الأربعاء 29 رجب 1438 / 26 أبريل 2017    
في



لا تغلو في دينكم غير الحق
04-06-1438 10:21
{لا تغلو في دينكم غير الحق }
قال تعالى {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِيْنِكُم غَيْرَ الحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَومٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ}
قال ابن كثير في تفسيره (3/159-160) : ي : لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه ، حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية ، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء،فجعلتموه إلها من دون الله ، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال ، الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً{وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل}أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال ، إلى طريق الغواية والضلال.قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال : وقد كان قائم قام عليهم ، فأخذ بالكتاب والسنة زمانا ، فأتاه الشيطان فقال : إنما تركب أثرا أو أمرا قد عمل قبلك ، فلا تجمد عليه ، ولكن ابتدع أمرا من قبل نفسك وادع إليه وأجبر الناس عليه ، ففعل ، ثم ادكر بعد فعله زمانا فأراد أن يتوب فخلع ملكه وسلطانه وأراد أن يتعبد فلبث في عبادته أياما ، فأتي فقيل له : لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك ، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سببك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة ، فكيف لك بهداهم ، فلا توبة لك أبدا . ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل}.

*_ معنى الغلو لغة واصطلاحاً :
ـ الغلو لغة : مجاوزة الحد .
ـ أما اصطلاحاً فقد تعددت تعريفات أهل العلم له ، نذكر منها :
1 ـ قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الغلو مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك. ( اقتضاء الصراط المستقيم 1/328) .
2 ـ وقالت اللجنة الدائمةفي فتوى لها : (والغلو هو: التعمق في الشيء والتكلف فيه، وقد نهى النبي عن الغلو فقال: " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح). ( فتاوى اللجنة الدائمة الفتوى رقم 8946) .
*_ مظاهر الغلو :
للغلو مظاهر متعددة منها ما هو في الاعتقاد ، ومنها ما هو في العمل، ومنها ما هو في الحكم على الناس :
1/ الغلو في الاعتقاد : هو مجاوزة الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية . فإن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وبعث المصطفى  ليكون الدين كله لله ، والغالي لا يكتفي بما أنزل تعالى من الشريعة الكاملة ، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله ، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين إلى التشديد على نفسه وعلى غيره، ونسبة ذلك إلى شرع الله تعالى .
والغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو ، ذلك بأن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع ، فأصعب ما يكون انتزاعها ؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك ، بل إنما يعتقد فكراً أو رأياً مصدره الهوى .
ومن الأمثلة على هذا النوع من الغلو : آراء الفرق الكلامية التي فارقت أهل السنة والجماعة بنوع اعتقاد حيث غلت في ناحية من نواحي الاعتقاد فخرجت عن الصراط المستقيم .
ففي صفات الله تعالى نجد أن النفاة والمؤولة قد غلوا في تنزيه الله حتى عطلوه عن صفات الكمال ووصفوه بصفات المعدوم، وفي المقابل نرى أن المجسمة والمشبهة قد غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التجسيم والتشبيه، والحق وسط بين الفريقين تنزيه بلا تعطيل، وإثبات بلا تجسيم ولا تمثيل .
وعلى هذا النهج سارت طوائف المتكلمين، فطائفة تثبت شيئاً وتغالي فيه وأخرى تثبت نقيضه وتغلو فيه.
ومن الغلو في الاعتقاد غلو الشيعة في علي ، فطائفة ادعت أنه إله، وطوائف على أنه معصوم.
ومنه غلو بعض المتصوفة في الرسول حيث ادعوا أنه مخلوق من نور وأن الكون خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكوان ، إلى غير ذلك... .
ومنه الغلو في الصالحين ومشايخ الصوفية، بادعاء العصمة لهم، واتباعهم في كل ما يقولونه بلا دليل، والاستغاثة بهم وندائهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، إلى غير ذلك من العقائد الشركية .
ومن هنا جاء كتاب الله تعالى وجاءت السنة النبوية بالتحذير الشديد من الغلو ، وبيان عواقبه الوخيمة في أمور الدين وأمور الدنيا . ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله غداة جمع : هَلُمَّ الْقُطْ لِي ، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ ، قَالَ : " نَعَمْ ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ،وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " اقتضاء الصراط المستقيم" هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ، وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار ، وهو داخل فيه مثل : الرمي بالحجارة الكبار ، بناء على أنه أبلغ من الصغار ، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا ، إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به . وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك . أ. هـ .
ولهذا قال : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " قالها ثلاثاً . رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود .قال الخطابي في معالم السنن : المتنطع هو المتعمق في الشيء ، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم ، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.أ.هـ.
فهذا خبر عن هلاك من وقع في التنطع الذي هو ضرب من الغلو في الكلام ونحوه ، فدل على أن عقوبة الغالين من المتقدمين والمتأخرين هي الهلاك ، ولهذا لا يقوم لأهل الغلو دولة ، ولا تجتمع الأمة عليهم ، كما قال الإمام وهب بن منبه رحمه الله تعالى:( فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم ، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه ، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج.ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض ، وقطعت السبل ، وقطع الحج إلى بيت الله الحرام ، وإذاً لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستعينون برؤوس الجبال كما كانوا في الجاهلية ، وإذاً لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلاً ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضاً ، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفاً على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله ، لا يدري أين يسلك أو مع من يكون .غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة فأحسن النظر لهم ، فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج). أ . هـ ( مستفاد من كلام للشيخ البرجس منشور ضمن أبحاث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو) .
2 / الغلو في العمل : ومن صوره تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة من غير ورود الشرع بذلك: كالذي يجعل حبلاً يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل، ونحوه، فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير ،لكن إن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي الذي تقدم ذكره، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقاً من أفعال الخير والهدى .
ولما كان هذا النوع من الغلو قد يدخل في نفس بعض المجتهدين في العبادة، فقد عالجه  وبأساليب متعددة، تارة بالعموم، وتارة بتوجيه من وقع فيه إلى خطأ فعله، وما كان من الصحابة رضي الله عنهم إلا التسليم المطلق لرسول الله .
عن أنس بن مالك قال : مر رسول الله برجل يهادى بين اثنين فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أنيمشي _ يعني إلى الكعبة _ فقال رسول الله : "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه". وأمره أن يركب . متفق عليه .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " إِنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِيَّ  فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي إِذا َأصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ وَأخَذتْنِي شَهْوَتِي، َفحَرَّمْتُ عَليَّ اللَّحْمَ، َفَأنْزَل اللَّهُ{يا أيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم }رواه الترمذي وصححه الألباني .
وعن أنس بن مالك يقول جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً فجاء رسول الله  إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". متفق عليه .
ومثل هذه الحادثة كثير، فوجه النبي  من وقع منه ذلك إلى البعد عنه، والحذر منه .
قال الشاطبي رحمه الله في " الاعتصام (2/228 )" الاقتصار على الشبع في المأكول من غير عذر تنطع والاقتصار في الملبوس على الخشن من غير ضرورة، من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضاً من قصد الشهرة ما فيه . وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي: أنه قال لعلي بن أبي طالب اعدني على أخي عاصم .قال: ما باله؟ قال : لبس العباء يريد النسك . فقال على علي به فأتى به مؤتزراً بعباءة، مرتدياً بالأخرى، شعث الرأس واللحية . فعبس في وجهه، وقال : ويحك ! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات، وهو يكره أن تنال منها شيئاً؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه {والأرض وضعها للأنام } إلى قوله {يخرج منهما الؤلؤ والمرجان } أفترى الله أباح لعباده إلا ليبتذلوه، ويحمدوا الله عليه، فيثيبهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول. أ . هـ.
وأدلة الشرع في النهي عن الغلو العملي كثيرة جداً، فالوقوع فيه ارتكاب للنهي، ومعارضة لمقاصد الشريعة التي بنيت على التيسير والتخفيف. وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي  ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم . فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة. وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي.
وقد جرت سنة الله تعالى في هؤلاء الغالية في العمل : أن ينقطعوا عن العمل بالكلية، إلا من أراد هدايته فوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم. وهذا من بينه بقوله :" إِنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلنْ يُشَادَّ الدِّينَ َأحَدٌ إِلَّا َغَلبَهُ، َفسَدِّدُوا وَقارِبُوا وَأبْشِرُوا".رواه البخاري عن أبي هريرة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ( المشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى :لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع؛ فيغلب . قال ابن المنير : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع(الفتح 1/94)
وتلافياً للوقوع في هذا المزلق الخطير : أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل . فقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه " باب القصد والمداومة على العمل" ، في كتاب الرقاق . وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت :" سُئِل رَسُول اللَّهِ  َأيُّ الْأَعْمَالِ َأحَبُّ إَلى اللَّهِ؟ قَال : " َأدْوَمُهَا وَإِنْ َقلَّ " وَقَال: " اكَلُفوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيُقون" . ( مستفاد من كلام للشيخ البرجس منشور ضمن أبحاث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو) .

3/ الغلو في الحكم على الناس: وذلك بمجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق . فإن الحكم بهذه الأمور على أحد من الناس إنما هو إلى الله تعالى ورسوله فمن دل الدليل القاطع على إلحاق هذه الأحكام به؛ ألحقت به، ومن لم يدل الدليل على لحوقها به؛ فإن تنزيلها عليه من تعدي حدود الله تعالى، والقول عليه بغير علم، وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها، وفرق جماعتها .
وأول الغلو في الأمة إنما هو هذا، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين، حيث قادهم الغلو في الحكم على صاحب المعصية إلى إلحاقه بمن وقع في الكفر بالله عز وجل ، فكان هذا الغلو الاعتقادي دافعاً لهم إلى سلسلة من الجرائم الكبرى:حيث دفعهم إلى تكفير حكام المسلمين بمجرد الوقوع في المعاصي ثم تكفير عامة من لم يقنع بقولهم هذا من المسلمين ، فكفروا المجتمعات المسلمة ، وقاتلوا المسلمين ، وخرجوا على حكامهم .
ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق، والتفسيق بغير حق، فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير بغير حق. وإذا كان النبي كما جاء في صحيح البخاري منع من تتريل الحكم العام على شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله، على الشخص المعين لما قام به من إيمان بالله ورسوله، فكيف يتسارع الغالون إلى تنزيل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما روية وتؤدة؟ .عن عمر بن الخطاب :" َأنَّ رَجُلا كَان عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ  كان اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَان يُلقَّبُ حِمَارًا وَكَان يُضْحِكُ رَسُول اللَّهِ  وكان النبي قد جَلدَهُ فِي الشَّرَابِ، َفأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، َفَأمَرَ بِه، َفجُلِد . فَقَال رَجُل مِنَ الْقوْمِ : اللَّهُمَّ اْلعَنْهُ، مَا َأكْثرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ! فَقَال النَّبِيُّ  :" َلا تَلعَنُوهُ َفوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ َأنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُوَلهُ " .
فتنزيل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من توفر شروط ، وانتفاء موانع ، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة .
ولذا تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: " والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع " . أ . هـ.( ميزان الإعتدال 3/46) .
أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق كلها، يتمسكون بروح الإسلام، ويتمثلون وسطية الشريعة دون إفراط أو تفريط ، ودون غلو أو تساهل ، يرشدون إلى الحق من تنكب الصراط ، ويأخذون بيد من انحرف عن جادة الصواب .
عن عبد الله بن مسعود قال : خط رسول الله  خطاً بيده ثم قال :" هذا سبيل الله مستقيماً" قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال :" هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه "، ثم قرأ{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}. رواه النسائي ، والإمام أحمدواللفظ له.
فقد ذكر تعالى الصراط مفرداً للدلالة على أن طريق الحق واحد لا يتعدد، وجمع السبل للتنبيه على أن طرق الضلال متشعبة وكثيرة .
وقال تعالى في سورة البقرة {يخرجهم من الظلمات إلى النور} ، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: المراد بالظلمات : الضلالة ، وبالنور الهدى ، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة لجمعه الظلمات، وأن طريق الحق واحدة لإفراده النور. (أضواء البيان1/158) .
وكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم ، ودين الإسلام وسط بين الأديان لقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} فإن أهل السنة والجماعة هم وسط بين الفرق الضالة والمناهج المبتدعة ، وهم الفرقة الناجية . عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله :" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله من هم قال الجماعة". رواه ابن ماجة وصححه الألباني.


*_ من أسباب الغلو :
للغلو أسباب كثيرة ، تختلف باختلاف كل بيئة ، وتتباين بين مجتمع وآخر ، بل ربما اختلفت من شخص لآخر ، ولذا سنذكر أهم الأسباب العامة التي تؤدي إلى الوقوع في الغلو :
1 ـــ الجهل ، وقلة البضاعة من العلم ، وعدم فقهروح الشريعة وفهم مقاصدها .فإذا لم يتحصن الشخص بالعلم الصحيح ، فقد يقع في الغلو والتطرف. قال الشاطبي رحمه الله : البدعلا تقع من راسخ في العلم وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين فيأدلتها .
ولا يرفع من خطورة الجهل ، ما يتصف به بعض أصحابه من ورع أو زهد ، فبعض الغلاة قد يكون لهم نصيبٌ من الإخلاص ، أو غَيْرَة على محارم الله تعالى ، وقلبُهم يمتلئ حماسًا لدينِ الله عزوجل وإقامةَ شرعِ اللهِ في الأرض الأمرُ الذي أدَّى ببعض الناس إلى أن يغترَّ بهم , ويقعَ في حبالهم .
لكن هذا الإخلاص وهذا الحماس لا يكفي وحده ليكون الإنسان على المنهج الحق . فالأمرُ كما قال الصحابيُّ الجليلُ أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود حينما أنكرَ على تلك الطائفة التي كانت تذكرُ اللهَ بطريقةٍ غير شرعيّة , وعلى كيفيّةٍ غير نبويّة ، وقد قالوا له: والله يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخيرَ . فقال عبد الله بن مسعود : " وكَمْ مِنْ مُريدٍ للخير لن يصيبَه " . أخرجه الدارمي وصححه الألباني .
فينبغي الاعتبارَ بما كان عليه الخوارجُ الأوائلُ من كثرة العبادة ، والزهد والتقشّف والورع ، وحسنِ النّيّة والقصد ، مع الشجاعة والتضحية بالنفس ، لكن لما خرجوا عن السّنّة , وخالفوا خيارَ الأمّة - وهم أصحابُ النبي - واستقلُّوا بفهومهم دون فَهْمِ الصحابة للقرآن والسنّة ؛لم تشفع لهم تلك العبادات , ولا أنجتهم عند الله حُسْنُ النّيّات ، بل وَرَدَ في الأخبار النبويّة التحذيرُ منهم , والتنفيرُ عنهم , وبيانُ ضررِهم على الأمّة الإسلامية , مثلُ قولِـه - والخطابُ لأصحابه رضي الله عنهم -: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " .رواه البخاري .
وَمِنْ هنا نُدْرِكُ خطرَ هؤلاء القوم على عقيدة المسلمين وأمْنِهم ودينهم وسلامتهم , ولا ينبغي إطلاقًا الاغترارُ بما يظهرُ من صلاحهم , وحماسهم لهذا الدّين . فلا بُدَّ أنْ يكونَ الحماسُ والغَيْرَةُ منضبطةً بعلم وبصيرة , ومبينةً على فقه وحكمة ورويّة .
2 ــ عدم اتباع العلماء الربانيين الراسخين ، المشهود لهم بالعلم والنظر الثاقب في مقاصد الشريعة الإسلامية ، والبصيرة التي يميزون بها بين المصالح والمفاسد .
إنما وقع من وقع في الغلو بسبب عدم اتباع الأئمة والعلماء،بل والقَدْح فيهم واتهامهم بشتى أنواع التُّهَم , وَرَمْيهُمْ بأصنافٍ من العظائم ,مثل اتهامهم بالعمالة والجبن والمداهنة والنفاق , وأنهم علماء السلاطين، إلى غير ذلك من الكذب والبهتان الموجود في قواميسهم .
ولا شك في أن هذا سيؤدي إلى سقوط هيبة أهل العلم بين الناس , وضعف الثقة فيهم، وحينئذ يتخذ الناسُ من الغلاة رؤساءَ فيفتونهم بغير علم ولا بصيرة , فلا تسل بعد ذلك عن التطرف الانحراف والضلال الذي يحصل في عقائد الناس وأفكارهم !! ولا تسل أيضًا بعد ذلك عن الفوضى واختلال الأمور واختلاطها في واقع النّاس وحياتهم !! .
فالعلماءُ هُمُ الأمناءُ على دين الله , وواجبٌ على كلّ مكلَّفٍ أخذُ الدِّين عن أهله كما قال بعض السلف : إن هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم .
3 ــ بتر النصوص وأقوال أهل العلم بما يوافق أهواءهم ، والاستدلال ببعض النصوص دون بعض ، وفي هذا تحذير واضح في القرآن الكريم، قال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب}.
فالتعلق بظواهر ألفاظٍ من كلام العلماء المحققين , دون عرضها على العلماء , بل يعتمدُ على فهمه , وربما قال حجّتُنا موقع كذا ، أو كلامُ فلان ، أو مطوية كذا ،وقد يستدل بكلام احد العلماء دون أن يعرف مقصودَه بذلك الكلام.
إن اجتزاء النصوص بما يوافق أهواء الغلاة هو أمر درجوا عليهم منذ أن نبتت نابتة الخوارج ، حين استدلوا على مطالبتهم بإبطال التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما بقوله تعالى { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، وهو ما جعل علياًينتقد صنيعهم بقوله :"كلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ". رواه مسلم
ولعل ما حملهم على ذلك هو اتباع الهوى ، ولذا حذر تعالى من اتباع الهوى بقوله{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}.
ومما يحتم وقوع متبع الهوى في الغلو : التعصب لشخصٍ يعظمه ،بقبول رأيه أو الاستماع له أكثر من غيره ، وإن كان ذلك الغير أتقى لله وأكثر علماً وأعمق فقهاً. وربما أبغض من يشاركه في العلم والاتباع حسداً وبغياً ، كما أنكرت اليهود نبوة محمد  حسداً وبغياً رغم يقينهم بصدق رسالته .
وإذا صار الهوى هو القائد والدافع ؛ صار أهله شيعاً يتعصب كل منهم لرأيه ويعادي من خالفه .قال الشاطبي رحمه الله : ( كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك عداوة ولا بغضاء ولا فرقة ، علمنا أنها من مسائل الإسلام ، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء ، فيجب على كل عاقل أن يجتنبها ، ودليل ذلك قوله تعالى {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى ، فالإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، وكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين ) . (الموافقات 186 ) .
4 ــ ومن أسباب الغلو : الحماس والعاطفة . والعاطفة التي لا تضبط بالشرع تصبح عاصفة . فالتوازن وضبط الحماس والاتكاء من الثوابت الراسخة في كل قول أو فعل أمور مطلوبة في هذا الباب .
لا ننكر أن للمشاعر حقها في التفاعل ، أما الأفعال فلا بد أن تكون مضبوطة بهدي الكتاب والسنة ومقاصد الشرع وضوابط المصلحة .
ولهذا نجد أن العلماء يربطون الحماسَ والغَيرةَ للدّين الموجودةَ عند الشباب بالحكمة والبصيرة حتى تؤتي ثمارها , وتكون عاقبتُها إلى خير وفلاح .
يقول العلامة الشيخ صالح الفوزان : " الغَيرةُ على الدِّين ، والحماسُ لا يكفيان ، لابُدَّ أن يكونَ هذا مؤسَّسًا على علمٍ وفقهٍ في دين الله عز وجل ، يكونُ ذلك صادِرًا عن علم , وموضوعاً في محلّه , والغَيرةُ على الدِّين طيّبةٌ , والحماسُ للدِّين طيّبٌ , لكن لا بُدَّ أن يُرَشَّدَ ذلك باتباع الكتاب والسنَة . ولا أَغْيَرَ على الدّين ، ولا أنصحَ للمسلمين من الصحابة رضي الله عنهم ومع ذلك قاتلوا الخوارجَ لخطرِهم وشرِّهم " ... وقال أيضاً: " لأنهم جماعةٌ اشتدُّوا في العبادة والصلاة والصيام وتلاوة القرآن , وعندهم غَيرةٌ شديدةٌ , لكنّهم لا يفقهون ! وهذه هي الآفَة!.
فالاجتهادُ في الورع والعبادة لابُدَّ أن يكون مع الفقه في الدّين والعلم ، ولهذا وصفهم النبيُّ  لأصحابه : بأنَّ الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم ، وعبادتهم إلى عبادتهم ثم قال : يمرقون من الإسلام كما يمرقُ السّهمُ من الرّميّة ، مع عبادتهم ومع صلاحهم ومع تهجّدهم وقيامهم بالليل ، لكن لما كان اجتهادُهم ليس على أصلٍ صحيحٍ ، ولا على علمٍ صحيحٍ صارَ ضلالاً ووبالاً ، وشرًّا عليهم وعلى الأمّة " أهـ . (محاضرات في العقيدة والدعوة 3/359-360).
ويدخل في باب العاطفة : نشر الحكايات والرؤى والمنامات:ولذا فلا ينبغي أن نعجب إذا سمعنا من يقول أنه رأى فلاناً ممن فجروا أنفسهم ينغمس في أنهار الجنة ، وأن فلاناً تعانقه الحور العين، وغير ذلك ممن الشائعات والادعاءات التي أساسها الكذب والوهم .
5 ــ ومن أسباب الغلو : مجالسة الغلاة. قال تعالى { وإذا رأيتَ الذينَ يَخُوضونَ في آيَاتِنا فأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فيِحَديثِ غَيرِهِ و إمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيطانُ فلاَ تقعُدْ بَعدَ الذِّكْرَى معَالقَومِ الظَّالِمينَ*وما علَى الذينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهم مِّن شيءٍوَلكِنذِكْرَى لَعلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وهذا أمر للمؤمن بأن يتجنب ويبتعد عن المشككين وأهل الانحراف والتأويل الباطل وأصحاب الهوى .
قال مجاهد في معنى قوله {الذين يخوضون }: هم الذين يقولون فيالقرآن غير الحق. وقال ابن العربي: وهذا دليل على أنمجالسةأهل الكبائر لا تحل. وقال ابن خويزمنداد: من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهُجر. ( القرطبي في التفسير7/ 12- 13).
قال تعالى{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنأم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاءالفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله هذهالآية{هو الذي أنزل عليك الكتاب} إلى قوله: {أولوا الألباب} قالت: قال رسول الله: فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّىاللهُ، فاحذروهم ". رواه البخاري.
ولما سئل الشيخابن باز رحمه الله عن مجالسة أهل البدع والأهواء ، أجاب : لا يجوز مجالستهم ولا اتخاذهم أصحاباً، ويجب الإنكار عليهم وتحذيرهم من البدع، نسأل الله العافية.( مجلة الفرقان، العدد 100 في ربيع الثاني 1419هـ.)
6 ـــ ومن أسباب الغلو :استفزاز المتدينين : فلا يخفى الدور الاستفزازي الذي يقوم به دعاة التغريب الذين يسعون إلى قتل الفضائل ونشر الرذائل ومحاربة الحسبة والدعوة ، وحملوا راية التغريب ظناً منهم أنهم بذلك يسعون في نهضة الأمة، وأساءوا من حيث ظنوا أنهم أحسنوا ، وحاربوا التدين وهاجموا الدعوة للتخلص من هيمنة الدين على الحياة ، بزعم السعي إلى نهضة على المستوى التقني والحضاري والمعرفي والثقافي. فبشروا بمشروع هجين مستورد اصدق ما يمكن تسميه به هو " المشروع الشهواني" ، لأن هدفه يرمي إلى فتح أبواب الشهوات على مصاريعها ، وإن حاولوا أن يوهموا المسلمين أنهم يسعون إلى البناء والتنمية واللحاق بالقوى الأخرى في مجالات القوة الاقتصادية من صناعة و زراعة و علوم وتقنية وغيرها ، فهؤلاء لا هم لهم إلا الشهوات وصدق الله تعالى القائل {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}.
ولما كانت الأمة تأوي إلى ركن مكين من النص المعصوم في الكتاب والسنة ، فقد عمل أصحاب هذا المشروع على تقويض النص وتجاوز الثوابت بل وبعضهم وقع في الطعن في الذات الإلهية ، ظناً منهم أن ذلك سيؤدي إلى تلاشي قدسية النص ويسقط حجج المتدينين وينفض الناس عن التدين . فلكي تكون كاتباً مبدعاً لا بدّ أن تطعن في بعض ثوابت الدين ، حتى ولو وصل بك الأمر إلى وصف ما لا يُعجبك من الأحاديث النبوية الصحيحة عن رسول الله  بالتّوحش والعنصرية ومصادمة حقوق الإنسان!.
ولكي توصف بأنك مفكر له حضوره في المحافل والمنتديات ، فإنه يجب عليك أن تثبت ما يؤهلك لذلك ، كأن تجعل رب العالمين والشيطان سواءاً ، بقولك عنهما إنهما وجهان لعملة واحدة(تركي الحمد) وأن تصف الله بأنه إله قاس (بدرية البشر)، وأنه إله سجان جلاد ( هاني النقشبندي) ، وأن الله لا يقوى على وزارة الاعلام (عبدالله بن بخيت ) ، وأن تقول عن الله : "الله الذي استأثر بالهناء ...ألم يخن الله نفسه؟" ، "وساوس الله وساقه وخلخاله" . (وردة عبدالملك في رواية الأوبة) .
فإن لم يمكن تقويض النص ، فلا بد من العمل على الحد من تأثيره.وفي ذلك يقول أحدهم : ( إذا تحدثنا عن المشاكل التي يسببها الزواج بأكثر من امرأة واحدة ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن استغلال خرافة تفسير الأحلام ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن السحر والخزعبلات الأخرى ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن الخزعبلات المربوطة بالجن ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن الهيئة ثاروا في وجيهنا باسم الدين. أشياء كثيرة أخرى ما أن يقترب منها الكاتب حتى تجدهم ينقضون عليك باسم الدين ). ( عبدالله بن بخيت ، جريدة الرياض السبت 18 ربيع الآخر 1431 ، العدد 15258 ) .
فإن لم يُجدِ ذلك ، فلا بد من تأويل النص ، فالاختلاط سائغ بدليل دخول نبي الله يوسف عليه السلام على النسوة ، وكشف الوجه جائز بحجة وجود خلاف فقهي حول وجوبه ، والسينما ضرورة لأنها تفتح آفاقاً ثقافية ومعرفية والدين حثنا على العلم والتعلم ، والالتزام بشعائر الإسلام الظاهرة تشدد وتزمت ، والدين يسر وسماحة ، واتباع أقوال أهل العلم حجر على العقول وتعطيل لملكة التفكير والله أمرنا بالتفكر والتدبر ... ألخ .
هذا الطرح أدى إلى استفزاز بعض الشباب المتحمس ، فتلقفهم الغلاة وأقنعوهم بأن التكفير والتفجير هو الحل ، وأن القضاء على هذه المنكرات يكون بالخروج عن جماعة المسلمين وإسقاط العلماء واستباحة الأرواح .
*- أبعاد الغلو : بالاستقراء يمكن تقسيم أبعاد الغلو على مستويات أربعة : المستوى العقدي . والمستوى الدعوي . والمستوى الأمني. والمستوى الاجتماعي.

أولاً ؛ المستوى العقدي :
1 ــ تكفير حكامومجتمعات المسلمين : ولهم في ذلك شبه كثيرة منها: مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، دون النظر إلى التفصيل في هذه المسألة ما بين كفر وظلم وفسق .
ومنها شبهة موالاة الحكام لغير المسلمين ومظاهرتهم على المسلمين .
ولا تخفى ردود أهل العلم على هذه الشبهات وغيرها ، وليس هنا مجال بسطها .
وبنوا على ما سبق تكفير الحكومات ، وتكفير أعضائها بأعيانهم ، وكفروا بقية أفراد النظام حتى وصل بهم الغلو إلى تكفير أعيان الشرط بشبهة أنهم أعوان النظام الكافر ، وقد سوغ لهم هذا استباحة دماء المسلمين من رجال الأمن والشرطة .
واشتط بعضهم فكفر عموم المسلمين بحجة أن من لم يكفر الكافر فهو كافر ، دون أن يلتفتوا إلى شروط التكفير وموانعه .
بل إنهم جعلوا الوطن دار حرب فاستهدفوا الآمنين والمفاصل الاقتصادية والمواقع الاستراتيجية ، لشبه وحجج قامت في عقولهم جعلتهم يسترخصون الأرواح ويستبيحون الأموال ، دون أن يلتفتوا لتحذير أهل العلم والفقه من ذلك .
والعجيب أن أحدهم لو سئل عن حكم شرعي جزئي لنصح السائل بسؤال أهل العلم الموثوقين في دينهم المعروفين بعلمهم وأمانتهم !!.
تساهل في الدماء والأرواح ، مقابل تحرٍ ودقة زائدة في المسائل الفرعية الجزئية !!.
قال النبي فيهم وفي أمثالهم:"سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة ". رواه مسلم.
2 ـــ الخروج ومفارقة جماعة المسلمين : إذ بات ولاؤهم الحقيقي لجهات خارجية تستخدمهم ـ من حيث شعروا أم لم يشعروا ـ أدوات لهدم الدار فوق رؤوسهم ورؤوس إخوانهم من المسلمين .
فهؤلاء جعلوا طاعتهم وولاءهم لأشخاص يحركونهم بالخطابات الحماسية والرسائل الانترنتية والعبارات المشفَّرة ، عبر قنوات عميلة ومواقع مشبوهة ، ولا يُعرف هؤلاء بعلم ولا فقه ولا حرص على مصالح الأمة وقضاياها .
ولا يرون في أعناقهم بيعة لولاة الأمر ، ولا يعتقدون بوجوب طاعتهم في غير معصية الله ، ولا يتبعون منهج النصح والدعاء لهم .
قال النبي :" من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه".رواه مسلم.
وعن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله  على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومه لائم". رواه البخاري .

ثانياً : المستوى الدعوي :
1 ـــ تنفير الناس من التدين. فعلى الرغم من أن الغلاة يدعون أنهم يسعون لنصرة الدين والدفاع عن الإسلام ، إلا أن أفعالهم الدموية والتخريبية والعبثية التي لا تقرها شريعة ولا يرضاها دين ولا يقبلها عقل ، شوهت الدين ونفرت الناس من التدين ، بحيث صار الرجل يسترجع إذا عرف أن ولده سار في ركب الصالحين واستقام مع المستقيمين ، وأكب على تلاوة كتاب الله وحفظه وسماع المحاضرات النافعة والمشاركة في الأنشطة الدعوية ، بعد أن كانت أمنيته التي يتمناها ـ شأنه شأن كل أب ـ أن يرى ولده في يوم من الأيام مستقيماً صالحاً مصلياً صواماً قواماً .
فهل الدعوة إلى الله تكون بإزهاق الأرواح المسلمة وقتل الأنفس المؤمنة؟ والنبيما زال ينكر على أسامة بن زيد قتله الرجل المشرك الذي روى سيفه من دماء الصحابة ، ولما رأى بارقة السيف فوق رأسه قال : لا إله إلا الله "، فقتله أسامة متأولاً ، فما زال النبي ينكر عليه ويردد : "يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله"، حتى قال أسامة تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . رواه البخاري . وعن أنس قال : قال رسول :" يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا". رواه البخاري .
هل الانتصار للملة والشريعة كما يزعم هؤلاء يكون بالتدمير والتخريب وزعزعة الأمن وترويع المسلمين الآمنين . والنبي يقول:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
لا شك في أن هؤلاء يشوهون الإسلام بأعمالهموينفرون الناس من الدين السمح ـــ الذي أنزله الله رحمة للناس ـــ بسوء تصرفاتهم ، ويخدمون أعداء الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وصدق المصطفى حين قال :" إن منكم منفرين ".
2ـــ إشغال العلماء والدعاة بالرد عليهم دون ما هو أهم.
فبدلاً من أن يتفرغ اهل العلملتعريف العالم بالإسلام خصوصاً بعد الإساءة للنبي  ومهاجمة الإسلام واتهامه بالتطرف والوحشية، والإساءة إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فإنهم وجدوا أنفسهم مضطرين للانكفاء والالتفات نحو الداخل لمعالجة أسس وجذور هذا الخلل الفكري وتجلية شبهات أصحابه.


ثالثاً : المستوى الأمني :
1 ـــ زعزعة الأمن بالتفجير وقتل الناس، فاستباحوا دماء الناس وأرواحهم وأموالهم ، وزعزعوا الأمن . وقدموا الفرصة سانحة للطامعين وأصحاب المصالح للتدخل في شؤون المملكة بحجة عدم قدرتها على ضبط الأمن ، وحماية حقول النفط.
2 ـــ تقديم الذريعة للمتربصين بالوطن للتدخل في أمور وطنية سيادية، أذكر منها قضية التعليم لأهميتها .
فقد أعطت أفعال الغلاة الدموية الفرصة للغرب للتدخل في مناهج التعليم ، بحجة أن هذه المناهج تعلم الإرهاب وتربي الطلاب على كره الآخر وتكفيره ومعاداته ، ساعدهم في ذلك بعض الذين تطوعوا للبحث عن كل نص يمكن إدانة المناهج به ولو كانت دلالته موهمة أو محتملة . فبرزت بعض الأصوات مطالبة بتغيير المناهج في المملكة ، ومن ذلك :
قدم النائب ( جيم دافيس ) من الحزب الديمقراطي عن ولاية فلوريدا في مجلس النوابالأمريكي مشروع قرار في ( يونيه سنة 2002 م ) حولالمناهجالسعودية، ركز فيه على مطالبةالحكومة الأمريكية بالتدخل المباشر لتغيير مناهج التعليم السعودية. وقامت لجنة أمريكية لها علاقة بموضوع المناهجالتعليمية في المملكة ، بوضع تقرير مفصل قدمته للإدارة الأمريكية ، انتقدت فيه :
أ ــ سياسة التعليم لأنه يقوم على الإسلام ، والدراساتالإسلامية تشكل جزءاً رئيساً في الكتب المقررة ، وحتى الكتب العلمية تشير إلىالإسلام .
ب ـــ السعوديون يقولون إنالإسلام هو أساس الدولة والمجتمع والقضاء والتعليم والحياة اليومية .
ج ـــ المناهجالسعودية لا تعترفبأي حق لليهود في فلسطين وأرض إسرائيل .
د ـــ المناهجالسعودية تقدم قضيةفلسطين بأنها احتلها اليهود الأجانب .
هـــ ترفضالمناهجإلغاء الجهاد كمايدعو لذلك بعض المسلمين ، مثل الطريقة القادرية .
و ـــ المناهجالسعودية تركز علىفصل النساء عن الرجل ، وتركز على حجاب المرأة .
ز ـــ وصف المنهج بأن ما تقوم به بعض النساء من كشف أجسامهن للرجال الغرباءبأنه ذنب كبير.
وكتب " توماس فريدمان " مقالاً بعنوان : " إما أن تتخلص أمريكا منالشاحنات الصغيرة أو يتخلص السعوديون منالمناهجالإسلامية المدرسية ". نُشر في جريدة " نيويورك تايمز " ، ومن أبرز ماورد فيه انتقاده " لكتاب المدرسة الخاص بالسنة العاشرة ( الأول ثانوي)والمنتشر في جميع المدارس السعودية لأنه يتضمن نصاً يقول : إنه واجب على المسلمين أنيتآخوا فيما بينهم ... ".
وكتب " نيل ماكفاركوهار " مقالاً بعنوان : " وجهاتالنظر المتطرفة والمعادية للغرب في المدارس السعودية" ، ونشر في صحيفة "نيويورك تايمز " (في 18 / 10 / 2001 م)انتقد فيه كسابقه مطالبة الدروس الصفية في الكتب المدرسية المقررة من المسلمين أن يكونوا موالينلبعضهم البعض". وأضاف منتقداً : إن حجم مقررات التربية الإسلاميةالتي تدرس في المدارس السعودية كما يقول بعض أولياء أمور الطلاب يعادل ثلث المنهج ،وكلها تركز على المواضيع الدينية .


رابعاً : المستوى الاجتماعي :
1 ـــ زعزعة الأمن الفكري ، وذلك بمحاولة إسقاط العلماء وتهميشهم، لإدراكهم أن العلماء هم صمام الأمان الذي يحبط ويفشل ما يخططون له من قتل وتخريب.وإذا أسقط العلماء خلت الساحة أمامهم لبث أفكارهم وسمومهم .
فالعلماء عند التكفيريين هم علماء سلطة ، وزبانية الظلمة ، ومُفتون للحكام وفق ما يشتهون ، لا يفقهون الواقع ، علماء حيض ونفاس ، علماء الوراق الصفراء وحسب ، منافقون ، مداهنون ، يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل.
وكان من آثار هذه الآفة الخطيرة أن تبلبلت أفكار كثير من الشباب . فمنهم من ضل طريق الهدى وصار يتبع ما يرسمه له متبعوا أهوائهم ووقعوا في حزبية مقيتةأوعصبية جاهلية منتنة. ومنهم من صار بينه وبين العلماء فجوة كبيرة ووحشة عظيمة فابتعد عنهم بل وقع في أعراضهم ، وبات يلهث خلف من يفسدون في الأرض بدعوى الإصلاح تارة بالعلمنة وتارة بالتغريب وتارة ببث روح الفرقة والشقاق في المجتمع .
2 ـــ تضييع الطاقات الشابة وتبديدها حيث استقطب هذا الفكر شريحة من الشباب مستغلاً حماسهم وغيرتهم على الدين والدعوة ، واستياءهم التجاوزات التي يقوم بها التغريبيون ، فاندفعت إليه هذه الفئة بإخلاصها وحبها لدينها ظناً منها أن اعتناق هذا الفكر نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فجعلها طاقات هدم وتخريب في الأمة بدلاً من أن تكون طاقات بناء .
فكم من الشباب الغض الطري قتل جراء تمسكه بهذا الفكر ؟.
وكم من شاب فاعل مؤثر منتج ذهب ضحية لتنفيذ مخططات هذا الفكر ؟.

*- العلاج :
أولاً : طرح برامج وخطط علمية مدروسة ومحددة ومبرمجة بعناية لعلاج ظواهر الغلو بالحوار والمناقشة والحجة والتربية وبالبرامج العلمية والإعلامية والتربوية والاجتماعية قريبة المدى وبعيدة المدى.
فمن الجانب العقدي والفقهي يجب أن تسهم الجامعات والمؤسسات التربوية كأقسام العقيدة والفقه والكتاب والسنة والثقافة ، ومراكز البحث ومراكز خدمة المجتمع ، في كل الجامعات .
ثانياً :على العلماء والدعاة والمفكرين والمربين الإسهام في حل المشكلة وتخفيف آثارها والحد من انتشارها بأكثر مما هو حاصل وبكل الوسائل المتاحة .وذلك عبر طرح المشكلة بوسائل الإعلام ، ومؤسسات التربية والتعليم ، بأسلوب علمي.
ثالثاً : إنشاء مراكز وجمعيات ومؤسسات متخصصة رسمية وغير رسمية ، تعنى بهذه الأمور يكون فيها باحثون ومتخصصون متفرغون يعكفون على البحث والدراسة والحوار ، وتوفر لهم الإمكانات اللازمة والوسائل العلمية والإعلامية وغيرها .
رابعاً : الحاجة إلى المزيد من برامج استصلاح الغلاة ، فأغلب أفراد الغلاة من المتدينين ذوي العاطفة والغيرة والحماس ، لكنهم ينقصهم عمق الفقه ، والحكمة والصبر والتجارب ، واستهوتهم التيارات والأهواء ، ومن الأفكار المطروحة :
أ - الحوار المباشر وهو حاصل الآن ، والحاجة إلى مزيد من الحوارات أمر مشاهد .
ب- الاكثار من الرسائل والبحوث العلمية المؤصلة وكذا المطويات وطرحها بكل الوسائل المتاحة ولا سيما الإنترنت ، وتكون من متخصصين جديرين ، وتعالج القضايا الكبرى بأسلوب ميسر .
ج- الإكثار من الإصدارات والندوات والدورات والمحاضرات واللقاءات في علاج الغلو ، وأن تكون هناك برامج ثابتة في الإعلام، سيما القنوات والاذاعات الدينية ، لأن كثيراً من الغلاة يتابعون هذه الوسائل.
د _استيعاب الشباب في ميادين الخير ، كالعمل في الجمعيات الخيرية والمؤسسات التطوعية ، وافتتاح المزيد من هذه المؤسسات إن لزم الأمر .
هــ - معالجة التيار الذي يدعو إلى التمييع والتغريب، والذي يدعو إلى الطعن في العقيدة والأخلاق والسلف الصالح ، من قبل بعض مرضى القلوب والعقول .فإن من أعظم أسباب الغلو في الزمن الحاضر، هو التطرف المعاكس في رفض الدين أو التساهل والإعراض عنه ، وعدم علاج النوعين بتوازن .


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved