الأربعاء 29 رجب 1438 / 26 أبريل 2017    
في



فقه التعامل مع الغلاة
03-28-1438 09:31
مِن الشُّروطِ والآدابِ والضوابط في التعامل أو الرد على الغلاة ما يلي:
أولاً ؛ إخلاصُ النِّيةِ للهِ عَزَّ وجلَّ، بأنْ يكونَ باعثُ الرَّدِّ هو بيان الحق وإظهاره . والإخلاص شرطٌ عامٌّ في كُلِّ الأعمالِ الصالحةِ؛ كما قال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.
ثانياً ؛ دفع الباطل بالحق وليسَ بالباطلِ؛ كالظُّلمُ والبغيُ والعدوان، وهذا له صورٌ وأشكالٌ، منها:
أ ـ إسقاطُ المخالفِ وتجريحُهُ في المسائلِ الاجتهاديَّةِ التي يَسوغُ فيها الخلافُ بينَ أهلِ السُّنَّةِ، والتي ينبغي أنْ يَعذرَ المرءُ فيها أخاهُ. وقد ثبتَ عن الإمامِ أحمدَ رحمه الله أَنَّهُ قالَ :"إخراجُ النَّاسِ مِنَ السُّنَّةِ شَديدٌ ". أخرجه الخلاَّل في السُّنَّةِ .
ويقولُ شيخُ الإسلامِ رحمه الله :ولِهذا كان أئمَّة الإسلام متَّفقين على تبديع مَن خالف في مِثْل هذه الأصول؛ بخلاف مَن نازع في مسائل الاجتهاد الَّتي لَم تَبلغ هذا المبلغَ في تواتر السُّنن عنه: كالتَّنازع بينهم في الحكم بشاهدٍ ويمينٍ، وفي القَسَامة والقُرعة، وغير ذلك من الأمور الَّتي لم تبلغ هذا المبلغ . (مجموع الفتاوى4/ 425) .
ب ـــ التنقيبُ عَنِ الأخطاءِ، وتصيُّدُ الهفواتِ، والفرحُ بالزَّلاتِ، والدُّخولُ في المقاصدِ والنِّيَّاتِ، وتحميلُ الكلامِ أسوأَ الاحتمالاتِ. يقول ابنُ قيِّم الجوزية رحمه الله : كثيرٌ منَ النَّاسِ؛ يَسمعُ مِنكَ، ويَرى منَ المَحاسنِ أضعافَ أضعافِ المساوئ؛ فَلا يحفظُها، وَلا يَنْقُلُها، ولا تُناسِبُه؛ فَإذا رَأى سَقطةً، أَوْ كَلمةً عوراءَ: وَجَدَ بُغيتَهُ وما يُناسِبُها، فَجَعلها فَاكهتَهُ ونُقْلَهُ . (مدارج السالكين1/ 403)
ثالثاً ؛ الأَهْلِيَّةُ:وذلكَ بأنْ يَكُونَ الرَّادُّ على المخالفِ مِنْأهل العلم المتمكنين ، وأن يكون الرَّدِّ بالحُججِ والبَيِّناتِ، والأدلةِ القاطعاتِ،
يقولُ الحافظُ الذَّهبيُّ رحمه الله : الصَّدْع بالحقِّ عظيمٌ، يَحتاج إلى قوَّةٍ وإخلاصٍ، فالمُخلِص بلا قوَّةٍ يَعْجز عن القيام به، والقويُّ بلا إخلاصٍ يُخْذَل، فمن قام بهما كاملاً، فهو صِدِّيقٌ . ( سِيَر أعلام النبلاء21/ 278) .
ويقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رحمه الله: وَقدْ يَنهونَ عنِ المُجادلةِ والمناظرةِ إذا كَانَ المناظرُ ضعيفَ العلمِ بالحجةِ، وجواب الشُّبهةِ؛ فَيُخافُ عَليهِ أَنْ يُفسدهَ ذلكَ المضِلُّ؛ كَما يُنْهى الضعيفُ في المُقاتَلةِ أَنْ يُقاتِلَ عِلْجًا قَوِيًّا مِنْ عُلوجِ الكفارِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ يَضُرُّه، ويَضُرُّ المسلمينَ بلا منفعةٍ . (درء تعارض العقل مع النقل 3/ 374 ).
ومن الأهلية أن يكون لَهُ أيضًا أَنْ تكونَ له قدَمٌ راسخةٌ فيفقه المَصالح والمفاسد، وفي النَّظرِ إلى عواقبِ الأمورِ والمآلاتِ .
ومما يقرب هذه المسألة للأذهان : قضية الجهاد ؛ فالجهاد وسيلة لتعبيد الناس لربهم ، لأن هداية الخلق إلى الحق هي مقصود الإسلام الأعظم والغاية الأسمى، وهداية الخلق مقدمة على الجهاد . لأن الغاية مقدمة على الوسيلة ، وإذا ما تعارضت الغاية مع الوسيلة قُدَّمت الغاية .
روى البخاري عن أنس  قال : كان غلام يهودي خدم النبي  فمرض فأتاه النبي  يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم ، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له : أطع أيا القاسم ، فأسلم ، فخرج النبي  وهو يقول : " الحمد لله الذي أنقذه من النار ".
هذا يبين حرص النبي  على هداية الناس ، فماذا يستفيد الإسلام والمسلمون من إسلام الغلام اليهودي وهو يحتضر ؟.
وماذا كان سيستفيد الإسلام والمسلمون من إسلام أبي طالب وهو على فراش الموت حينما دخل عليه النبي  فقال له : " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " ، وما زال يكررها عليه عدة مرات رغم مراجعة أبي جهل له . والقصة رواها البخاري ومسلم من حديث جابر  .
وماذا استفاد الإسلام والمسلمون من إسلام أبي قحافة والد أبي بكر الصديق  وقد جاوز الثمانين من عمره وشاب منه الشعر وانحنى منه الظهر وضعفت منه القوة ؟.
كان الصحابة  إذا فتحوا البلاد فتحوها فتح هداة لا فتح طغاة ، وفتح رحمة لا فتح نقمة ، وكانوا يختلطون بأهل تلك البلاد ويتزوجون منهم ويزوَّجونهم ويبيعون لهم ويشترون منهم حتى أحبوا الإسلام وأقبلوا عليه .
ولم يعرف تاريخ الفتوحات قديماً وحديثاً أن أهل البلاد المفتوحة يغيرون دينهم ولغتهم اتباعاً لمن غزاهم واحتل بلادهم ، ولكن هذا ما جرى في البلاد التي فتحها الصحابة حيث غيروا لغتهم مع اعتناقهم للإسلام فتحولوا إلى اللغة العربية وهو ما حدث في بلاد الشام وأرض الكنانة والعراق وبلاد المغرب .
وهذا يدل على أنه إنما شرع الجهاد في سبيل الله{حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} . فإذا أصبح الجهاد نفسه محدثاً للفتنة في الدين ومانعاً لتعبيد الناس لربهم وصداً للناس عن دعوة الحق ؛ صار حراماً لأنه لم يحقق مقصوده .
رابعاً؛ لزوم العدل :قال تعالى{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقالَ سبحانَهُ{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } وقالَ جَلَّ وعلا{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
وَيَكونُ العَدلُ بالتَّثبُّتِ مِنْ كلامِ المخالفِ، والتَّبيُّنِ مِنْ مخالفتهِ، وعدمِ تحميلِ كلامهِ ما لا يَحتملُ، والحذرِ مِنَ التَّقوُّلِ عليه بما لا يَقُلْ .
يقولُ ابن القيم رحمه الله : وهَدَى اللهُ الأمةَ الوسطَ لما اختلفوا فيهِ منَ الحقِّ بإذنهِ، وهَذا بَيِّنٌ بحمدِ اللهِ عندَ أهلِ العلم والإيمانِ، مُستقِرٌّ في فِطَرِهم، ثابتٌ في قلوبِهم، يشهدونَ انحرافَ المنحرفينَ في الطَّرفينِ، وهُم لا إلى هؤلاءِ، ولا إلى هؤلاءِ، بلْ هُم إلى اللهِ تعالى ورسولِه مُتحَيِّزونَ، وإلى محضِ سُنتهِ مُنتسبون، يَدينونَ دِينَ الحقِّ أَنَّى تَوجَّهَت رَكائبهُ، ويَستقِرُّون مَعه حيثُ استقرَّتْ مَضارِبُه، لا تَستفزُّهم بَدَواتِ آراءِ المختلفينَ، ولا تُزلزِلهم شُبهاتُ المبطلينَ؛ فَهُم الحكَّامُ على أربابِ المقالاتِ، والمميِّزونَ لما فيها منَ الحقِّ والشُّبهاتِ. يَردُّون على كُلِّ بَاطلهِ، ويُوافقونَه فيما معهُ في الحقِّ؛ فهم في الحقِّ سِلْمُه، وفي الباطلِ حَرْبُه. لا يميلونَ مَع طائفةٍ على طائفةٍ، ولا يجحدونَ حَقَّها؛ لِما قَالَتْهُ مِنْ باطلٍ سِواهُ. بلْ هُم مُمتَثِلونَ قولَ اللهِ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فإذا كَانَ قد نَهى عبادَه أَنْ يَحملَهم بُغضُهم لأعدائِه أَنْ لا يَعدلوا عليهم - مَعْ ظُهورِ عَداوتِهم، ومُخالفتِهم، وتكذيبِهم للهِ ورسولهِ-فكيفَ يَسوغُ لمنْ يَدَّعِي الإيمانَ أَنْ يَحمِلَهُ بُغضهُ لطائفةٍ مُنتسبةٍ إلى الرَّسولِ تُصيبُ وتُخطئُ على أنْ لا يَعدلَ فيهم، بلْ يُجرِّدُ لهم العداوةَ وأنواعَ الأذَى؟ ولَعلَّه لا يَدري أَنَّهم أولى باللهِ ورسولهِ، وما جاءَ بهِ - منه - عِلمًا وعملاً، ودعوةً إلى اللهِ على بصيرةٍ، وصَبْرًا منْ قومهم على الأذى في اللهِ، وإقامةً لحجةِ اللهِ، ومعذرةً لمنْ خَالفَهم بالجهلِ! لا كَمنْ نَصبَ مقالةً صادرةً عَنْ آراءِ الرِّجالِ، فَدَعا إليها، وعاقبَ عليها، وعادَى مَنْ خَالفَها بالعصبيةِ وحميةِ الجاهِليَّةِ.(بدائع الفوائد2/ 649 - 650 ).
خامساً ؛ الجدال بالتي هِيَ أحسنُ: وهذا هو الأصلُ؛ لقوله تعالى {فَبِمَارَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } . وقوله تعالى في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } .وقوله تعالى { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
لكن قدْ يُصارُ إلى غيرِ هذا الأصلِ مِنَ الرَّدِّ بالتقريعِ والقسوةِ إذا اقتضى الأمر ذلك.
فيالصحيحين عن أبي هريرة  أن النبي  قال : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم".
وفيصحيح مسلم عن ابن مسعود  قال : قال رسول الله :" ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
يَقولُ الإمامُ الشَّاطبيُّ رحمه اللهفي شأنِ تعيينِ أهلِ الزَّيغِ بأسمائِهم والتَّشهيرِ بهم :حيث تكون الفِرْقةُ تدعو إلى ضلالتها وتزيينها في قلوب العوامِّ، ومَن لا علم عنده، فإنَّ ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم مِن شياطين الإنس، فلا بدَّ من التَّصريح بأنَّهم مِن أهل البدعة والضَّلالة، ونِسبتهم إلى الفِرَق إذا قامت له الشُّهود على أنَّهم منهم؛ كما اشتَهر عن عمرِو بن عبيدٍ وغيره، فرَوى عاصمٌ الأحول، قال: جلستُ إلى قتادة، فذكر عمرَو بن عبيدٍ، فوقعَ فيه ونال منه؛ فقلتُ: أبا الخطَّاب، ألا أرى العلماء يقع بعضُهم في بعضٍ؟ فقال: يا أحول، أوَلا تدري أنَّ الرَّجل إذا ابتدعَ بدعةً فينبغي لها أن تُذكَر حتَّى تُحذَر؟ فجئتُ مِن عند قتادة، وأنا مغتمٌّ بما سمعتُ من قتادة في عمرو بن عبيدٍ، وما رأيتُ مِن نُسكه وهديه، فوضعت رأسي نصف النَّهار، وإذا عمرو بن عبيدٍ والمصحفُ في حجره، وهو يحكُّ آيةً من كتاب الله؛ فقلتُ: سبحان الله! تحكُّ آيةً من كتاب الله؟ قال: إنِّي سأعيدها، قال: فتركتُه حتَّى حكَّها، فقلتُ له: أعِدْها، فقال: لا أستطيع! فمثل هؤلاء لا بدَّ من ذكرهم والتَّشريد بهم؛ لأنَّ ما يعود على المسلمين من ضَررِهم إذا تُركوا، أعظمُ من الضَّرر الحاصل بذِكْرهم والتَّنفير عنهم . (الاعتصام2/ 731) .
ويقول العلامة ابن باز رحمه الله : ( الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله ، والشدة في محلها ، فلا يجوز للمسلم أن يتجاهل ذلك ، ولا يجوز أيضاً أن يوضع اللين في محل الشدة ، ولا الشدة في محل اللين ، ولا ينبغي أيضاً أن ينسب إلى الشريعة أنها جاءت باللين فقط ، ولا أنها جاءت بالشدة فقط ، بل هي شريعة حكيمة كاملة صالحة لكل زمان ومكان ولإصلاح جميع الأمة . ولذلك جاءت بالأمرين معاً ، واتسمت بالعدل والحكمة والسماحة فهي شريعة سمحة في أحكامها وعدم تكليفها ما لا يطاق، ولأنها تبدأ في دعوتها باللين والحكمة والرفق ، فإذا لم يؤثر ذلك وتجاوز الإنسان حده وطغى وبغى أخَذَتْهُ بالقوة والشدة وعاملته بما يردعه ويعرفه سوء عمله . ومنتأمل سيرة النبي  وسيرة خلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأئمة الهدى بعدهم عرف صحة ما ذكرناه ... فالأصل هو اللين والرفق والحلم والصبر؛ لأن ذلك أدعى لقبول الحق ، ولاينبغياللجوء إلى الشدة والغلظة إلا عند الحاجة والضرورة وعدم حصول المقصود بالطريقة الأولى ، وبذلك يكون الداعي إلى الله سبحانه قد أعطى المقامين حقهما وترسم هدي الشريعة في الجانبين ، والله الموفق).أ.هـ
ويقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله : ( إن الدعوة إلى الله صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط ...لما مرّ يهودي بالنبي  فقال السّام عليك يا محمد ــ يريد الموت عليك ــ لأن السام بمعنى الموت - وكان عنده عائشة رضي الله عنها فقالت : " عليك السّام واللعنة" فقال لها النبي  : " إن الله رفيق يحب الرفق ، وإن الله ليعطي بالرفق ما لا يعطي على العنف " ، فإذا أخذنا بهذا الحديث في الجملة الأخيرة منه: " إن الله ليعطي بالرفق ما لا يعطي على العنف"، عرفنا أنه إذا دار الأمر بين أن أستعمل العنف ، أو أستعمل اللين كان الأولى أن أستعمل اللين ثقة بقول الرسول  :" إن الله ليعطي بالرفق ما لا يعطي على العنف ".
ومن أراد أن يفهم هذا الأمر فليجرب؛ لأنك إذا قابلت المدعو بالشدة اشمأز ونفر وقابلك بشدة مثلها ، إن كان عامّياً قال: عندي علماء أعلم منك ، وإن كان طالب علمذهب يجادلك ، حتى بالباطل الذي تراه مثل الشمس ، وهو يراه مثل الشمس ، ولكنه يأبى إلا أن ينتصر لنفسه ؛ لأنه لم يجد منك رفقاً وليناً، ودعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة . والحق لا يخفى إلا على أحد رجلين : إما معرض وإما مستكبر ، أما من أقبل على الحق بإذعان وانقياد فإنه بلا شك سيوفق له ) . أ . هـ . (انظر ما سبق من شروط : كتاب الردود ، للعلاَّمة بكر أبو زيد رحمه الله55 – 70 بتصرف كبير وزيادات) .
سادساً ؛ تحديد القضايا المتنازع عليها تحديداً دقيقاً وواضحاً لكلا الطرفين، فالفهم السليم والصحيح للمعاني والمقاصد مع الاتفاق على هذا الفهم هو من الأوليات الأساسية، والمقومات الضرورية لدفع الاضطراب الفهمي... " فكثيراً ما يثور الخلاف بيننا في مسألة، ويشتد الجدال في موضوع، ويظهر أن المتجادلِين على خلاف فيما بينهم، وهم في الواقع على اتفاق، ولو حددت ألفاظهم لتجلًى لهم أنهم على رأي واحد. وليس منشأ الخطأ في الفهم إلا الغلط في تحديد الألفاظ أو غموضها وتعقيدها والتباسها . (مبادئ الفلسفة 46) .
يقول ابن حزم رحمه الله : إن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس ، وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم ، فمِنْ قِبَلِ اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها. ولذلك دعونا في كتبنا إلى تمييز المعاني، وتخصيصها بالأسماء المختلفة، فإن وجدنا في اللغة اسماً مشتركاً حققنا المعاني التي تقع تحته، وميزنا كل معنى منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني . (الإحكام في أصول الأحكام 6/235) .
وهذه السمة كانت بارزة في منهج ابن تيمية رحمه الله فلقد كان مما يتميز به استيضاحه واستفساره قبل مقارعة الخصوم عن معاني ومقاصد الألفاظ، فكان كثيراً ما يقول: إن كنت تقصد باللفظة كذا فالحكم كذا، وإن كنت تقصد كذا فالحكم كذا .
ثم إنه لا يكفي التحديد اللغوي وإنما كذلك لابد أولاً معرفة المعنى الشرعي وتحديده، إذ إن عدم تحديد المسميات تحديداً واضحاً دقيقاً يجعلنا لن نصل إلى حل نهائي وجذري لموضوع النقاش ، " فكم من المعارك نشبت، لو حللناها تحليلاً دقيقاً فسوف نجد أن جزءاً كبيراً منها إنما يعود إلى عدم الاتفاق على الوضوح الفكري، ونشير إلى الوضوح لا إلى تطابق المفاهيم، لأن هذا احتمال قد يكون بعيداً في بعض الأحوال، لكن ما بد منه هو أن يعرف كل طرف المعنى الدقيق لما يقوله هو أو يقوله الطرف الآخر".(فلسفات تربوية معاصرة 39).
سابعاً ؛ دراسة الموضوع المتنازع فيه دراسة مستفيضة: فقبل الخوض في النقاش والأخذ والرد ، يجب العودة إلى كتب العلم المعتبرة ودراسة المسألة دراسة متأنية، فإن الجهل بالمسألة - ولو كان جهلاً جزئياً - قد يكون هو منشأ الخلاف ، ولهذا جاء في الحديث عند قبض العلماء قوله  :" اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ". فوقعوا في المخالفة بسبب ظن الجهل علماً، والغالب أن النزاع يكون بين أوساط المتعلمين أكثر وأشد من الراسخين في العلم، وذلك أن طالب العلم قد لا يعرف في المسألة المتنازع فيها إلا قولاً واحداً، فلو وجد أحداً خالفه في هذه المسألة فإنه قد يبدعهأويفسقه إن لم يكفره، وذلك حسب درجة المسألة ، فيجب عند الرد والنقاش استقصاء أقوال أهل العلم ومعرفة الراجح من أقوالهم .
ثامناً ؛ الأخذ بالأسلوب النبوي الكريم في عرض المسألة ومناقشة الآخرين:والمؤسف أننا نفتقد في حوارنا ونقاشنا فن الحوار وآدابه، فنقدم الاتهام قبل المحاورة وهذا كاف لرفض الحق الذي نحمله .
والمحزن أن تكون ألفاظ القدح والشتم أكثر من ألفاظ الاحترام والتقدير فضلاً أن تكون أكثر من الاستدلال بالأدلة الشرعية والتي بها يقتنع الخصم. فيجب أن نحرر ألفاظنا قبل وعند وبعد المناقشة ، بحيث تخلو من ألفاظالقدح والذم والسخرية والاستهزاء ، فما علينا إلا البلاغ والتبيين وليس الإلزام والإقناع بالقوة ، كل ذلك بلفظ حسن طيب ، وفي هذا يقول الله تعالى { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً } ويقول الله تعالى {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } وليس إلى الفحش من القول ، فالمؤمن أبعد ما يكون عن فحش في القول والعمل .
إن استخدام السب والشتيمة ليس دليلاً على أن الحق مع قائلها ؛ بل قد تكون دلالة على ضعف الحجة . فكثيراً ما يتجه صاحب الحجة الضعيفة إلى السب والشتم لإخفاء ضعفه ومحاولة لإسقاط خصمه ولا شك إن استخدام مثل هذا الأسلوب هو إسقاط لمكانة المتكلم بها أولاً.
ومن صور الهدي النبوي في الحوار ؛ أن فتى شاباً أتى النبي فقال:يا رسول الله !ائذن لي بالزنا، فاقبل عليه القوم فزجروه، وقالو: مه مه، فقال النبي :"أدنه"فدنا منه قريباً، قال:"أتحبه لأمك"؟، قال: لاوالله جعلني الله فداءك ، قال:"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، أفتحبه لابنتك"؟قال: لا والله ، جعلني الله فداءك ، قال:"ولا الناس يحبونه لبناتهم ، أفتحبه لأختك" ؟ قال : لا والله ، جعلني الله فداءك . قال :"ولا الناس يحبونه لأخواتهم , أفتحبه لعمتك"؟، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال:"ولا الناس يحبونه لعماتهم ،أفتحبه لخالتك"؟قال: لا والله ، جعلني الله فداءك ، قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم".ثم وضع يديه عليه وقال:" اللهم اغفر ذنبه, وطهر قلبه , وحصن فرجه "، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد .
بهذا الأسلوب الرفيق استطاع النبي أن يدخل إلى قلب هذا الشاب ويجعله يستقبح ما طلبه من الإذن بالزنا، وكان ذلك سبباً في صلاح هذا الشاب واستقامته وعفته.
تاسعاً ؛ إبراز معاني السماحة واليسر في الاسلام: قال تعالى { ُيرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً } ، وقال  :" إن الدين يسر ولم يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا و أبشروا". رواه البخاري .
واليسر هو اللين والسهولة أو رفع الحرج والمشقة عن المكلف بأمر من الأمور لا يُجْهِد النفس ولا يُثقِل الجسم.
والمقصود من سماحة الإسلام ويُسره: رحابة مبادئه وسعة شريعته ونزوعه إلى اللين واليسر. وتلبيته لنداء الفطرة واستجابته لمتطلباتها في وسطية واعتدال مع رفع الحرج والمشقة؛ والتسامح مع الغير في المعاملات المختلفة بتيسير الأمور والْمُلاينة فيها . (انظر نضرة النعيم وتفسير القاسمي) .
قال تعالى { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } . فهذه الآية وإن كانت واردة في شأن الصيام إلاّ أن المراد منها العموم عملاً بعموم اللفظ . قال قتادة رحمه الله: ( أَرِيدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم ) . (انظر تفسير ابن جرير الطبري ).
وقال تعالى { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( تضمنت الآية أن جميع ما كلفهم الله به أمراً أو نهياً مطيقون له قادرون عليه،وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون وتأمل قول الله عز وجل { إِلَّا وُسْعَهَا } كيف تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه، لا في ضيق وحرج ومشقة؛ فإن الوسع يقتضي ذلك، فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر ولا ضيق ولا حرج عليهم) .( فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج14) .
وقال تعالى { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .قال ابن كثير: ( أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً. فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً وفي السفر تقصر إلى اثنين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة واحدة، وتُصلَّى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبلها ، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنبه إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات). ( تفسير ابن كثير ج1)
والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله : أي الأديان أحب إلى الله ؟ فقال  : " الحنفية السمحة ". أخرجه الإمام أحمد والطبراني والبزار. والبخاري في صحيحه تعليقاً.وقال ابن حجر: وإسناده حسن.
قال الشاطبي: (سمي الدين بالحنفية لما فيها من التيسر والسهيل ) (انظر الموافقات، ج1) .
وعن أبي هريرة أن النبي قال: " إن الدين يسر ولم يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا و أبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ". رواه البخاري .
قال ابن حجر رحمه الله :( وسمي الدين يسراً مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم ) . ( فتح الباري ج1) .
وعن جابر  قال كان معاذ يصلي مع النبي  ثم يأتي فيؤم قومه فصلى ليلة مع النبي العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا له : أنافقتَ يا فلان ؟، قال : لا والله ولآتين رسول الله فلأخبرنه فأتى رسول الله فقال يا رسول الله إنا أصحاب نواضح ـ وهي الإبل التي يسقى عليها ـ نعمل بالنهار وإن معاذاً صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة ، فأقبل رسول الله  على معاذ فقال : يا معاذ أفتان أنت اقرأ بكذا واقرأ بكذا ". وفي رواية أخرى :" اقرأ : والشمس وضحاها، والضحى، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى ". رواه مسلم .
وقالت عائشة رضي الله عنها : صنع النبي  شيئاً ترخص فيه وتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي فحمد الله ثم قال :" ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية". رواه البخاري .
إن رفع الحرج والسهولة والسماحة التي تميز بها هذا الدين نابع من الاعتدال والوسطية التي حث عليها { وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} فلا إفراط ولا تفريط ، والتنطع والتشديد حرج في جانب عسر التكليف ، ولذلك حذر النبي من الغلو في التدين، وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال . عن أنس  أن رسول الله  كان يقول: " لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن أقواماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي  : "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين ". رواه الإمام أحمد والنسائي .
وإن السماحة واليسر في الإسلام فضلاً عن كونه غاية في ذاته ، فإنه وسيلة تعين على تحقيق العبودية لله والانصياع لشرعه ، وحفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح المستخلفين في عقيدتهم وعبادتهم وكافة شؤون حياتهم.
وإن المتصفح لسيرة النبي وسِيَرِ أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم من سلفنا الصالح وجد أن نهجهم مبني على السماحة والتيسير؛ فما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً . رواه الشيخان .
وعلى نهجه سار الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم على طريقتهم قولاً وعملاً. قال أنس  :كنا عند عمر  ، فسمعته يقول: نهينا عن التكلف. ( إغاثة اللهفان ج1) .
قال ابن القيم رحمه الله: ( وكان الصحابة رضوان الله عليهم أقل الأمة تكلفاً؛ اقتداء بنبيهم ، قال تعالى { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}. وقال عبد الله بن مسعود  من كان مستناً فليستن بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتن، أولئك أصحاب محمد ، كانوا أفضل هذه الأمة ، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا أثرهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.( إغاثة اللهفان ج1).


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved