الأربعاء 29 رجب 1438 / 26 أبريل 2017    
في



بمثل هذا تحفظ النعم
05-14-1437 10:07


نعم الله لاتعد ولاتحصى قال تعالى{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم } . قال العلامة الشنقيطي رحمه الله : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله لكثرتها عليهم وأتبع ذلك بقوله {إن الله لغفور رحيم} فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم وأن الله يغفر لمن تاب منهم ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم وبيَن هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار}(أضواء البيان 2/362) .
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله :" أي: وإن تتعرضوا لتعداد نعم الله التي أنعم بها عليكم إجمالاً فضلاً عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها، ومعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصى ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط، ولا أمكنه أصلا، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه، فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوعها واختلاف أجناسها، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت..." (فتح القدير 3 /110 ) .
فالنعم كثيرة ، لكن أهمها – بعد نعمة الاسلام - ثلاث : الأمن والعافية والرزق ، وقد وردت هذه الثلاث في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه من حديث عبيدالله بن محصن الخطمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا .
يقول المناوي رحمه الله :" يعني من جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها، بأن يصرفها في طاعة المنعم، لا في معصية، ولا يفتر عن ذكره ".(فيض القدير 6 / 68)

فمن اجتمعت له هذه الخصال الثلاث في يومه، فكأنما ملك الدنيا كلها، وقد اجتمع لكثير من الناس أضعاف ما ذكر في هذا الحديث، بل إن هناك من توفرت له حياة الملوك ، فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن رجلًا سأله فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك .
ومع ذلك فإن البعض منهم منكرون لهذه النعمة، محتقرون ما هم فيه، كما قال تعالى { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ } وقال تعالى {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }.
ودواء هذا الداء أن ينظر المرء إلى من حرم هذه النعم، أو بعضها، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله".قال ابن جرير وغيره: هذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى عليه فشكرها وتواضع وفعل فيه الخير. أ.هـ.(شرح النووي على مسلم 6/97).

* - أولهذه النعم المذكورة في الحديث ؛ نعمة الأمن ، فهي من أجل وأعظم النعمبعد نعمة الاسلام ، فحينما هبط الخليل إبراهيم عليه السلام إلى وادي مكة كان من أول دعائه { رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا } والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به ، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال : الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد .(تفسير الرازي 9/260 ) .
لذا فقد امتن الله تعالى على قريش بنعمة الأمن فقال {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } .
فإذا ما اختل الأمن عم الخوف وازهقت الأنفس وانتشر المجرمون ، وانتهكت الأعراض وقطعت السبل وهدمت المساجد ودمرت المدراس وتتفرق الأُسر، وتنقض العهود ، وتبور التجارة، ويتعسر طلب الرزق، وفشا الجهل، وشاع الظلم.
فنعمة الأمن من نعم الله التي يجب أن نَذْكُرها ونُذَكِّر بها وأن نُحافظ عليها، قال تعالى { وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ونعمة الأمن تقابل بالذِّكْر والشكر { فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } .
فإذا أردنا أن نحافظ على ما نحن فيه من أمن واستقرار فعلينا :
أولاً : التوبة والندم والاقلاع عن الذنوب والمعاصي .لأن المعاصي سبب المصائب، والجزاء من جنس العمل، قال تعالى{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وقال تعالى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.والمستقرئ للتاريخ يدرك أن كل عقوبات الله للأمم قبلنا كانت بسبب الكفر والمعاصي، قال تعالى عن آل فرعون ومن قبلهم { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } وقال تعالى {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} . وقال تعالى{ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ}. قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله : ( إذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديماً وحديثاً ... ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها، ومن تبعهم من العامة من الفتن: هذا أصلها، يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي: التي هي الأهواء الدينية والشهوانية، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا، وذلك أن أسباب الضلال والغي البدع في الدين، والفجور في الدنيا، وهي مشتركة: تعم بني آدم، لما فيهم من الظلم والجهل، فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره، كالزنى بلواط وغيره، أو شرب خمر، أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب، أو نحو ذلك ) . (الأمربالمعروفوالنهيعنالمنكر 26 بتصرف يسير ) .
ثانياً : نحفظ أمننا بالاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن اعتصم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، نجا وأفلح ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال :" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ." رواه أبو داود والترمذي.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهالله: طريق النجاة من الفتن هو التمسك بكتاب اللهوسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما رُوي ذلك عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: تكون فتن: قيل: ماالمخرج يا رسول الله؟ قال :" كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل مابينكم ".
ثالثاً ؛ نحفظ أمننا بحفظ حقوق البيعة ، والتي أمر بها الله تبارك وتعالى بأمر واضح جلي وأحكمها أيما إحكام . فالله أمر الحاكم بالعدل وأداء الأمانة فقال { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } . وأمره بأداء ما أوجب عليه من مسؤولية . يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ".
وأمر المحكومين بالطاعة بقوله {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } . ومع هذا الأمر بالطاعة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على نصح الإمام فقال :" سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ".
وإن بدا من الامام شيء مما يخالف الشرع ، فالصبر مطلوب وخير من الخروج وشق عصا الطاعة ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" منرأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه, فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا ماتميتةً جاهليَّة". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنهاستكون بعدي أثرةٌ وأمور تنكرونها "قالوا: يا رسول الله كيف تأمرنا ؟ قال: " تؤدونالحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم".
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ( قال ابن بَطّال: في الحديث حجّة في ترك الخروج على السُّلطان ولو جار، وقد أجمعالفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه ، وأنَّ طاعته خير من الخروجعليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء).
وقال شيخ الإسلام ابنتيمية: ( ما أمر به النبيصلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهمهو أصلحُ الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لميحصل بفعله صلاح بل فساد ... وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع في النهي عنالخروج على الأمراء وندب إلى ترك القتال في الفتنة, وإن كان الفاعلون لذلك يرون أنمقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .
ومن نعمة الله تعالى على هذا المجتمع أن عصمه مما يُخطّط له ، حيث لم يستجب لسيلٍ من التحريض للخروج وركوب موجات "الثورات" التي لم تكن يوماً متفقةً والنسيج الاجتماعي السعودي الذي لم يبن كيانه على أساسٍ غامض أو دكتاتوريات سياسية جاءت عن طريق الانقلابات العسكرية، بل تكوّن نظامه على نور وهدي من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
فلكل بلدٍ ظروفه وحيثياته ؛ وحين أجلب زبانية الفتنة محرّضين الناس بكل وسائلهم يدعونهم إلى الخروج والثورة لزم الناس بيوتهم، وعبرّوا من خلال هذا السلوك عن بيعتهم وولائهم لولاة أمرهم.
رابعاً ؛ نحفظ أمننا بالالتفاف حول العلماء ، قالتعالى {وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولىِ الأَمْرِمِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً } .قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه:" إذا انقطععن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمةالفتنوحدثت البدع والفجورووقع الشر بينهم ". أ . هـ .
وقال الحسن البصري رحمه الله مبيناً فضل العلماء:"الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".
إذا فقد العلماء ؛ حلّ الجهل واستوطنت الفتن ، ثم اختل الأمن ، فالجهل أساس كل ثمرة قبيحة من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة والغلظة على الناس وحب الانتقام، ومقابلة الحسنة بالسيئة وترك القبول من الناصحينوليس بعد هذا من فساد .
يقول التابعي قتادة بن دعامة رحمه الله ، وقد عاصر فتنة من الفتن : "قد رأينا والله أقواماً يسارعون إلى الفتن وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت الفتن إذا الذين أمسكوا أطيب نفساً وأثلج صدوراً، وأخف ظهوراً من الذين أسرعوا إليها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها، وأيم الله، لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير".
إن العلماء صمام أمان ، وقد اتضح موقفهم بجلاء- منذ بداية الدعوة إلى ما سمي بثورة حنين - وما بعدها من أحداث حيث حذروا من الخوض في الفتن وبينوا سبل السلامة منها .
ولم يقم العلماء بذلك رغبةً في شيء ما ولا رهبة من شيء ما ، وهم الذين شابت لحاهم في الاسلام ، والواحد منهم أبعد ما يكون عن الافتتان بمتاع زائل ، ولا يخشى في قول الحق لومة لائم.
خامساً ؛ نحفظ أمننا بالتمسك بالجماعة واللحمة والألفة في المجتمع . قال ابن تيمية: "سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله وهو عبادة الله وحده لا شريكله كما أمر به ظاهراً وباطناً.وسبب الفرقة: ترك حظ مما أمر العبد به والبغي بينهم. ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه.ونتيجة الفرقة: عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول صلى الله عليه وسلممنهم.
عنبشير بن عمرو قال: شيَّعنا ابن مسعود رضي الله عنهحين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستاناً فقضى حاجته ثم تؤضأ ومسح على جوربيه ثمخرجوإن لحيته ليقطر منها الماء فقلنا له: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن ولا ندري هل نلقاك أم لا، قال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر وعليكم بالجماعة فإنالله لا يجمع أمة محمد على ضلالة.قالالله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة "وقال : " الجماعةرحمة والفرقة عذاب"
سادساً ؛ نحفظ أمننا باتباع سبل الاصلاح الحقيقي .لا ننكر وجود خلل في المجتمع ، ولا يزال التقصير موجوداً في الناس ما بين مقل ومكثر .
لا مناص من إصلاح الخلل ، لكننا ننكر من يجعل من الإصلاح المزعوم طريقاً إلى الفوضى.
عجلة الاصلاح لم تتوقف ، لكن ما يجب الانتباه له هو أن طريق الاصلاح طويل ويحتاج إلى صبر وطول نفس . قال سمرة بن جندب رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلميأمرناإذا فزعنا بالصبر والجماعة والسكينة".وقال النعمان بن بشير: إنه لم يبق منالدنيا إلا بلاء وفتن فأعدوا للبلاء صبراً.
وقد صبر صلى الله عليه وسلم وتحمل المشقة والعناء وهو المجاب الدعوة ليرسمللأمة منهجاً تسير على خطاه ولتتحمل في سبيل الاصلاح. فلماذا يستعجل البعضُ النتائجَ ويتصرفون بعجلة طائشة ضررها ظاهر وخطرها كبير بحجة أن الصبر مظهر من مظاهر الخنوع والاستسلام ؟.
إن الأمر بالصبر لا يعني السكوت عن الخلل ، بل النصح هو المتعين.قال صلى الله عليه وسلم:"الدينالنصيحة"،قالوالمنيارسولالله؟قال :" للهولكتابهولرسولهولأئمةالمسلمينوعامتهم ".
وإنماميَّزأهلالسنةوالجماعةعنأهلالبدعةوالفرقة : أنهمينصحونإذا رأوا مايكرهون،ابتغاءمرضاةاللهتعالى .
وليس من النصيحة المجاهرة بها على الملأ. بل تكون بالسِّر لابالجهر. وهو الأصل في النصيحة عموماً.
عن عياض بن غُنْم رضي الله عنه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم :"من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية, وليأخذبيده فإن سمع منه فذاك و إلا كان أدَّى الذي عليه". قال الحافظ ابن رجب: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا، حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبَّخه. وقال الفضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير. وسئل ابن عباس رضي الله عنهماعن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ فقال: إن كنت فاعلاً ولا بُدّ ففيما بينك وبينه.
فالأصل في النصيحة أن تكون سراً فإن هذا أدعى لقبول الحق والانقياد له، وأجدر في درء المفاسد والفتن، وتحقيق المصالح، ويتأكد ذلك في حق الولاة . قيللأسامةلوأتيتفلانافكلمته،قال: إنكملترونأنيلاأكلمهإلاأسمعكم،إنيأكلمهفيالسردونأنأفتحباباًلاأكونأولمنفتحه. رواه البخاري . قال الألباني تعليقاً على هذا الحديث: " يعني: المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ؛ لأن في الإنكار جهاراً ما يُخشى عاقبته؛ كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً؛ إذ نشأ عنه قتله". (مختصر صحيح مسلم، للألباني 335). وقال القاضي عياض: مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام؛ لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سرًّا فذلك أجدر بالقبول.
سابعاً؛ نحفظ أمننا بالاعتبار بما يجري حولنا ، من فتن واضطرابات وقتل وتدمير وهرج ومرج . لقد خرجت بعض الشعوب لا لإصلاح شأن الدين وتحكيم الشريعة ، وإنما وُعدت بإصلاح شأن الدنيا ، وهذا أمر مهم لكرامة الإنسان وأمنه واستقراره، وعسى أن يتحقق لكل مظلوم ومهضوم حقه وافراً، ولكن ما حدث من مآسي وفظائع رآه الأعمى وسمعه الأصم ، والشام مثال حي لا نزال نعيشه بألم وحسرة.
كثيرون يظنون أن الثورات سوف يجلب لهم السمن والعسل، وأن الثورة سوف تحقق لهم رفاهية متقدمة ، وأن الاعتصام في الساحات والميادين سيؤول بدولهم إلى أن تصبح واحات متطورة في التنمية والتقدم .لكن الواقع يشهد عكس ذلك . والعاقل من اتعظ بغيره ، ونظر إلى ما يجري حوله بعين العبرة {ألم نمكن لهم حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم } .
إن من يضحي بالأمن من أجل حرية مزعومة بلا باب ولا محراب فإنها حرية له ، وحرية لقطاع الطرق والمجرمين والمفسدين ، وإن من يضحي بالأمن في سبيل إصلاح موهوم فإنه سيحرم من كليهما ، وإن من يضحي بالأمن من أجل رفع ظلم وقع فإن باب المناصحة مفتوح ما دام الأمن مستتباً ، فإذا اختل الأمن أغلق الباب وأعرض السامع وحل العنف مكان الرفق واللين .
* - ثاني النعم الواردة في الحديث ؛ نعمة العافية ،قال تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله}. يقول القرطبي رحمه الله :"(من نعمة )أي: صحة جسم، وسعة رزق، وولد فمن الله".(تفسير القرطبي10/114).
يقول وهب بن منبه رحمه الله:"رؤوس النِّعم ثلاثة؛ فأولها: نعمةُ الإسلام التي لا تتمُّ نعمُه إلا بها، والثانية: نعمةُ العافية التي لا تطيبُ الحياةُ إلا بها،والثالثة: نعمة الغنى التي لا يتمُّ العيشُ إلا به".(عدة الصابرين لابن القيم117) .
هذه النعمة العظيمة لا يعرف قدرها ولا قيمتها إلا من فقدها!، يقول بكر بن عبد الله المزني رحمه الله : "يا ابن آدم إذا أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فَغْمِضْ عينيك ". (الشكر لابن أبي الدنيا 182).
من أراد معرفة قدر نعمة العافية والصحة ،فليذهب إلى أحد المستشفيات ،ولينظر معتبراً إلى حال النزلاء فيها من المرضى والمعوقين . وليسأل واحداً منهم : أيهما أحب إليه : المال ام الصحة؟ لأجاب : الصحة .
جاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له : "أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟"،قال الرجل:لا،قال: "فبيديك مائة ألف؟"،قال الرجل: لا ، قال:" فبرجليك؟"قال الرجل: لا ، فذكره يونس بن عبيد بنعم الله عليه،ثم قال له:"أرى عندك مئين ألوف!،وأنت تشكو الحاجة!".(الشكر لابن أبي الدنيا 101).
وليعلم كل من رُزق نعمة الصحة ووفق إليها، أنه مغبوط عليها ، مغبون إن لم يستعملها في طاعة الله ،فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهماأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ من الناس الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ".رواه البخاري.
يقول ابن الجوزي رحمه الله :" اعلم أنه قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش ، وقد يكون متفرغا من الأشغال ولا يكون صحيحاً ،فإذا اجتمعا للعبد ثم غلب عليه الكسل عن نيل الفضائل فذاك الغبن ، كيف والدنيا سوق الرباح ، والعمر أقصر ، والعوائق أكثر".(كشف المشكل 2 / 437).

وإذ ا أردنا ان نحفظ نعمة الصحة فعلينا :
أولاً ؛ شكر الله عليها،فبالشكر والإيمان تدوم وتكثر النعم،وبالجحود والعصيان تَحل وتزداد النقم، قال تعالى {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} . يقول الشيخ الشنقيطيرحمه الله:"وبهذه المناسبة إن على كل مسلم أفراداً وجماعات،أن يقابلوا نعم الله بالشكر،وأن يشكروها بالطاعة والعبادة للَّه،وأن يحذروا كفران النعم". (أضواء البيان 9/112) .
ويقول ابن القيم رحمه الله:"وكذلك حقيقته في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً وعلى قلبه: شهوداً ومحبة وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة، والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور،وحبه له،واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها،وأن لا يستعملها فيما يكره. فهذه الخمس: هي أساس الشكر وبناؤه عليها،فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة،وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور". (مدارج السالكين 2/244)
ثانياً ؛ الدعاء ، فقد كان من هدي المصطفى أن يسأل ربه العافية في الدنيا والآخرة، وأن يسأله سلامة الأعضاء، وعافية البدن، وقوة الجسد، ففي الحديث عن جُبير بن مُطْعِم قال: سمعت ابن عمر يقول: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يُمسي وحين يُصبح "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودُنْياي، وأهلي، ومالي، اللهم استر عوراتي وآمِنْ روْعاتي، اللهم احفظني من بين يديَّ، ومِنْ خَلْفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغْتال من تحتي".رواه ابن ماجة
ثالثاً ؛ استعمال هذه النعمة في طاعة الله وتسخير الجوارح في مرضاته،يقول الإمام ابن القيم رحمه الله :"لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة، فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه ،وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به،وإن عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته ". (الفوائد 193)
فالعبد سيُسأل عنهايوم الدين عند الوقوف بين يدي رب العالمين،فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ أَوَّلَ ما يُسْأَلُ عنه يوم الْقِيَامَةِ -يَعْنِي الْعَبْدَ- من النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ له: أَلَمْ نُصِحَّ لك جِسْمَكَ، وَنُرْوِيَكَ من الْمَاءِ الْبَارِدِ ؟". رواه الترمذي وصححه الألباني .
يقول المناوي رحمه الله:"( أَلَمْ نُصِحَّ لك جِسْمَكَ) أي: جسدك وصحته أعظم النعم بعد الإيمان (وَنُرْوِيَكَ من الْمَاءِ الْبَارِدِ ) الذي هو من ضرورة بقائك ولولاه لفنيت بل العالم بأسره، ولهذا كان جديرا بالسؤال عنه والامتنان به ".(فيض القدير 2/204 ) .
ولنتأمل هذه الأرقام لنعرف قدر ما نحن فيه من نعمة الصحة والعافية ، لعلنا نذكُر فنشكُر :
ـــ بين تقرير أصدره كرسي أبحاث وعلاج السمنة بجامعة الملك سعود أن نسبة السمنة في المملكة بلغت 60% لدى الشباب والأطفال الذين يمثلون 50% من السكان مما أدى إلى تفشي الكثير من الأمراض.
وقدرت حالات الوفاة بالمملكة بما يقارب من الـ 20 ألف وفاة سنوياً بسبب السمنة ومضاعفاتها .
كما أن هناك ما يقارب من 3 ملايين طفل مصابين بالسمنة، وتقدر تكلفة العلاج سنويا بما يقارب من 19 بليون ريال.ومن المفارقات العجيبة أنه وُجد أن متوسط مايقضونه من الوقت أمام التلفاز هو 150 دقيقة يومياً .
ـــ كشفت الجمعية الألمانية للسرطان عن نتائج دراسة أجرتها تشير إلى أن 20-40% من الأمراض السرطانية يمكن إعادة أسبابها إلى البدانة وقلة الحركة والتغذية السيئة.
ـــ أكد الدكتور أحمد أبو عباة المدير التنفيذي المشارك للإدارات الطبية في مدينة الملك فهد الطبية أن إحصاءات الفشل الكلوي في المملكة مابين (100ــ140) حالة فشل كلوي لكل مليون شخص في السنة الواحدة، وأنه ما يقارب (8000) مريض يعالجون من الفشل الكلوي عن طريق العلاج التعويضي.
ـــ الماء الأبيض يصيب 85 ألف شخص في المملكة سنويا وهو من أهم أسباب العمى؛ كما ذكر استشاري طب وجراحة العيون د.سعيدالقهيدان.
* - النعمة الثالثة ؛ نعمة الطعام ، وقد جمعها الله مع نعمة الأمن بل قدمها عليها ، قال تعالى { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } . فالطعام نعمة كبرى، لفت الله سبحانه نظر الإنسان إليها في كثير من الآيات لينظر فيها ويعتبر، ويعرف قدرها ويشكر الرازق الكريم .
قال جل ذكره { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً *وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ }.وقال سبحانه { وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ* وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ }.
وكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالله من الجوع، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع ".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الكفاف، أي مقدار ما يكفيه، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا".
وإن من وسائل حفظ هذه النعمة :
أولاً ؛ شكر الله عليها ، قال تعالى { فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشكر على نعمة الطعام سبب لمغفرة الذنوب ، فقال :" من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه الترمذي وحسنه الألباني .
ثانياً ؛ المحافظة على الأطعمة وعدم رميها ، فالاستهانة بها ورميها مع النفايات ، هو الإسراف والتبذير ، قال الله تعالى {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} .
وأخبر سبحانه عن منزلة المبذر بقوله { وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} .
إن عاقبة الإسراف والتبذير دمار ووبال ، قال تعالى { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} .
وللأسف فإن البعض لا يبالون بهذه العاقبة فتراهم يرمون فضلات الطعام في النفايات ، في ظاهرة تدل على كفر النعمة والعياذ بالله .
حاويات مخلفات الأطعمة تستقبل ما يربو على 90 طناً من فائض الأرز، وهذه الكمية تستنزف من ميزانيات الأسر السعودية حوالي 300 مليون ريال سنوياً ( جريدة الرياض السبت 15 صفر 1431 الموافق 30 يناير 2010م العدد 15195 ) .
هذا الرقم يتعلق بفائض الأرز الذي يرمى في حاويات مخلفات الأطعمة، فكم هي الأرقام التي تعود إلى أصناف الطعام الأخرى غير الأرز والتي ترمى في حاويات القمامة لا في الحوايات المخصصة لمخلفات الأطعمة ؟.
وبينت دراسة على نفايات مستوى دول الخليج أن نسبة الأطعمة من نفايات هذه الدول (040/0) .
يحدث هذا في الوقت الذي يموت فيه سكان مضايا ودير الزور من الجوع والله المستعان .
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (22/341) : "يجب حفظ الطعام الباقي للمرة الثانية ، أو إطعامه المحتاجين ، فإن لم يوجدوا فالحيوانات ، ولو بعد تجفيفه لمن يتيسر له ذلك" .أ . هـ .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: "أما الخبز واللحوم وأنواع الأطعمة فلا يجوز طرحها في البيارات ، بل يجب دفعها إلى من يحتاج إليها ، أو وضعها في مكان بارز لا يمتهن ، رجاء أن يأخذها من يحتاجها إلى دوابه أو يأكلها بعض الدواب والطيور .ولا يجوز وضعها في القمامة ولا في المواضع القذرة ولا في الطريق ؛ لما في ذلك من الامتهان لها ، ولما في وضعها في الطريق من الامتهان وإيذاء من يسلك الطريق" . أ . هـ (فتاوى إسلامية 3/ 633) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : "لا يجوز إلقاء شيء من الطعام في المحلات القذرة والمحلات النجسة كالحمامات ؛ لأن هذا فيه إهدار وإساءة إلى النعمة وعدم شكر الله .وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم تمرة في الطريق ، وقال : (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة؛ لأكلتها) رواه البخاري في صحيحه ... ، وأمر صلى الله عليه وسلم الآكل بلعق أصابعه قبل أن يغسلها أو يمسحها بالمنديل ، وأمر بأخذ اللقمة إذا سقطت وإماطة ما عليها وأكلها .فدل هذا على أنه لا يجوز إلقاء شيء من الطعام أو من التمر أو من المأكولات في المحلات القذرة والنجسة ، بل النعم تصان وتحترم ويحتفظ بها ؛ لأن ذلك من شكرها ؛ ولأن هذه النعم ربما يأتي من يحتاجها ويأكلها ، ولو من البهائم ؛ فإلقاؤها في المزابل لا يجوز ..." . أ . هـ . ( المنتقى من فتاوى الفوزان 63/11) .
وأما الأطعمة الفاسدة أو التي انتهت صلاحيتها ، والمشروبات التي لا يمكن الاستفادة منها كبقايا الشاي والقهوة ، فلا حرج من إلقائها مع القمامة أو في مجاري المياه .وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ما حكم رمي التلاميذ بقايا طعامهم وشرابهم في القمامة؟
فأجاب : "أما ما لا يؤكل فلا بأس كقشور البرتقال والتفاح والموز وما أشبه ذلك ؛ لأن هذا لا حرمة له في نفسه .وأما ما يؤكل كبقايا الخبز والإدام وشبهه فإنه لا يلقى في الأماكن القذرة ، وإذا كان لا بد أن يلقى في الزبالة فليجعل له كيس خاص يوضع فيه حتى يعرف المنظفون أنه محترم". ( فتاوى نور على الدرب 6 / 205) .


إن شكر هذه النعمة ، والحفاظ عليها مسؤولية الجميع كل بحسبه :
فالأب داخل البيت ، ومَنْ تجارتهم قائمة على تقديم الطعام للناس ، كالمطابخ ، والمطاعم ، والوجبات الخفيفة على نطاق متجرهم ، وكذا أصحاب محلات الخضار و الفواكه ، وأصحاب الفنادق ، والشقق المفروشة .
والقائمون على محاضن التربية والتعليم على كاهلهم مسؤولية عظيمة تجاه ما يرمى من الأطعمة من بعض المدارس ؛ فإن هناك للأسف الشديد كثير من المدارس لا يهتمون بما يبقى من الطعام من الطلاب ، فترمى مع النفايات.


ومن طرق في الحفاظ على هذه النعمة :
1ـ التوسط في المأكل والمشرب بلا إسراف يؤدي إلى التخمة والأمراض كما مر بنا ، ولا يقصر فيضر بصحته أخذًا بوصية الحبيب صلى الله عليه وسلم : " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه".
وعند الأخذ بهذه الوصية فلن يحتاج الإنسان إلى رمي ما بقي من الطعام.
2ـ عزل ما يمكن أن تكون الفائدة منه كبيرة مثل بقايا الخبز عن بقية بقايا الطعام . ومن ثم تعطى من يستقبلها نحو الجمعيات والمستودعات الخيرية.
3ـ تسليم بقايا الطعام إلى أصحاب المواشي الذين يستقبلون هذه الأطعمة ، ولا يمانعون من ذلك فيتحرى الإنسان عن هذه المواشي ، وقد يجد من يكون من أهل الحي الذي يقطن فيه .


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved