمر والنهي مشقة على النفس أمره بالصبر على ذلك فقال: {واصبر على ما أصابك إن ذلك} الذي وعظ به لقمان ابنه {من عزم الأمور} أي من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها ولا يوفق لها إلا أهل العزائم" (تيسير الكريم الرحمن ص 597).
لقد لاقى الأنبياء والرسل والمصلحون من الناس من أقوامهم أشد الأذى وأعظمه حتى بلغ ذلك إلى حد القتل كما قال تعالى { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } . وقال خباب بن الأرت رضي الله عنه :شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا : ألا تستنصر لنـا ألا تدعـو لنا؟ فقال: " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعلُ فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديــد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " رواه البخاري .وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ، يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . متفق عليه .
يقول ابن القيم رحمه الله : لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله { يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر } شمر صلى الله عليه وسلم عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتم قيام ودعا إلى الله ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً ولما نزل عليه { فاصدع بما تؤمر } صدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم فدعا إلى الله الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى والأحمر والأسود والجن والإنس . ولما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة ؛ اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى ، وهذه سنة الله في خلقه كما قال تعالى { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } فعزى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ، وعزى أتباعه بقوله {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.( الزاد 3 / 12 بتصرف يسير ) .
ولما هاجرصلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأظهر الله الإسلام ، أسلم المنافقون إسلاماً ظاهراً وأبطنوا كفراً باطناً، فكانوا يصلون معه ويصومون معه ويجاهدون معه، ولكن كانت ألسنتهم تتفوه بعداوته وعداوة أصحابه وسبّه وسب دينه، وهو يسمع الأذى منهم ويصبر عليهم، حتى طاول أذاهم وشرهم زوجته الصديقة رضي الله عنها فاتهموها في عرضها فبرأها الله من فوق سبع سموات وقصة حادثة الإفك مشهورة معلومة.
هكذا كان صبره صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله ، والأمة أحوج ما تكون إلى الاقتداء به ، فالمعروف إذا لم يؤمر به ضاع وصار العمل به بعد ذلك منكراًمستغرباً ، والمنكر إذا لم ينه عنه شاع وانتشر وأصبح معروفاً لا ينكر ولا يستغرب .
ـــ إلى من ضاقت عليه الدنيا ؛ اصبر ، وسيجعل الله بعد عسر يسراً، واعلم أن نعيم الدنيا وبؤسها لا يدومان ، وعند أول غمسة في الجنة ينسى المؤمن ما كان في الدنيا من فقر أو هم أو غم أو شقاء , وكذا العاصي عند أول غمسة في النار ينسى ما كان فيه في الدنيا من نعيم وغنى ورفعة وحظوة وجاه , عن أنس مرفوعاً: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت نعيماً قط، ويؤتي بأبأسأهل الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت بؤساً قط". رواه مسلم .
ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، فقد صبر على الفقر والجوع وأعرض عن زهرة الدنيا ولم يلتفت لها ممتثلاً أمر ربه عز وجل {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا ، فقال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه " . رواه مسلم . والدقل هو رديء التمر .وعن عائشة رضي الله عنها قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي ، فأكلت منه حتى طال عليَّ فكِلْته ففني". متفق عليه . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله : لو اتخذنا لك وطاءً ، فقال :" ما لي وللدنيا ؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " . رواه الترمذي وهو صحيح . وعن أنس رضي الله عنه قال :" لم يأكل النبيصلى الله عليه وسلم على خوان ــ أي المنضدة ــ حتى مات ولم يأكل خبزاً مرققاً حتى مات " . رواه البخاري والترمذي وابن ماجة . قال ابن بطال : هذا الخبر لا يدل على فضل الفقر على الغنى وإنما يدل على فضل القناعة والعفاف وعدم التبسط في ملاذ الدنيا . أ . هـ . (نقلاً عن البحر الرائق في الزهد والرقائق لأحمد فريد 189 ) .
وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : أخرجت لنا عائشة رضي الله عنها كساء ملبداً وإزاراً غليظاً فقالت : قبض رسول اللهصلى الله عليه وسلم في هذين . رواه مسلم . وقالت رضي الله عنها : إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف . رواه البخاري ومسلم .
ـــ إلى كل جندي ، اصبر فإنك في رِباط ؛ فاحتسب الأجر عند الله وجدَّد النية متقرباً إلى الله بما تؤديه من عمل ، فإنَّ ما تقوم به من حفظٍ للثغور وحمايةٍ للأرواح وصيانةٍ للأمن ، هو من أَجَلَّ الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه. فأنت في عبادة فضَّلها النبي صلى الله عليه وسلم على الصيام والقيام، فقال:" رباطيوموليلةخيرمنصيامشهروقيامهوإنماتجرىعليهعملهالذيكانيعملهوأُجرِيَعليهرزقهوأَمِنَالفتّان".رواه مسلم.
وبشَّر صلى الله عليه وسلم أصحابها بالنجاة من النار بقوله:" عينانلاتمسهماالنار: عينبَكَتْمنخشيةالله،وعينباتَتْتحرسفيسبيلالله". رواه الترمذي .
سئل سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله : أبناؤكم المرابطون على الجبهة يسألون سماحتكم:عما إذا كان لهم أجر المرابطة في سبيل الله وأنتم تعلمون أنهم يواجهون عدواً،ثبت من سلوكياته أنه لا يرعى عهداً ولا يحفظ حقاً ؟ ويسألون أيضاً هل يدخل فيالجهاد الدفاع عن الوطن والعرض والممتلكات؟كما يأملون توجيه نصيحة لهم .
فأجاب : قد دل الكتاب والسنة الصحيحة، على أن الرباط في الثغور من الجهاد في سبيل الله، لمن أصلح الله نيته؛ لقول الله جل وعلا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم :"رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان". رواه الإمام مسلم.وقال النبي صلى الله عليه وسلم :"رباطيومفيسبيلاللهخيرمنالدنياوماعليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أوالغدوة خير من الدنيا وما عليها".رواه البخاري . وفي صحيح البخاري أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أغبرَّت قدماه في سبيل الله، حرمه الله على النار" رواه البخاري. ولاشك أن الدفاع عن الدين والنفس والأهل والمال والبلاد وأهلها، من الجهاد المشروع، ومن يُقتَل في ذلك وهو مسلم يعتبر شهيداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" من قُتل دون دينه فهو شهيد،ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد" رواه الترمذي . ونوصيكم أيها المرابطون في الجبهة بتقوى الله، والإخلاص لله في جميع أعمالكم، والمحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة، والإكثار من ذكر الله عز وجل والاستقامة على طاعة الله ورسولهصلى الله عليه وسلم ، والحرص على اتفاق الكلمة، وعدم التنازع، والصبر والمصابرة في ذلك بنفس مطمئنة، وحسن الظن بالله، والحذر من جميع معاصيه.ومن أجمع الآيات فيما ذكرنا؛ قوله عز وجل في سورة الأنفال{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .سدد الله خطاكم، وثبتكم على دينه، ونصر بكم وبمن معكم الحق، وخذل بكم الباطل وأهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.(فتاوى إسلامية (4/328).
لقد كان صلى الله عليه وسلم من أصبر الناس في ساحات الجهاد ، ففي معركة أُحُد أحاط به المشركون من كل مكان فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته اليمنى وهشموا البيضة على رأسه ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين ، فأخذ بيده علي بن أبي طالب واحتضنه طلحة بن عبيد الله ، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وعضّ عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه ، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما الدم من وجنته ، وأدركه المشركون يريدون ما الله حائل بينهم وبينه ، فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا ، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه حتى أجهضهم عنه وترَّس أبو دجانة رضي الله عنه عليه بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نحواً من عشرين جراحة . وجاء علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء ليشرب منه فوجده آجناً فرده ، وغسل الدم عن وجهه وصب على رأسه ، وأراد أن يعلو صخرة هنالك فلم يستطع لما به ، فجلس طلحة بن عبيد الله تحته حتى صعدها ، ثم حانت الصلاة فصلى بهم جالساً .

ـــ أيها الموظف والعامل ؛ اصبر على عملك، واحتسب عند الله ما تلاقيه من العناء في إطعام زوجك وأولادك وكسوتهم ورعايتهم ، فنحن من أمة تعتبر العمل شرفاً ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" شارحاً الحديث: "وفي الحديث فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره، والحكمة في تخصيص داود بالذكر: أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض، كما قال الله تعالى، وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل؛ ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد".
لم يكن العمل مقتصراً على داود عليه السلام فقد كان العمل جزءاً من حياة أنبياء الله جميعاً، فنوح وزكريا كانا يعملان في النجارة وكان إدريس خياطاً ، و محمد صلى الله عليه وسلم قد اشتغل بالتجارة ، وجميعهم اشتغل برعي الغنم كما ثبتفي الحديث .
أما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ؛ فقد كانوا يحترفون الحرف والمهن ويجيدونها، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يعمل تاجراً حتى أنه لما ولي الخلافة خرج في يومه الأول إلى السوق وهو يحمل لفافة فيها قماش فرآه عمر وأبو عبيدة فوقفا يسألانه عن وجهته فقال: إلى السوق، قالا: لماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم أولادي؟ قال عمر: انطلق معنا نفرض لك شيئاً من بيت المال. فهذا خليفة المسلمين لا يرى بأسا في الخروج إلى السوق لكي يكسب قوته وقوت عياله.
وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه حداداً، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه راعياً للغنم، والزبير بن العوام رضي الله عنه خياطاً وتاجراً، وسلمان الفارسيرضي الله عنه حلاقاً. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط في عيني".
وكان الإمام أحمد بن حنبل يؤجر نفسه حمالاً في الطريق إذا لم يجد ما ينفقه سوى هذه الأجرة.وكان الحافظ موسى بن هارون بزازاً،وأبو حفص النيسابوري الإمام القدوة الرباني كان حداداً، والإمام الحافظ الثقة داود بن أبي هند كان خياطاَ، وكانت لشعيب بن أبي حمزة الامام، الثقة، المتقن، الحافظ أرضاً يعالجها بيده .
إن طلب الرزق خير من الجلوس بلا عمل ، ولأن يعمل الشاب في حرفة ولو كانت يسيرة فهي خير له من الكسل والبطالة ، أوأن يكون عالة على أبيه وإخوانه ، بل ينبغي عليه أن يجد ويتدرب ويعمل ولو بأجر زهيد ، فمع الصبر والمصابرة سيتحسن وضعه بإذن الله .
ـــ إلى كل امرأة ابتليت يزوج سيء الخلق ، اصبري فإنك تؤجرين - بإذن الله - بسبب صبرك عليه من أجل تربية أبنائك، وعليك بالدعاء له بالهداية والصلاح، فإن يصلح كان في ذلك خير لك ولأبنائك، واستمري في مناصحته بأسلوب طيب رفيق .
وليصبر الزوج على ما يجده من زوجته من فظاظة أو قلة تدبير أو سوء عشرة ، وليحذر من إطلاق لسانه في سبها وإهانتها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". رواهالترمذي.
لقد كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته وأولاده ولكافة الناس أكمل معاملة وأتمها، روى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها قالت:ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها . وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً". رواه أحمد والترمذي.
وروى أحمد وابن حبان وصححه عن عروة قال: قلت لعائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.
وهذا يدل على أن إعانة الأهل في البيت هدي نبوي ، لا كما يتوهمه بعض الناس من أن ذلك نقصاً وعيباً أن يعين الرجل أهله في أعمال البيت، وهذا التعاون يولد الألفة والمحبة بين الزوج وزوجته كما لا يخفى .
ـــ إلى معلم الأجيال نقول : اصبر على التعليم وتحمل ما قدينالك من الأذى ، فأنت مسؤول عن تربية الأجيال ، ولربما كانت عاقبة صبرك أن ترى في طلابك الطبيب والمهندس والعالم والداعية والطيار .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلماً وكان يشيد بالعلم وأهله ، وكان يقول :" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعوا له ".
إن الصبر من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم ، فهو كالطبيب يحلم ويصبر ويتحمل ويرفق بمرضاه ، قال صلى الله عليه وسلم :" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ".
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجذبه بشدة حتى أثرت الجذبة في صفحة عنقه صلى الله عليه وسلم فقال له مر لي من مال الله فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر له.
وقصة الأعرابي الذي بال في المسجد معروفة ، حيث علمه النبي صلى الله عليه وسلم برفق ولين وبين له أن هذه المساجد للصلاة ويجب تنزيهها عن الأذى.
نجد بعض المدرسين أحياناً وهم قلة : يلعن الطالب أو يسبه أو يشتمه، وهذا خطأ وغلط ، فهذه العبارات النابية مخالفة لكتاب الله ولسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتدل على أن هذا المعلم في الحقيقة أقرب ما يكون للفشل لأنه ليس عنده صبر ولا تحمل ولا يستطيع أن يكظم غيظه ولا يستطيع أن يتفاعل بصورة إيجابية مع قضايا الطلاب بحيث يمتص ما عندهم من غضب ويجيبعلى ما عندهم من الأسئلة ، وهذا كله يتطلب الصبر والرفق وتقديم المساعدة للطلاب قدرالإمكان لتخطى ما يواجهه من مشكلات تؤثر سلباً على علاقاته وسلوكياته وتحصيله الدراسي.

ـــ إلى من يواجه الأذى من والديه أو أحدهما ؛ اصبر على البر تفز بالأجر ، فبر الوالد سيء الطباع أوفر أجراً من الوالد السهل اللين ، قال اللَّه تعالى { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} . وقال تعالى {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال : سأَلتُ النبي صلى الله عليه وسلم : أَيُّ الْعملِ أَحبُّ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ قال : " الصَّلاةُ على وقْتِهَا" قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قال: "بِرُّ الْوَالِديْنِ " قلتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قال : "الجِهَادُ في سبِيِل اللَّهِ " متفقٌ عليه .
عن أَسْمَاءَ بنْتِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللَّه عنهما قالت : قَدِمتْ عليَّ أُمِّي وهِي مُشركة في عهْدِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَاسْتَفتَيْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قلتُ : قَدِمتْ عَليَّ أُمِّى وَهِى راغبةٌ ، أَفأَصِلُ أُمِّي ؟ قال : " نَعمْ صِلي أُمَّكِ ". متفق عليه.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله في امرأة اشتكت من أذى والدتها لها (عليك بالصبر والحلم والدعاء لها بالهداية، والتوفيق، والكلام الطيب، حتى يهديها الله وتكف لسانها عن أذاك. لأن رضاها واجب، وعليك بالكلام الطيب مع الوالدة، والأسلوب الحسن، وطلب رضاها بالطرق الشرعية، والاستعانة في ذلك بأبيك، أو بإخوتك حتى تسمح عنك ولا تسبك، ولا تؤذيك بالكلام الفاحش الرديء).
ـــ إلى من كان عنده خدم أو عمال ؛ اصبر على ما قد يبدو منهم من تقصير أو إهمال او سوء خلق، وانظر بعين الرحمة والشفقة لمن وضعهم الله تحت يدك .
فبعض العمال باع ما يملك ، وربما رهن داره من أجل الحصول على تأشيرة سفرٍ إلى هذه البلاد وربما ودَّع أهله وهو يعدهُم بأنه سيرسل إليهم الأموال التي تسد حاجياتهم ، ولكن هذه الوعود والأحلام تتبدد، وتلك الآمال تتحطم على صخرة كفيل ظالم معاند لا يرقب في عامل أو خادم إلاً ولا ذمةً يُلزمهم بالتوقيع على أوراق وتعهدات مضمونها أنهم استلموا رواتبَهُم وحقوقَهُم كاملةً لمدة سنة أو نحوها وأنه ليست لديهم أيةُ مطالبٍ أو مستحقات يطالبون بها . ثم يهددهم إذا لم يقبلوا بذلك بأنه سيتم إلغاءُ عقودِهم وإرجاعُهم إلى بلادهم فيضطرُ هؤلاءِ المساكين وتحت قهرِ الحاجةِ ، إلى الرضا بالواقع والتسليم لما آل إليه الحال ، والصبر على ألم الغربة والفراق .
فاحذروا ظلم العمال ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ظلمات يوم القيامة". رواه البخاري .
أما يخشى الظالم أن يرفع هذا المظلوم يديه إلى الله بدعوة يكون بها مايسوؤه ؟.
أهكذا يكون شكر النعم وقد منَّ الله عليه بأن جعلهيُخدَمَ بدل أن يخْدِمَ ؟.
البعض يتعامل مع خادمه أو خادمته أوعامله معاملة تفتقر إلى أدنى مقومات التقدير و الاحترام لحقوقه أو مشاعره التي كفلها الإسلام فضلاً عن النظر إليه بنظرة التنقص والازدراء و الاحتقار .
أين هؤلاء من خلق رسول الله عليه الصلاة والسلام كما يقول أنس رضي الله عنه : خدمت رسول الله رضي الله عنه في السفر والحضر عشر سنين من مَقْدمه المدينة حتى توفي ما قال لي عن شيءٍ صنعتُه : لم صنعت هذا كذا؟ ولا قال لي لشيءٍ لم أصنعه : ألا صنعت هذا كذا ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً ، ولا مسست خزاً ولا حريراً ولاشيئاً ألين من كف رسول الله .رواه البخاري.
لقد كَفَلَ الإسلام للخدم والأجراء حقوقَهم وحسنَ معاملتهم وعدمَ تكليفهم مالا يطيقون قالصلى الله عليه وسلم :" إخوانكم خولكم (أي يصلحون الأمور) جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلِّفوهم ما يَغْلِبُهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم". رواه البخاري ومسلم .وقال صلى الله عليه وسلم : " للمَمْلوك طعامُه وكسوتُه ولا يكلَّف من العمل مالا يطيق". رواه مسلم . فإياك أن تحمَّلهم فوق طاقاتهم سواءً في نوع العمل أو في ساعات العمل .
ومن زيادة عناية الإسلام بحسن التعامل معهم ما رواه البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامِه فإن لم يُجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أُكلةً أو أُكلتين فإنه وَلِيَ حَرَّه وعِلاجه". أي: حرَّ طبخِه وصنعِه وإعدادِه.


* ما يعين على الصبر :
ــ الاستعانةبالله على ذلك ،فقد بين صلى الله عليه وسلم أن الصبر إنما يكون بتوفيق الله ، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً أوسع من الصبر "
ــ وممايعينعلىالصبر: العلمأنالجزعمنالمصيبةلايردهابليضاعفها، عن أنس رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله تعالى إذا احب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط " . رواه الترمذي وهو حسن .
ــومن الوسائل المعينة على الصبر: العلم بأن النعم زائرة وأنها لامحالة زائلة، وأنها لاتُفرح بإقبالها فرحاً حتى تتعب بفراقها ترحاً، وما فُرِح به اليوم حُزن عليه غداً، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ــ ومما يعين على الصبر: العلم بتفاوت المصائب في الدنيا، ومن حصَّل الأذى من المصائب يتسلى بالأعلى والأعظم من المصائب التي أصيب بها غيره،من فقد للدين،وإهمال وتقصيرفيه، فهذا أعظم المصيبة،ويجب أن نعلم أن هذا هو حال الدنيا إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرا، وإن سرت يوماً أحزنت شهوراً ، وإن متعت يسيراً قنعت طويلاً.
ــ ومما يعين على الصبر: تذكرالمصيبة العظيمة بموتالرسولصلى الله عليه وسلم وكل مصيبة دون مصيبتنا بموته تهون ، فبموته انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة،وبموته انقطعتا لنبوّات، وبموته ظهرالفساد في البروالبحر ، كما أن موته أول علامات الساعة . قال أبو عمر بن عبد البر: إن المصيبة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه.
ــ ومما يعين على الصبر: أن يعلم المصاب علم اليقين أن ما أصابه إنما هو بقدر الله { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور } . فكل مصيبة إنما هي بإذن الله عزوجل وقضائه وقدره والأمرله فإنه كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك أو يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك أوعليك .
ــ ومما يعين على الصبركذلك : أن يتذكرالمصاب مافي مصابه من فوائد و لطائف منجية له، فربما كان على ذنب عظيم أوجب سخط الله فرَقّق لبه بعد مصابه وتاب وأناب إلى الله، ورجع إلى نفسه فعالج تقصيرها في ذات الله، وربما لم يتحقق له ذلك إلا بوقوعه في المصيبة .


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved