الأربعاء 29 رجب 1438 / 26 أبريل 2017    
في



تأملات في سورتي السجدة والإنسان
04-28-1438 03:20
أولاً : فضل سورتي السجدة والإنسان :
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في يوم الجمعة في صلاة الفجر{ الم * تَنزِيلُ }هذه السورة و{ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ }.
وقراءة هاتين السورتين مقصودة، فأما السجدة فقد ذكر فيها خلق آدم وكيف بدأ الله عز وجل خلقه من طين، {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، ثم ذكر كيف يكون مصير هذا العبد عند ربه يوم القيامة، وكيف يجازيه ويحاسبه على ما ذكر في هذه السورة. وهذا واضح في سورة الإنسان من أول السورة، قال تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}أي: هذا الإنسان الذي يستكبر ويتعالى على ربه سبحانه تبارك وتعالى هلا تذكر أنه أتى عليه يوم من الدهر لم يكن شيئاً ولم يكن حتى تراباً؟! فقد كان عدماً ثم أوجد الله عز وجل هذا التراب، وخلق منه الإنسان.
فهلا تذكر الإنسان ذلك فانتفع بهذه التذكرة؟ ثم ذكر الله عز وجل في سورة الإنسان أمر الكافرين، وكيف يفعل الله عز وجل بهم، فقد أعد لهم سلاسل وأغلالاً وسعيراً.وذكر كيف يفعل بالمؤمنين، وأنه يدخلهم جنات {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ}إلى آخر ما ذكره الله سبحانه في هذه السورة.
فهاتان السورتان مناسبتان ليوم الجمعة، فيقرؤهما المصلي في صلاة الفجر أو يسمعهما، لما فيهما من التذكير بأن يوم الجمعة وإن كان عيداً للمسلمين الآن إلا أن الساعة ستقوم فيه، ومن التذكير بأن بدء خلقه كان في هذا اليوم، وأن إنزالهم من الجنة إلى الأرض كان في هذا اليوم، فيتذكر يوم الجمعة وما يكون فيه من حساب وعذاب، وما يكون فيه من جنة ونار.
ثانياً: من السنة قراءة سورة السجدة عند النوم :
فقد كان يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم قبل نومه؛ لما فيها من العبر والتذكير بالموت وبالبعث يوم القيامة وبالجزاء وبالحساب.ومن المناسب للإنسان عند نومه أن يتذكر ما الذي صنعه في هذا اليوم، ويتذكر أنه راجع إلى الله سبحانه، فينوي نية حسنة إذا أحياه الله عز وجل في اليوم التالي أن يؤدي الحقوق لأصحابها، وأن يعمل الخير ويزيد في صلاح نفسه بما يشاء الله عز وجل له.
جاء عند الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ{ الم * تَنزِيلُ} السجدة، و{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ }، فيستحب قبل النوم أن المسلم يقرأ سورة السجدة ويقرأ سورة تبارك .
جاء في فضل سورة تبارك أنها المنجية من عذاب القبر، وأن عبداً كان يقرؤها في كل ليلة، فلما مات جاءت هذه السورة تدفع عنه عذاب القبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم :"سورة ثلاثون آية شفعت لصاحبها في قبره حتى دفعت عنه العذاب".
ثالثاً : تأملات في سورة السجدة :
أ ـ معلومات عن السورة :
ـ ترتيبها : سورة السجدة هي السورة الثانية والثلاثون في ترتيب المصحف الشريف .
ـ عدد آياتها : ثلاثين آية .
ـ سورة مكية : هي من السور المكية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ما عدا آيات ذكر أهل العلم أنها نزلت بالمدينة، وهذه الآيات هي قول الله عز وجل{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون }.
ـ خصائصها : اشتملت على خصائص السور المكية ، مثل : التذكير باليوم الآخر / التفصيل لما يكون في يوم القيامة / بيان أصول العقيدة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والكتب، والرسل، والبعث والجزاء.
ـ المحور الذي تدور حوله السورة الكريمة : هو موضوع البعث بعد الفناء الذي طالما جادل المشركون حوله، واتخذوه ذريعة لتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام.
ـ سبب تسمية السورة : سميت سورة السجدة بهذا الاسم لما ذكر الله تعالى فيها من أوصاف المؤمنين الأبرار الذي إذا سمعوا آيات القرآن العظيم {خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} .

ب ـ وقفات مع بعض آيات السورة :
1 ـ ابتدأت السورة بدفع الشك والارتياب عن القرآن ـ قال تعالى {ألم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
فالقرآن هو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ، لا ريب فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقد اقتضت سنة الله تعالى أن يؤيد رسله وأنبياءه بمعجزة أو أكثر ليصدقهم الناس وليؤمنوا بأن ما جاؤوا به هو من عند الله تعالى ، فأيد موسى بالعصا وأيد صالح بالناقة وأيد عيسى بالقدرة على إحياء الموتى وشفاء المرضى بإذنه ، إلى أن جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم لهداية البشرية ورحمتهم، الذي أيده ربه بمعجزات كثيرة كانشقاق القمر وتسبيح الحصى بين يديه وتكليم البهائم له وحنين الجذع إليه وغيرها ، لكن أهم هذه المعجزات وأقواها هي معجزة القرآن ، الذي نزل بلسان عربي مبين في زمن اشتهر بالفصاحة والبلاغة .
بل إنه تحدى العرب وكانوا أهل فصاحة وبلاغة ، فحفلت آياته بالتشبيهات الرائعة المصورة للمعاني أصدق تصوير والمعبرة عنها أروع تعبير، وبالاستعارات التي هي من أبلغ ما يعد في القواعد المجازية وأرسخها عرفاً فيه ، مثل قوله تعالى {والصبح إذا تنفس } ، { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} ، {وجعلنا آية النهار مبصرة }، و{فجرنا الأرض عيونا}، {وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً} .
هذا إلى إبداع الأسلوب القرآني في الإيجاز والإطناب والسجع والتصوير، وتحديد الألفاظ تحديداً دقيقاً لا نجده في غيره، فهو يفرق بين ( الرياح ) الطيبة و(الريح) العاتية، وبين ( الغيث ) الذي يأتي بالنعمة والرحمة ، و(المطر) الذي يذكر في مقام العذاب والتخويف.
وقد حرص طواغيت قريش، على أن يحولوا بين العرب وبين سماع هذا القرآن لعلمهم بشدة تأثيره وروعة بيانه . فكانوا إذا أهلَّ الموسم وآن وفود العرب للحج ، ترصَّدوا عند مداخل مكة، وأخذوا بسبل الناس ، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه من الإصغاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا إنه السحر : يفرق بين المرء وأبيه وأخيه، وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته .
وربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقاً ومبايعاً، عن يقين بأن هذه الكلمات ليست من قول البشر.
ففي حديث بيعة العقبة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ندب صاحبه مصعب بن عمير رضي الله عنه للذهاب مع أصحاب العقبة إلى يثرب، ليقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام . فنزل هناك على أسعد بن زراة الأنصاري الخزرجي . فخرج يوماً إلى حي بني عبد الأشهل رجاء في أن يسلم بعض القوم . فما سمع كبيرا الحي سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير بقدوم مصعب وأسعد ، ضاقا بهما وأنكرا موضعهما من الحي، قال سعد بن معاذ لصاحبه أسيد بن حضير : لا أبا لك ! انطلق إلى هذين الرجلين فأزجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا. فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث علمت، كفيتك ذلك ، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدماً . فالتقط أسيد بن حضير حربته ومضى إلى صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجرهما قائلاً: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بنفسيكما حاجة .فقال له مصعب بن عمير : أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره ؟ . فركَّز أسيد حربته واتكأ عليها يصغي إلى ما يتلو مصعب من القرآن وما هي إلا لحظات حتى أدرك أن ما يسمعه من كلام إنما هو كلام معجز لا يشبهه كلام أفصح الفصحاء فأعلن إسلامه من فوره، وعاد إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به ، وما زال أسيد بسعد بن معاذ حتى صحبه إلى ابن خالته أسعد بن زرارة، فبادره سعد سائلاً في غضب وإنكار: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني.أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ ولم يجب أبو أمامه، بل أشار إلى صاحبه مصعب الذي استهل سعد بن معاذ حتى يسمع منه، ثم تلا آيات نفذت إلى قلب ابن معاذ فمزقت عنه حجب الغفلة وغشاوة الضلال . وأعلن إسلامه وعاد إلى قومه فسألهم : يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟.فأجابوا جميعاً : سيدنا، وأفضلنا رأياً، وأيمننا نقيبة.فعرض عليهم الإسلام ، فما أمسى في حي بني عبد الأشهل رجل أو امرأة إلا مسلماً ومسلمة . (بتصرف من سيرة بن هشام).
وكذا قصة عتبة بن ربيعه ، وكان ذلك حين أسلم حمزة و أخذ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يزيدون، فقال عتبة ، وكان سيداً في قومه ، وهو جالس في نادي قريش، والرسول صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه و أعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟. قالوا: نعم يا أبا الوليد قم إليه فكلمه. فقام عتبة حتى جلس إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا ابن أخي إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت آلهتهم، و كفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع : أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع . قال عتبة: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، و إن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، و إن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أقد فرغت يا أبا الوليد" ؟ قال: نعم ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فُصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون}ومضى صلى الله عليه وسلم في قراءته و عتبة منصتاً إليه وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} انتفض عتبة من مكانه ، ووضع يده علي فم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: قومك يا محمد لا تدع عليهم . ثم قام عتبة إلى أصحابه، فلما رأوه مقبلاً قال بعضهم لبعض: والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فال: ورائي أني قد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط . والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وليكونن له نبأ عظيم . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي . خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر عليهم فملكه ملككم، وعزه عزكم، و كنتم أسعد الناس به . قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم .
يقول الجاحظ في رسالة له بعنوان حجج نبوية : " إن محمد صلى الله عليه وسلم مخصوص بعلامة، لها في العقل موقع كموقع فلق البحر في العين .. ذلك قوله لقريش خاصة وللعرب عامة مع من فيها من الشعراء والخطباء والبلغاء، والحكماء وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنظر في العامة : إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتكم في تكذيبي . ثم يقول : ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثير عددهم واختلاف عللهم وكلامهم، وهو سيد علمهم، وقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، حتى قالوا في الحيات، والعقارب والذئاب والكلاب، والخنافس، والحمير والحمام وكل ما دب على الأرض ولاح لعين، وخطر على قلب ولهم أصناف النظم، وضروب التأليف .. كالقصيد، والرجز، والمزدوج والمتجانس والاستماع والمنثور . وقد هجوه من كل جانب، وهاجا أصحابَه شعراؤهم، ونازعه خطباؤهم وحاجوه في الموقف وخاصموه في الموسم، وباروه العداوة وناصبوه الحرب، فقتل منهم وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقداً، وأبعدهم مطلباً، ثم لا يعارضه معارض، ولم يتكلف ذلك خطيب وشاعر . أ . هـ .
ولما كان القرآن الكريم يخاطب الإنسانية جميعاً، وبما أنه نزل للناس كافة في كل زمان إلى يوم الدين ، فإن الإعجاز فيه لا يقتصر على إعجاز البياني والبلاغي واللغوي فقط، بل ذخر بالإعجاز العلمي الحسي الذي يُعَدُّ من وسائل الإقناع العقلي والتحدي الفكري، والأمور المعجزة الخارقة لنواميس الطبيعة التي تتحدى الناس على اختلاف ألسنتهم. وكلما تقدمت البشرية وارتقت في العلم والمعرفة وقفت على أنواع جديدة من وجوه الإعجاز العلمي في القرآن، واستبصرت لمعارف جديدة لم يكن يدركها العلم الوضعي من قبل .
ف جاء إعجاز القرآن في شتى المجالات إعجازاً عجيباً ليدل على أن الخالق هو الله عز وجل، فكان الإعجاز الكوني والطبي والفلكي والنباتي والاقتصادي والاجتماعي وغيرها الكثير . قال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم }. وفي الأثر عن علي رضي الله عنه عندما وصف كتاب الله فقال عنه : فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم ،هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعت به حتى قالت { إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" . أورده الترمذي وضعفه بعض أهل العلم والبعض الآخر أوقفه عليه .
2 ـ بعد هذا التحدي بصدق القرآن وأنه منزل من عند الله ، ذكرت السورة لوحة بيانية رائعة توضح أن الله جل وعلا هو الذي خلق السماوات في ارتفاعها وإحكامها، والأرض في عجائبها وإبداعها، وما بينهما من المخلوقات في ستة أيام من أيام الدنيا {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } ولو شاء الله لخلقهما في لمح البصر، ولكن أراد أن يعلِّم عباده التأني في الأمور.
والإنسان عجول بطبعه ، قال تعالى {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمُ ءايَـاتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } ، وقال سبحانه { وَيَدْعُ ٱلإِنْسَاٰنُ بِٱلشَّرّ دُعَاءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَـانُ عَجُولاً } .والعجلة : فعل الشّيء قبل وقته اللّائق به . (التوقيف للمناوي 237).
ولذا ذمها القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } وقوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } ونهى تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن العجلة بالقرآن فقال { وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } وقال تعالى { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } .
ـ فالعجلة مذمومة لأنها ربما أدت العجلة بالإنسان إلى هلكته وسوء خاتمته . عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رجلاً من أعظم المسلمين غناءً عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" من أحبَّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ". فاتبعه رجلٌ من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جُرح فاستعجل الموت فجعل ذُبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه ، فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مُسرعـًا فقال : أشهد أنك رسول الله ، فقال : "وما ذاك" ؟ قال : قلتَ لفلانٍ من أحبَّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه ، وكان من أعظمِنَا غنَاءً عن المسلمين ، فعرفتُ أنه لا يموت على ذلك ، فلما جُرح استعجل الموت فقتل نفسه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك :"إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، وإنما الأعمال بالخواتيم ". رواه البخاري ومسلم .
وعن أنس رضي الله عنه قال : عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ فَصَارَ مِثل الفرخِ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هل كنتَ تدعوه بشيءٍ أو تسألُهُ إيَّاه"؟ ، قال : نعم ، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّلُه لي في الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سبحان الله لا تُطيقُهُ أو لا تستطيعه ، أفلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". وقال : فدعَا الله له فشفاه ". رواه مسلم .
لا تعجلنّ فربّما عجل الفتى فيما يضرّه
ولربّما كره الفتى أمرا عواقبه تسرّه
ـ ومن العجلة المذمومة : العجلة في الدعاء . عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لَمْ يُمجِّدِ الله ولم يُصَلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عجِلْتَ أيُّها المُصلي ". ثم علَّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يُصلي مجَّد الله وحمده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ادعُ تُجَبْ، وسَلْ تُعْطَ ". رواه النسائي واللفظ له ، وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول : دعوتُ فلم يُستجب لي ". رواه البخاري واللفظ له ، ورواه مسلم .
ـ ومن العجلة المذمومة : العجلة في نقل الأخبار وإشاعتها دون تثبت.والتثبت واجب . قال تعالى{يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق. وقد روي ذلك من طرق ، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ, فَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا, وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ, فَمَن اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ فَيُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ مَا جَمَعْتُ مِن الزَّكَاةِ, فَلَمَّا جَمَعَ الحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّن اسْتَجَابَ لَهُ وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِ احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِهِ, فَظَنَّ الحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِن الله عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ, فَدَعَا بِسَرَوَاتِ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِن الزَّكَاةِ, وَلَيْسَ مِن رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُلْفُ, وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِن سَخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِيَ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبَعَثَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِن الزَّكَاةِ, فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرِقَ فَرَجَعَ فَأَتَى رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي, فَضَرَبَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَعْثَ إِلَى الحَارِثِ, فَأَقْبَلَ الحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ إِذْ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ وَفَصَلَ مِن المَدِينَةِ, لَقِيَهُمْ الحَارِثُ فَقَالُوا: هَذَا الحَارِثُ فَلَمَّا غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَن بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ. قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي. فَلَمَّا دَخَلَ الحَارِثُ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي؛ وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةً مِن الله عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَنَزَلَت الحُجُرَاتُ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } إِلَى هَذَا المَكَانِ {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
فدلت الآية على وجوب التثبّت من الأخبار وعدم المسارعة إلى نقلها وإعادتها، ويؤيّد ذلك نصوص كثيرة منها قوله سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}، وروى البخاري ومسلم عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} قال: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قوْلِه{تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} تِلْكَ الْغُنَيْمَة.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع ". أخرجه مسلم .
ـ ومن العجلة المذمومة : التسرع في إصدار الأحكام على الأشخاص ؛ فلان فاسق، وفلان مجروح العدالة، فلان مبتدع ، فلان عدو لله ، ونحو ذلك مما قد يستعجل فيه البعض من غير ورع ولا تروٍ . عن أبي ذر، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" . رواه مسلم .
ـ ومن صور العجلة المذمومة : تسرع بعض الناس في الطلاق . والطلاق إذا تلفظ به الزوج وقع وإن لم يقصده . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله :" ثلاث جدُّهنَّ جدّ وهزلهنّ جدٌّ: الطلاق والنكاح والرجعة ". أخرجه أبو داود والترمذي .
ـ ومن العجلة المذمومة : سرعةُ الغضب والانفعال ، قال تعالى {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مراراً، قال: "لا تغضب ". رواه البخاري .
ـ من العجلة المذمومة : التهور في قيادة السيارة ، فبعضُ قائدي السيارات يتجاوز الحدَّ في قيادة السيارة حتى يؤدِّي بنفسه إلى الهلكة ويضرَّ الآخرين .
أما العجلة في أمور الآخرة فليست مذمومة ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" "التُّؤَدةُ في كل شيء إلا في عمل الآخرة ". رواه أبو داود وصححه الألباني .
وقد مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم أهل التأنّي، ففي صحيح مسلم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قالَ : قال نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ".قال ابن القيّم وهو يعدّد فوائد الحديث: وفيه مدح صفتي الحِلم والأناة، وأنّ الله يحبّهما، وضدّهما الطيش والعجلة، وهما خلقان مذمومان مفسدان للأخلاق والأعمال. (زاد المعاد في هدي خير العباد 3/529).
قال ابن حبان رحمه اللّه : لا يستحقّ أحد اسم الرّئاسة حتّى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل والعلم والمنطق، ثمّ يتعرّى عن ستّة أشياء:عن الحدّة، والعجلة، والحسد، والهوى، والكذب، وترك المشورة . (روضة العقلاء193 ) .
وقال مروان لابنه عبد العزيز- حين ولّاه مصر-: يا بنيّ مر حاجبك يخبرك من حضر بابك كلّ يوم فتكون أنت تأذن وتحجب، وآنس من دخل إليك بالحديث فينبسط إليك، ولا تعجل بالعقوبة إذا أشكل عليك الأمر، فإنّك على ترك العقوبة أقدر منك على ارتجاعها . ( الآداب الشرعية1/ 395 ) .
قال خالد بن برمك: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به كبير مكروه: العجلة، واللّجاجة، والعجب، والتّواني. فثمرة العجلة النّدامة، وثمرة اللّجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التّواني الذّلّ . (روضة العقلاء 289 ) .
3 ـ كم مدة اليوم ؟ هل هي ألف سنة ، أم خمسين ألف سنة ؟.
قال تعالى { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}. قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في دفع إيهام الاضطراب: قوله تعالى{وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } هذه الآية الكريمة تدل على أن مقدار اليوم عند الله ألف سنة ، وكذلك قوله تعالى { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}.
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك ، وهي قوله تعالى في سورة "سأل سائل" { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة} وللجمع بينهما وجهان :
الوجه الأول : هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض ، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعُرُوجه إليه تعالى . ويوم الخمسين ألفاً هو يوم القيامة .
الوجه الثاني : أن المراد بجميعها يوم القيامة وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر ؛ ويدل لهذا قوله تعالى{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } ذكر هذين الوجهين صاحب الإتقان . والعلم عند الله . أهـ .
والمقصود أن الله الذي يدبر أمر الخلائق جميعاً في العالم العلوي والسفلي لا يهمل شأن أحد، ينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض، وينزل ما دبره وقضاه، ثم يصعد الأمر كله إلى الله يوم القيامة فيفصل فيه في يوم عظيم هو يوم القيامة فهو المدبر لأمور الخلق والعالم بكل شيء، يعلم ما هو غائب عن المخلوقين، وما هو مشاهد لهم {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }.
ومع علمه وحسن تدبيره ، فإنه سبحانه أتقن وأحكم كل شيء أوجده وخلَقه، وبدأ خلق أبي البشر آدم من طين، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فمن عظيم قدرته سبحانه أنه جعل ذرية آدم يتناسلون من خلاصة ماء حقير ضعيف هو المني، ثم قوَّم أعضاء هذا المخلوق وعدَّل خلقته في رحم أمه، وينفخ بعد ذلك فيه الروح فإذا هو في أكمل صورة وأحسن تقويم، وخلَق له الحواس: السمع ليسمع به الأصوات، والبصر ليبصر به الأشياء والعقل ليدرك به الحق والهدى، ومع ذلك فقليلٌ شكر بني آدم لله عز وجل .
4 ـ وقفة مع اسم ملك الموت : قال تعالى { قبل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم}. البعض يقول أن اسمه عبدالرحمن والبعض يزعم أن اسمه عزرائيل ، وقالوا غير ذلك ، وكل هذا لم يثبت بدليل صحيح، بل المذكور في القرآن أنه ملك الموت؛ كما في الآية التي مرت معنا وهي قوله تعالى {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} وفي السنة الصحيحة "فيجلس ملك الموت عند رأسه".
5 ـ تتجافى جنوبهم : لما بيَّن حال السعداء الأتقياء، وما أعده لهم من النعيم المقيم في دار الجزاء؛ ذكر سبب سعادتهم ظاهر وهو قوله تعالى {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ، ومن أسباب سعادتهم أنهم { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} قال مجاهد والحسن: يعني قيام الليل.وقال ابن كثير في تفسيره يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة . وقال عبد الحق الأشبيلي:أي تنبو جنوبهم عن الفرش، فلا تستقر عليها، ولا تثبت فيها لخوف الوعيد، ورجاء الموعود.
وقد ذكر الله عز وجل المتهجدين فقال عنهم {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال الحسن: كابدوا الليل، ومدّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار.وقال تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} أي: هل يستوي من هذه صفته مع من نام ليله وضيّع نفسه، غير عالم بوعد ربه ولا بوعيده؟.
قال صلى الله عليه وسلم :" عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم،ومطردة للداء عن الجسد". رواه أحمد والترمذي .وقال صلى الله عليه وسلم :" في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها" ، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال :" لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام". رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني.وقال صلى الله عليه وسلم:"من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين". رواه أبو داود وصححه الألباني. والمقنطرون هم الذين لهم قنطار من الأجر.وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: { ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". متفق عليه.
6 ـ من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه : قال تعالى { فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } . إنما كان هذا النعيم لأنهم تركوا ما حرمه الله فعوضهم خيراً منه في الآخرة. ولا يقتصر الجزاء على الآخرة ، بل يجازيهم عليها أيضاً في الدنيا ، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه .
والعوض من الله لا حصر له ولا مثيل ، وأَجَلُّ ما يعوض الله به العبد أن يجعل أنسه به ويرزقه محبته وطمأنينة القلب بذكره ورضاه عن ربه تعالى مع ما يلقاه من جزاء الدنيا ، أما جزاء الآخرة فأكبر وأوفى. (الفوائد 159ـ 160 ، نقلاً عن التوبة وظيفة العمر 265 ـ 266 بتصرف يسير ).
فمن ترك المعاصي مخلصاً لله بذلك صابراً على مشقة المجاهدة استحالت المشقة لذة والمجاهدة برداً وسلاماً واستشعر روح القرب من الله .
من ذاق طعم نعيم القوم يدريه ومن دراه غدا بالروح يشريه
ومن ترك الشرك والسحر والذهاب للعرافين والكهنة ، عوضه الله بالتوحيد والصبر وصدق التوكل فلا يحمل هماً ولا يعرف غماً :
فاطرح الهـم مـا استطعت فحمـلانك الهمـوم جنـون
إن ربا كفاك ما كان بالأمس سيكفيـك فـي غدٍ ما يكون
ومن ترك مسألة المخلوقين ورجاءهم ، وعلق رجاءه بالله وحده لا شريك له ، عوضه الله خيراً مما ترك فرزقه حرية القلب وعزة النفس والاستغناء عن الخلق ، " ومن يستعفف يعفه الله " . متفق عليه .
ومن ترك الخوف من المخلوقين وأفرد الله وحده بالخوف وسلَّم له نفسه، سلِم من الأوهام وأمَّنه الله من كل شيء ، ولم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع لأنه سلَّم نفسه لربه وأودعها عنده وأحرزها في حرزه وجعلها تحت كنفه حيث لا تنالها يد عدو عاد ولا بغي عات ، ومن كانت هذه حاله فلا تسل عن لذته وانشراحه وقرة عينه.
ومن ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة . فأغبط الناس من عنده رزق يكفيه وبيت يؤويه وزوجة ترضيه وسلم من الدَّيْن الذي يثقل كاهله ويؤذيه، فليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى القلب ، قال صلى الله عليه وسلم : " من كان همه الآخرة جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وآتاه الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه طلب الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه أمره ولم يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له".
ومن ترك الكذب ولزم الصدق ، هداه الله إلى البر وكان عند الله صديقاً ورزق لسان صدق بين الناس ، فسوَّدوه وأكرموه وأصاخوا السمع لقوله .
ومن ترك المراء وإن كان محقاً ، ضُمِن له بيت في ربض الجنة وسلم من شر اللجاج والخصومة وصفى له قلبه وأمن من كشف عيوبه .
ومن ترك الغش في البيع والشراء والمعاملة ، نال رضا ربه وزادت ثقة الناس به وكثر إقبالهم عليه .
من ترك الربا والكسب الخبيث بارك الله له في رزقه وفتح له أبواب الخيرات .
ومن ترك النظر المحرم عوَّضه الله فراسة صادقة ونوراً وجلاءً ولذة يجد حلاوتها في قلبه وسلم من شر وتبعات إطلاق البصر .
من ترك البخل وآثر الكرم والسخاء ، أحبه الناس وقربه الله إليه وأدنى له الجنة ، وسلم من الهم والغم وضيق الصدر وترقى في مراتب الكمال ومدارج الفضيلة { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} .
من ترك الكبر ولزم التواضع ، كمل سؤدده وعلا قدره وتناهى فضله "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ".رواه مسلم.
وأحسن أخلاق الفتى وأتمها تواضعه للناس وهو رفيع
من ترك التدخين والمخدرات والمسكرات ، أعانه الله وأمده بألطاف من عنده وعوَّضه صحة وعافية وسعادة حقيقية لا تلك التي يتوهمها بالمخدرات والمسكرات .
ومن ترك العشق وأقبل على ربه بكليته ، رزق السلوَّ وعزة النفس والسلامة من اللوعة والأسى وذلة الأسر ومُلئ قلبه حرية ولُمَّ شعث قلبه وسُدَّت خلته .
ومن ترك الإساءة إلى الخلق واستبدل ذلك بالإحسان إليهم والسعي في قضاء حوائجهم وتفريج كروبهم مادياً أو معنوياً فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله مع المحسنين ويحب المحسنين والجزاء من جنس العمل فأحسن إلى الناس يحسن الله إليك وارحم الناس واعطف عليهم وتألم لمصائبهم يرحمك الله قال النبي صلى الله عليه وسلم :" الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " .
من ترك التسخط بالقضاء والقدر ورضي بكل ما قدره الله وقضاه ، عوضه الله اطمئناناً في النفس ورضىً بكل ما يصيبه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه قال تعالى { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم .
من ترك الانتقام والتشفي مع قدرته على ذلك ، عوضه الله انشراحاً في الصدر وفرحاً في القلب ، ففي الصفح والعفو من الطمأنينة والسكينة والحلاوة وشرف النفس وعزها ما ليس في الانتقام ، " وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً " . رواه مسلم .
من ترك صحبة السوء التي يظن أن بها منتهى أنسه وغاية سروره ، عوضه الله أصحاباً أبراراً يجد عندهم المتعة والفائدة وينال بصحبتهم خير الدنيا والآخرة {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}.
من ترك المماطلة بالدين يسر الله أمره وسدد عنه وكان في عونه . ومن ترك الغضب حفظ على نفسه عزتها وكرامتها ونأى بها عن ذل الاعتذار ومغبة الندم وخيره الله من الحور العين ما شاء على رؤوس الخلائق يوم القيامة ودخل في زمرة المحسنين {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين }.
من ترك الوقيعة في أعراض الناس والتعرض لعيوبهم ومغامزهم ، عوِّض بالسلامة من شرهم ورزق التبصر في عيوب نفسه .
المرء إن كان مؤمناً ورعاً أشغله عن عيوب الورى ورعه
كما السقيم العليل أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه
من ترك الحسد سلم من ضرره ، فالحسد داء عضال وسم قتال ومسلك شائن وخلق لئيم ، ومن لؤمه أنه يبدأ بصاحبه ثم الأدنى فالأدنى ، كما قال القائل :
لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله
من ترك قطيعة الأرحام فوصلهم وتودد إليهم وقابل إساءتهم إحساناً ، وصله الله وبسط له في رزقه ونسأ له في أثره ولا يزال معه من الله ظهير ما دام على تلك الصلة .
ومن تـرك عقوق الوالدين ، رضي الله عنه وأدخله الجنة وعوضه أبناءً بررة . وبالجملة فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه .
8 ـ الإمامة في الدين : قال تعالى {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فهؤلاء يدعون الخلق إلى طاعة الله، ويرشدونهم إلى الدين بأمر الله؛ بسبب صبرهم على تحمُّل المشاق في سبيل الله، وكانوا يصدقون بآيات الله أشدَّ التصديق. من هذه الآية استنبط بعض أهل العلم ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين . قال رحمه الله : فمن أعطي الصبر واليقين جعله الله إماما في الدين .
وقال في موضع آخر: ولهذا كان الصبر واليقين اللذان هما أصل التوكل يوجبان الإمامة في الدين .
ووصف أبا بكر الصديق رضي الله عنه بأن الله قد جمع له بين الصبر واليقين، و بهما استحق وصف الإمامة في الدين.
ووصف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بالإمامة في الدين معللاً ذلك بقوله : ولأنه اتصل إليه من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم والأئمة بعدهم أعظم ما اتصل إلى غيره، فصار له من الصبر واليقين الذين جعلهما الله سببا للإمامة في الدين، بقوله عز وجل { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُون َ} .
إن تطبيق هذه القاعدة يعصم من الفتن بإذن الله ، والفتن إما فتن شهوات فعلاجها بالصبر ، وإما فتن شبهات فعلاجها باليقين.
والعلاقة بين الصبر واليقين متينة . يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض تفسيره لقوله تعالى { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون َ} ، قال : فأمره بأن يصبر، ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم، فإنهم لعدم صبرهم خفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين الحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا، فمن قل يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف، فالمؤمن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل، ومن لا يقين له ولا صبر عنده ؛ خفيف طائش، يلعب به الأهواء والشهوات، كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان. (التبيان في أقسام القرآن 1/88) .

رابعاً : تأملات في سورة الإنسان :
أ ـ معلومات عن السورة :
ـ ترتيبها : هي السورة السادسة والسبعين في ترتيب المصحف الشريف.
ـ عدد آياتها :إحدى وثلاثين آية .
ـ سورة مدنية : كما قال الجمهور ، وقيل مكية.
ـ ما ورد في السنة عن هذه السورة : أخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} حتى ختمها، ثم قال: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء، وحقّ لها أن تئطّ ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَك وضع جبهته ساجداً، واللهِ! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذَّذتم بالنساء على الفراش، ولَخَرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل".


ب ـ تأملات في سورة الإنسان :
1 ـ قصة الخلق : بدأت السورة بقول تعالى { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}، أي: قد أتى، والمراد بالإنسان هنا آدم، وحين من الدهر قيل: أربعون سنة قبل أن يُنفَخ فيه الروح، وقيل: المعنى أن الإنسان كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يذكر، ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، المراد بالإنسان هنا: بني آدم، والنطفة: الماء الذي يقطر وهو المنيّ، والأمشاج: صفة النطفة، وهي الأخلاط، والمراد: نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما . وخَلَقَهُ لابتلائه، أي نبتليه بالخير والشر وبالتكاليف.
وقد مرت بنا في سورة السجدة مسألة أصل الانسان في قوله تعالى {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ } وهذا من المواضيع التي تكررت في السورتين ، وكما ذكرنا أنهما تقرآن يوم الجمعة ففيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة .
2 - لا إكراه في الدين : قال تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} أي: بيَّنَّا له طريق الهدى وطريق الضلال، فإما أن يكون شاكراً لله على نعمه أو كفوراً . وهنا تتجلى رحمة الله بعبده ، فمع أنّ الله تبارك وتعالى جعل الإنسانَ سميعًا بصيرًا وبالتالي قادرًا على التمييز بين الخير والشر والحقّ والباطل، إلا أنّه لم يتركْه هَمَلاً وإنّما هداه السبيل ووضّح له الطريق وأقام عليه الحُجّة بإرسال الرسل وإنزال الكتب. يبقى بعد ذلك للإنسان أن يختارَ لنفسه أن يكونَ إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا.
وفي هذه الآية رد على من يزعم أن الإسلام انتشر بالإكراه وإجبار الناس على الدخول فيه ، ويؤيد ذلك قوله تعالى في آية أخرى { لا إكراه في الدين } قال ابن جزي: المعنى أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه دون إكراه. ( بتصرف من التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي 89 – 90 ).
قال ابن عاشور: " وَنَفْيُ الْإِكْرَاهِ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ أَسْبَابِ الْإِكْرَاهِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى إتباع الْإِسْلَامِ قَسْرًا، وَجِيءَ بِنَفْيِ الْجِنْسِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ نَصًّا، و هِيَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى إِبْطَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ . (التحرير و التنوير لابن عاشور 3/26 ) .
لكن هذه الآية لا تعني أن للمرء مطلق الحرية في اختيار الكفر ، بل الواجب أن يختار دين الإسلام ، إذ لا يُقبَل من أحد دِين غير دِين الإسلام بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار . رواه مسلم.
فدِين الإسلام ناسخ لما قَبْله من الأديان ، لأنه خاتمة الأديان ، قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}.
ومما ينبغي أن يعلم أن قوله تعالى {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لا يعني جواز اعتناق دين آخر لقوله تعالى في بقية هذه الآية {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.ولقوله تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ليس هذا على سبيل التخيير ، فإن الله قال في تتمة الآية {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}.
3 – الوفاء بالنذر من صفات المتقين : قال تعالى {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} ، أي: يوفون بالنذر في الدنيا، ويخافون يوم القيامة الذي يفشو شره وينتشر. وقد قسم العلماء النذور إلى سبعة أقسام . قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن النذر سبعة أقسام :
أحدها: نذر اللجاج والغضب وهو الذي يخرجه مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه غير قاصد به للنذر ولا القربة فهذا حكمه حكم اليمين .
القسم الثاني: نذر طاعة وتبرر، وهذا القسم ثلاثة أنواع: أحدها: التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها؛ كقوله: إن شفاني الله فلله علي صوم شهر، فتكون الطاعة المتلزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع كالصوم والصلاة والصدقة والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم. النوع الثاني: التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداء: لله علي صوم شهر فيلزمه الوفاء به في قول أكثر أهل العلم، النوع الثالث: نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كالاعتكاف وعيادة المريض فيلزم الوفاء به.
القسم الثالث: النذر المبهم، وهو أن يقول لله علي نذر، فهذا تجب به الكفارة في قول أكثر أهل العلم، وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة وبه قال الحسن والقاسم وسالم والشعبي ومالك والثوري ومحمد بن الحسن.
القسم الرابع: نذر المعصية، فلا يحل الوفاء به إجماعاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ولأن معصية الله لا تحل ويجب على الناذر كفارة يمين، روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة عليه، فإنه قال في من نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة لا كفارة عليه، وهذا في معناه وروي هذا (أي أنه لا كفارة في نذر المعصية) عن مسروق والشعبي وهو مذهب مالك والشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد. رواه مسلم.
القسم الخامس: المباح كلبس الثوب وركوب الدابة وطلاق المرأة على وجه مباح فهذا يخير الناذر فيه بين فعله فيبر بذلك، وإن شاء تركه وعليه كفارة يمين.. وقال مالك والشافعي: لا ينعقد نذره لقوله صلى الله عليه وسلم: لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى.
القسم السادس: نذر الواجب، كالصلاة المكتوبة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره وهو قول أصحاب الشافعي، لأن النذر التزام ولا يصح التزام ما هو لازم.
القسم السابع: نذر المستحيل كصوم أمس، فهذا لا ينعقد ولا يوجب شيئاً، ولا يتصور انعقاده ولا الوفاء به، فلو حلف على فعله لم تلزمه كفارة فالنذر أولى. انتهى من المغني بتصرف
4 – إطعام الطعام : قال تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} أي: يطعمون هؤلاء الأصناف الثلاثة الطعام، على حُبِّه لديهم، وقِلَّتِه عندهم{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، قال المفسرون: لم يتكلموا بهذا، ولكن علمه الله في قلوبهم فأثنى عليهم، وعلم من ثنائه أنهم فعلوا ذلك خوفا من الله، ورجاء ثوابه، وهم لا يريدون منهم المجازاة على هذا الإطعام، ولا يريدون الشكر، بل هو خالص لوجه الله، أي: لا يريدون الثواب والجزاء إلا من الله سبحانه.
عن جرير بن عبد الله البجلي صلى الله عليه وسلم قال فيه: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَوْ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً}، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ}، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة ". رواه مسلم
كان إطعام الطعام معروفاً في الجاهلية ، فجاء الإسلام بالحث عليه :ففي مسند الإمام أحمد، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيَفْعَلُ كَذَا؟ قَالَ: "إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ". يعني الذكر.
وعند مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ فقَالَ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ".


من فضائل إطعام الطعام:
ـ إطعام الطعام خير الأعمال عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال :" تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".رواه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم:"أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جوعا، أو تقضي عنه دينا ". رواه الطبراني .
ـ خير الناس من يقوم بهذا الأمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خياركم من أطعم الطعام".رواه ابن حبان .
ـ بإطعام الطعام تكون النجاة من أهوال القيامة ، قال تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورً} عبوساً: تعبِس فيه الوجوه. وقمطريراً: شديداً.
ـ إطعام الطعام سبب للنجاة من النار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". رواه البخاري ومسلم .
ـ إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة:عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام". رواه الترمذي .


ماذا نطعم؟.
كل ما يؤكل وينتفع به، ومن إطعام الطعام سقي الماء، فالماء طعام لقول الله تعالى {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}.قال البيهقي حكاية عن الحاكم أبي عبد الله رحمه الله أنه قرح وجهه، وعالجه بأنواع المعالجة فلم يذهب، وبقي فيه قريباً من سنة، فسأل الأستاذ الإمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، فدعا له، وأكثر الناس التأمين، فلما كان يوم الجمعة الأخرى ألقت امرأة في المجلس رقعة، بأنها عادت إلى بيتها واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد الله يوزع الماء على المسلمين، فجئت بالرقعة إلى الحاكم، فأمر بسقاية بنيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها أمر بصب الماء فيها، وأخذ الناس في الشرب، فما مر عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء وزالت تلك القروح وعاد وجهه إلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين".
ـ ورد الترهيب من عدم الحض على إطعام الطعام، أو منعه:فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل، يقول الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ..." رواه البخاري ومسلم .
فعدم التواصي بذلك من صفات الكافرين.قال تعالى في صفات من أوتي كتابه بشماله {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} ، وقال :{ كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} .


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved