الثلاثاء 3 صفر 1436 / 25 نوفمبر 2014    
في


قيمة الاحترام في الاسلام


05-06-1432 02:08
الاحترام قيمة إنسانية عامة أولتها البشرية عناية واهتماماً ، لكن الإسلام أعطاها مكانة كبيرة جعلتها تمتد لتشمل كثيراً من العلاقات التي تربط بالمسلم بغيره ، بل امتدت لتشمل المجتمع والعلاقات الاجتماعية.
وإذا كان المسلم مأموراً باحترام المسلم ، فإنه مأمور أيضاً باحترام غير المسلم ، و لنا في المصطفى صلى الله عليه و سلم خير قدوة حين كتب إلى هرقل قائلاً بعد بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ... فلم يشتمه و لم يدعه بما يسيء إليه بل أنزله المكانة التي هو فيها .
أصدرت منظمة اليونسكو مجموعة من القيم رأتها أنها من المشترك بين الإنسانية كلها ‏، وسمتها بالقيم النشيطة‏ ، وأوصت بأن تتضمنها كل مناهج التعليم في العالم. وجاءت قيمة الاحترام أول هذه القيم قيمة الاحترام .
والإسلام كما ذكرنا آنفاً أولى هذه القيمة أهمية كبيرة ، وربطها بتصرفات وسلوك يضمن تحقيقها ديانة وعبودية لله تعالى وليس مجرد قيمة أخلاقية مجردة لا يثاب الانسان عليها .
وقد تعددت صور الاحترام في الإسلام لتشمل : احترام الذات ، واحترام الوالدين ، واحترام المرأة ، واحترام المجتمع وقيمه ، واحترام العلماء ، واحترام الأمراء ، واحترام غير المسلمين بحفظ كراماتهم وآدميتهم .
* ـــ أولاً ، احترام الذات :
احترام الذات هو الصورة الذهنية الجميلة التي يرسمها المرء عن نفسه ، وهذه الصورة تتكون من خلال خبراته وتتأثر بقوة بالرسائل التي نتلقاها من الآخرين ، ولا شك أن الطريقة التي ينظر بها الإنسان لنفسه تؤثر في كل نواحي حياته . وإن عدم احترام المرء لذاته يجعل منه عدواً لنفسه .

من سبل تحقيق احترام الذات :
أ ـ تقوى الله تعالى . قال تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. عن ابن عباس قال : لا أرى أحدا يعمل بهذه الآية {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فيقول الرجل للرجل : أنا أكرم منك فليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله . البخاري في الأدب المفرد ، وقال الشيخ الألباني : صحيح
وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال قيل يا رسول الله من أكرم الناس ؟، قال :" أتقاهم ". رواه البخاري .
وقال تعالى{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .والحياة الطيبة تحقق للإنسان ما يحتاجه من احترام الذات . قال أبو سليمان الداراني رحمه الله : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح آخرته أصلح الله دنياه ، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس . وقد صدق رحمه الله ، فمن جمعت فيه تلك الخصال الثلاث جمع الله له سعادة الدنيا والآخرة .
وقال تعالى { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } . قال القرطبي رحمه الله أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه (تفسير القرطبي 12 /24 ) . وهذا من شؤم المعاصي .
فللمعاصي عقوبات تتعدى إلى الدين والدنيا والقلب والبدن ، ومن عقوباتها : أنها تجعل المرء يفقد احترامه لنفسه ورضاه عنها ، بل تجرئ السفهاء عليه ، كما أنها تورث سواداً في الوجه وظلمة في القلب وتجلب له الضيق والهم والغم والحزن والألم والانحصار ، وشدة القلق والاضطراب .( المعاصي لعبد الحميد تركستاني 3 بتصرف كبير).
قال ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
و ترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
ب ـ ومن سبل تحقيق احترام الذات : البعد عن مواطن الريب والشبهات . فقد جاءت الشريعة صريحة في الحث على ترك الشبه ومواطن الريب والتهم ، وفي هذا دليل واضح يبين حرص الشريعة على حفظ كرامة الناس .
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الحلال بيَّن والحرام بيَّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".رواه البخاري .
فهذا الحديث فيه حث على أن يستبرأ الإنسان لدينه وعرضه بترك الشبه ، ومن الشبه ورود الإنسان مواطن الريب .قال الخطابي : هذا الحديث أصل في الورع وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبه والريب . (بذل المجهود في حل أبي داود 14 292) .
وللشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله في شرحه لهذا الحديث كلاماً نفيساً حيث قال: إن الحديث بعد ذكر الحلال والحرام انتقل من الأحكام والمسائل إلى الحوادث والوقائع ، وذكر ضابطة عرفية ، ولذا تعرض إلى استبراء العرض ، فاندفع ما كان يخطر بالبال أنه لا دخل لذكر العرض من باب الحلال والحرام فمعناه أن الرجل إذا اتقى الشبهات ومواضع التهم فقد أحرز دينه عن الضياع وعرضه عن القدح فيه ، وهو مراد قول علي رضي الله عنه : إياك وما يسبق إلى الأذهان إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره فليس كل سامع نكرا يطيق أن تسمعه عذرا ، فإنه ليس واردا في المسائل فقط بل أعم منها.(فيض الباري على صحيح البخاري (1 153) .
ومن الأحاديث الدالة على أن الإنسان ينبغي له أن يحافظ على احترامه لنفسه واحترام الناس له بالابتعاد عن مواطن الريب ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله :" أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الغوابر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت تنقلب ، فقام معها النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نفذا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم :" على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيي "، قالا : سبحان الله يا رسول الله ، وكبر عليهما ما قال، قال : "إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ". أخرجه البخاري.
فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى التهمة عن نفسه باجتناب مواطن الريب ، ونبه على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : "على رسلكما إنها صفية ".
ج ـ ومن سبل تحقيق احترام الذات : عدم التطاول على الآخرين ، فمن تطاول على الناس تطاولوا عليه ، ومن نال منهم نالوا منهم ، والعكس بالعكس ، وهذه قاعدة قررها أهل العلم استنباطاً من قوله تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } . قال النووي في شرح مسلم : قال العلماء : فالله نهى عن سب آلهة الكفار وهو أمر مباح ومندوب إليه شرعاً لما فيه من إغاظة الكافرين وإغاظتهم قربة لله جل جلاله ، ومع ذلك نهى الله عن ذلك السب وجعله محرماً لكونه يفضي إلى سب الله جل جلاله ، ومن هذا قالوا أن سد الذريعة في هذا واضح . (شرح الترمذي للشنقيطي 12 /17 )
وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله من لعن والديه : قالوا يا رسول الله ويلعن الرجل والديه ، قال : يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ، فيسب أمه " .
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يسب أبا الرجل لأنه إذا سبه أفضى إلى سب الثاني لأبي الأول فكأنه تذرع بهذا الأمر للمحذور.(المصدر السابق ) .
د ـ ومن سبل تحقيق احترام الذات : عدم سؤال المخلوقين : ومن ترك مسألة المخلوقين ورجاءهم ، وعلق رجاءه بالله وحده لا شريك له ، عوضه الله خيراً مما ترك فرزقه حرية القلب وعزة النفس والاستغناء عن الخلق ، " ومن يستعفف يعفه الله " . متفق عليه .
ومثله من ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة . فليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى القلب ، قال صلى الله عليه وسلم : " من كان همه الآخرة جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وآتاه الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه طلب الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه أمره ولم يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له " .
هـ ـ ومن سبل احترام الذات : الاهتمام بالنظافة الشخصية ، كحسن الملبس وجمال الهندام قدر الاستطاعة. عن الأحوص الجشمي قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلي أطمارٌ ـ أي ثياب بالية ـ فقال: "هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال: "ومن أي المال"؟ قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال: "فلتر نعمته وكرامته عليك؛ فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده ". وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة؛ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ".
قال ابن الجوزي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظف الناس وأطيب الناس، وكان لا يفارقه السواك، ويكره أن يشم منه ريح ليست طيبة. فهو عليه الصلاة والسلام كامل في العلم والعمل فبه يكون الاقتداء وهو الحجة على الخلق .
و ـ ومن سبل تحقيق احترام الذات : أن يستمع الانسان أكثر مما يتكلم، فكلما كثر الكلام ازدادت فرص الوقوع في الخطأ ، ما يؤدي إلى زعزعة احترامه لنفسه واحترام الآخرين له .
ز ـ ومن السبل : لا يقلل المرء من منجزاته، فعندما يقول : كنتُ محظوظاً لأني فعلت كذا ، فإن هذا القول وأمثاله يفقده بعضاً من ثقته بنفسه ، فلا يقلل أحد من شأن نفسه ، لأنه سيفقد احترام الآخرين له أيضاً .
* ـ ثانيا ً ، ومن قيم الاحترام الهامة : احترام الوالدين ولا يكون ذلك إلا ببرهما وتوقيرهما .
قال تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا }.فقد قرن سبحانه عبادته وتوحيده بالإحسان إلى الوالدين ولين الجانب وخفض الجناح لهما .كان محمد بن المنكدر يضع خده على التراب ويقول: يا أماه ضعي رجلك على خدي.
بل وصى الله تعالى بهما في وصية خالدة إلى يوم القيامة نزل بها سيد الملائكة على سيد البشر والأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، فقال {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } ، وقال {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاثة، لا يقبل الله واحدة بدون قرينتها، أما الأولى فهي قوله تعالى:{ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } فمن أطاع الله ولم يطع الرسول فلن يقبل منه، وأما الثانية فهي قول الله {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ }، فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة لن يقبل منه، أما الثالثة فهي قول الله تعالى {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } ، فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه فلن يقبل منه.
وشكر الوالدين يكون ببرهما والإحسان إليهما ، وهذا من مقامات النبوة ومن أخلاق الأنبياء، فهذا نبي الله نوح يقول {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } . وهذا نبي الله إبراهيم ، يتحبّب إلى والده بأحب كلمة له كلمة : يا أبتِ ، مع أن أباه كافر يصنع الأصنام ويبيعها ، ومع ذلك ناداه نداء رقيقاً رقراقاً يلين القلوب القاسية ، فقال {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا *يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا }
إن البر من أعظم الطاعات وأجلّ الأعمال . ففي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم : أيّ العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: "بر الوالدين "، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
وفي صحيح البخاري عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم : "فهل لك من والديك أحد حيّ؟ ". قال: نعم، بل كلاهما، فقال صلى الله عليه وسلم : "فتبتغي الأجر من الله تعالى؟"، قال: نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما".
الوالدان من أبواب الجنّة ، كما قال أحد الصالحين عندما ماتت أمه فبكى بكاء مريرا، فلما سألوه: لِمَ تبكي هكذا؟ قال: كيف لا أبكي وقد كان لي بابان إلى الجنة، واليوم أغلق أحدهما؟!
وبرهما سبب في دخول الجنة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة ".
وفي الحديث الذي رواه البيهقي ورواه ابن ماجة وحسنه الألباني أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو ـ أي في سبيل الله ـ وقد جئت أستشيرك، فقال: "هل لك أم؟" قال: نعم، قال: "فالزمها، فإن الجنة عند رجلها".
* ـ ثالثاً ، ومن قيم الاحترام الهامة : احترام المرأة : فقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وبعض الأمم تنكر إنسانية المرأة ، وآخرون يرتابون بها ، وغيرهم يعترف بإنسانيتها ، لكنه يعتبرها مخلوقاً خلق لخدمة الرجل، وكان العرب في جاهليتهم يئدونها حية ، وكانوا يرون أنها سلعة تباع وتشترى لا قيمة لها ولا مقام ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" والله إنا كنا في جاهلية ما نعير للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم ".
جاء الإسلام فكرَّمها، وأكَّد وجوب احترامها ، وجعل لها ما للرجل وعليها ما عليه ، لأنهما فرعان من شجرة واحدة ، متساويان في أصل النشأة ، وفي الخصائص الإنسانية العامة، وقال صلى الله عليه وسلم :" إنما النساء شقائق الرجال ". رواه أحمد وأبو داوود.
فلا تفضيل لذكر على أنثى وإنما يكون التفضيل الحقيقي بينهما إنما بالتقوى فقط { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
فهما متساويان في التكاليف والمسؤولية وفي الجزاء والمصير ، ولا قوام للإنسانية إلا بهما .قال تعالى {ولهن مثل الذي عليهن}.فكما أن الواجب عليها أن تحترم الرجل ، فإن الرجل مأمور أن يحترم المرأة . عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء.رواه البخاري .
هذا الاحترام من حقوقها سواءً كانت أماً أو زوجة أو أختاً أو ابنة .
أ ـ فإن كانت أماً ، كان لها من البر ثلاث أضعاف ما للأب . عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك. رواه الشيخان .
ب ـ وإن كانت زوجة ، كان احترامها علامة على الخيرية . عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". رواه الترمذي وصححه الألباني .
ج ـ وإن كانت أختاً أو بنتاً ، فإن الإحسان إليها من أسباب دخول الجنة . عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا كن له سترا من النار ". رواه البيهقي وصححه الألباني .
فهذه النصوص - وغيرها كثير - تؤكد وجوب احترام المرأة واحترام إنسانيتها وبشريتها وإعطائها حقوقها ، ووجوب العناية بها وتربيتها على الحشمة والستر والعفاف والإنفاق عليها .
لكن شرط ذلك كله : أن يكون وفق ما شرع الله عز وجل ، أما ما خالف الشرع فهو من إهانة المرأة وعدم احترامها ، والصور المؤلمة كثيرة جداً .

*ـ رابعاً ، من قيم الاحترام الهامة : احترام المجتمع ، وله صور عديدة ، منها :
أ ـ احترام الصغير. عن سهل بن سعد الساعدي ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام :" أتأذن لي أن أعطي هؤلاء " ؟ ، فقال الغلام : لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً ، قال : فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. رواه البخاري ومسلم .
ورواية الترمذي أن الغلام هو ابن عباس . فعنه رضي الله عنه قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء فيه لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا على يمينه وخالد على شماله فقال لي :" الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالداً " ، فقلت : ما كنت أوتر على سؤرك أحداً ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" من أطعمه الله الطعام فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " ، وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن". وحسنه الألباني.
ومن صور احترام الصغير : القيام له . روى البخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت:ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في قيامها وقعودها ـ من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها وقبلته وأجلسته في مجلسها.
وهذا هدي نبوي في احترام الأطفال ، والحرص على مشاعرهم .
ومن المؤكد أن احترام وتقدير الصغير سيشعره بالمزيد من الكرامة والثقة بالنفس وسيبني في ذهنه معاني الرجولة ويبعده عن الخوض في الرذائل، فإن من هانت عليه نفسه هان عليه الوقوع في المعاصي وارتكاب الأخطاء و من رأى لها قدرا و مكانة و احتراما نأى بها عن مواطن الزلل .
ب ـ احترام الكبير : وكما أُمرنا باحترام الصغير فإننا أُمرنا باحترام الكبير أيضاً . عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال ‏:‏ قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏ :‏ ليس منا من لم يرحم صغيرنا‏،‏ ويعرف شرف كبيرنا‏ ، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي .
أي انه ليس من أخلاقنا أن لا نعطي الكبير حقه من الاحترام والتقدير مهما بدر منه .
فمن احترام الكبير: تقديمه على الصغير. قال أبو مسعود البدري رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح منا كبنا في الصلاة ويقول " استووا ولا تختلفوا . فتختلف قلوبكم . ليلني منكم أولو الأحلام والنهى (الرجال البالغون ) . ثم الذين يلونهم . ثم الذين يلونهم"، قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا . رواه مسلم.
ومن احترام الكبير الحياء منه : عن أبي سعيد رضي الله عنه قال "لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسن مني" . رواه الشيخان .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال أخبروني بشجرة مَثَلَها مثل المسلم ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ولا تحتُّ ورقها . فوقع في نفسي أنها النخلة ، فكرهت أن أتكلم ، وثَمَّ أبو بكر وعمر ، فلما لم يتكلما ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة. فلما خرجت مع أبي قلت : يا أبتاه ، وقع في نفسي أنها النخلة ، قال : ما منعك أن تقولها ، لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا ، قال : ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت . رواه البخاري .
ج ـ ومن صور احترام المجتمع : احترام المجلس : ففي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه‏.‏
د ـ ومن صور احترام المجتمع : عدم إيذاء شعور الآخرين . عن أنس رضي الله عنه قال ‏:‏ بلغ صفية بنت حيي أم المؤمنين أن حفصة أم المؤمنين أيضا قالت عنها ‏:‏ بنت يهودي ‏،‏ فبكت صفية‏ ،‏ فدخل عليها النبي صلي الله عليه وآله وسلم وهي تبكي ‏،‏ فقال‏:‏ ما يبكيك؟‏، قالت‏:‏ قالت لي حفصة إني بنت يهودي ‏، فقال النبي صلي الله عليه وآله وسلم‏:‏ إنك لابنة نبي ، وإن عمك لنبي ‏، وإنك لتحت نبي‏ ، ففيم تفخر عليك ؟‏!، اتقي الله يا حفصة‏ . ‏ أخرجه أحمد والترمذي‏.‏
هـ ـ ومن احترام المجتمع : عدم الغيبة . قال تعالى { ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } وقال صلى الله عليه وسلم :" أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله اعلم . قال ذكرك أخاك بما يكره . قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال صلى الله عليه وسلم:" إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن كان فيه ما تقول فقد بهته ". رواه مسلم . وعن جابر رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أتدرون ما هذه الريح ؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين". رواه أحمد وهو صحيح . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم :حسبك من صفية أنها كذا وكذا ـ تعني أنها قصيرة ـ فقال صلى الله عليه وسلم :" لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ". رواه أبو داوود والترمذي.ومعنى مزجته أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها.
قال النووي رحمه الله تعالى : ( وهذا الحديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة ، قال تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.
الغيبة محرمة لأجل حفظ عرض المؤمن قال صلى الله عليه وسلم :" كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ". رواه أبو داوود . وزاد تعالى ذلك تأكيداً بتشبيهه عرض المؤمن بلحمه ودمه مع المبالغة في ذلك أيضاً بالتعبير عنه بالأخ ، قال تعالى { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه } . ووجه التشبيه أن الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه كما يتألم بدنه من قطع لحمه بل أشد من ذلك لأن عرض العاقل أشرف عنده من لحمه ودمه. ( الزواجر للهيتمي 2 / 8).
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : ( إعلم أن الغيبة أن تذكر أخاك المسلم بما يكره لو بلغه ، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أوفي قوله أو في دينه أو في دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته . قال : أما البدن فكذكر العمش والحول والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان. وأما النسب : فبأن يقال أبوه نبطي أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال أو شيء مما يكرهه كيف كان . وأما الخلق : فبأن يقال : هو سيء الخلق أو بخيل أو متكبر وما يجري مجرى هذا الكلام. وأما الأفعال المتعلقة بالدين : فكأن يقال هو سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة وما جرى مجرى هذا الكلام . وأما أفعاله المتعلقة بالدنيا : فكقول بعضهم إنه قليل الأدب ، متهاون بالناس ، لا يرى لأحد على نفسه حقاً أو كثير الكلام أو نؤوم أو يجلس في غير موضعه . وأما في ثوبه : فكأن يقال: هو وسخ الثياب طويل الذيل وما أشبه هذا الكلام )أهـ .( مختصراً من إحياء علوم الدين ) وقال الحسن رحمه الله : ( ذِكْرُ الغير ثلاثة : الغيبة ، البهتان والإفك ، وكلٌ في كتاب الله تعالى . فالغيبة : أن تقول ما فيه ، والبهتان : أن تقول ما ليس فيه ، والإفك : أن تقول ما بلغك. وقال : إن الغيبة لا تقتصر على اللسان فالتعريض كالتصريح والفعل كالقول والإشارة والإيماء والغمز واللمز والكتابة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام ). وقال النووي رحمه الله في معرض حديثه عن الغيبة : ( وكذا سائر ما يتوصل به إلى المقصود كأن يمشي مشيته فهو غيبة بل هو أعظم من الغيبة لأنه أبلغ في التصوير والتبليغ وأنكى للقلب).
و ـ ومن صور احترام المجتمع : البعد عن النميمة : والنميمة هي نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الشر والإفساد . وضابطها : كشف ما يُكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه ، وسواء كان المنقول قولاً أو فعلاً . قال الراغب : همز الإنسان اغتيابه ، والنم : إظهار الحديث بالوشاية وأصل النميمة الهمس والحركة .
والنميمة محرمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، فهي من كبائر الذنوب . قال الله تعالى {ولا تطع كل حلاف مهين ، همّاز مشّاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم } أي يمشي بين الناس بما يفسد قلوبهم ويقطع صلاتهم ويذهب بمودتهم فهذا خُلُقٌ ذميم مهين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا نمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا على قبرين فقام فقمنا معه ، فجعل لونه يتغير حتى رعد كم قميصه ، فقلنا : مالك يا رسول الله ؟ فقال :" أما تسمعون ما اسمع ؟ " فقلنا وما ذاك يا نبي الله ؟ قال : هذان رجلان يعذبان في قبورهما عذاباً شديداً من ذنب هيِّن " قلنا : فيما ذاك ؟ قال : كان أحدهما لا يستنزه من البول ، وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة ، فدعا بجريدتين من جرائد النخل فجعل في كل قبر واحدة ، قلنا : وهل ينفعهم ذلك ؟ قال :" نعم ، يخفف عنهما ما دامتا رطبتين ". متفق عليه . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم :" في ذنب هيِّن " : أي هين عندهما وفي ظنهما.
والحكمة من تحريم النميمة : ما تجره من عداوة وبغضاء بين الناس بل قد يصل الأمر إلى إزهاق الأنفس والأرواح .
أورد ابن حجر الهيتمي في الزواجر قصة عبدٍ نودِيَ عليه بالبيع ليس به عيب إلا أنه نَّمام ، فاشتراه من استخف بهذا العيب ، فلم يمكث عنده أياماً حتى نَّم لزوجته أن سيده يريد التزوج أو التسري ، وأمرها أن تأخذ الموسى وتحلق بها شعرات ليسحره لها فيهن ، فصدَّقته وعزمت على ذلك ، فجاء لسيده ونمَّ له عنها أنها اتخذت لها خليلاً وأحبته وتريد ذبحك ، فتناومْ لترى ذلك ، فصدقه وتناومَ ، فجاءت لتحلق فقال صدق الغلام فلما هوت إليه أخذ الموسى منها وذبحها به فجاء أهلها فرأوها مقتولة فقتلوه ، فوقع القتال بين الفريقين بشؤم تلك المعصية.

ز ـ ومن قيم الاحترام الهامة : احترام أمن المجتمع وعدم الاخلال به .
قال الله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} .وقال تعالى{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}. وقال تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .
عن عبيد الله بن مُحصِنٍ الخطمي - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا" . رواه الترمذي . قال العلاَّمة المباركفوري : ( المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو في بيتٍ تحت الأرض، ضَيِّق كجحر الوحش، أو التشبيه به في خفائه وعدم ضياعه ) .
ولأهمية الأمن في المجتمع أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بجملة توجيهات تبعث الأمن والاطمئنان ، وتنهى عن كُلِّ فعلٍ يبث الخوف والرعب ، حتى ولو كان أقل الخوف وأهونه، باعتبار الأمن نعمة من أجَلِّ النعم على الإنسان . منها :
ـ بيان حُرمة المسلم وعِصمة دمه ، والنصوص كثيرة ومعروفة كقوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } . وقال صلى الله عليه وسلم :" اجتنبوا السبع الموبقات" ، قالوا يا رسول الله : وما هم ؟. قال :" الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ". رواه البخاري ومسلم .
من قتل نفس بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً قال تعالى { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}. بل إن زوال الدنيا عند الله أهون من قتل المسلم كما قال صلى الله عليه وسلم :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ". رواه النسائي وابن ماجة .
قال ابن العربي رحمه الله ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق وثبت الوعيد بذلك فكيف بقتل الآدمي بل كيف بقتل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله جاء في رواية البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم النار". رواه الأصبهاني وصححه الألباني .
ولعظم هذا الذنب فإن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم :" أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". متفق عليه.
، وحفاظاً على امن المجتمع نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إشهار السلاح . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنَّه لا يدري أحدكم لعلَّ الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار"
وفي صحيح البخاري أن النبي قال: "إذا مرَّ أحدُكم في مسجدِنا أو في سوقنا ومعه نبلٌ فليمسِك على نِصالها ـ أو قال: ـ فليقبِض بكفِّه أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيء". وفي الصحيحين أنَّ النبي قال: "من حَمَل السلاحَ علينا فليس منا " .
ـ ومنها النهي عن ترويع المسلم . عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلماً" .
ـ ومنها : الدعاء بالأمن . كان من دعائه صلى الله عليه وسلم السَّتر وطلب الأمن وعدم الذعر . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: "اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي" . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال :" اللهم أهله علينا بالمن والإيمان والسلامة والاسلام والتوفيق لما تحب وترضى ، ربنا وربك الله ".
إن المتأمِّلُ في الكتاب والسنة يجد أنَّ ثمة عوامل كثيرة قد كفلت الأمن في المجتمع ، إذا ما راعاها الناس واحترموها والتزموا بها ، كالتوحيد ونشر السنة والتحاكم إلى الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة إيتاء الزكاة ، والتحلِّي بالأخلاق الفاضلة ، وعدم إيذاء الناس بقول أو فعل وعدم امتهانهم أو التعدِّي عليهم.
فمتى اختل الأمن في المجتمع كان السبب عدم مراعاة أسبابه ولوازمه وكان لزاماً على كل واحد أن يفتش في نفسه ويسألها : هل احترمت امن المجتمع وهل راعت سبل تحقيق هذا الأمن ، ثم يصحح الخطأ ويرفع الخلل .
ح ـ ومن احترام أمن المجتمع : مراعاة آداب قضاء الحاجة لئلا يتلوث بها ماء، أو يتنجس بها طريق أو مستظل، ولذا ورد النهي عن "البول في الماء الدائم ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل".
ت ـ ومن حفظ امن المجتمع عدم الجلوس في الطرقات .قال صلى الله عليه وسلم : " إياكم والجلوس في الطرقات قالوا : يا رسول الله ، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها . قال : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا : وما حقه ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ".
قال النووي : هذا الحديث كثير الفوائد ، وهو من الأحاديث الجامعة، وأحكامه ظاهرة، وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث، ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة ، وظن السوء ، وإحقار بعض المارين ، وتضييق الطريق ، وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارون ، أو يخافون منهم ، ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك لكونهم لا يجدون طريقا إلا ذلك الموضع .(شرح مسلم 7/235)


* ـ خامساً ، ومن قيم الاحترام الهامة في الاسلام : احترام العلماء .
لأن الله رفع قدرهم ، ومن رفع الله قدره وجب احترامه ، قال تعالى { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} . قال أبو الأسود رحمه الله : ليس شيء أعز من العلم وذلك أن الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك .
ولأن الله أمر بِردَّ كل أمر معضل إليهم فقال { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ، وقال { ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فهم أحد صنفي ولاة الأمر.
ولأن الله نفى التسوية بينهم وبين غيرهم بقوله {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .
ولأن العلماء في الأمة نجوماً يهتدي بها الناس ، وشواطئ نجاة ومستقر أمان. وصفهم الإمام الآجري رحمه الله بقوله : ما ظنكم بطريق فيه آفات كثيرة ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء ، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا ، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم ، فسلكوه على السلامة والعافية ، ثم جاءت طبقات من الناس ، لابد لهم من السلوك فيه فسلكوه ، فبينما هم كذلك إذ طفأت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بربكم ؟ وهكذا العلماء في الناس لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم ، ولا كيف يعبد الله في جميع ما تعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء ، فإذا مات العلماء تحير الناس ، ودرس العلم بموتهم ، وظهر الجهل . أ . هـ.
وقال ابن القيم رحمه الله واصفاً العلماء : هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء ، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب ، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولوا الأمر منكم }. انتهى كلامه رحمه الله .
فاحترامهم واجب ، وضد ذلك لا يجوز ، بل هو من الأذى لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس رضي الله عنهما: من آذى فقيها فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل.
وكان عكرمة رحمه الله يقول : إياكم أن تؤذوا أحدا من العلماء ، فإن من آذى عالماً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والعلماء هم المرجعية التي تضبط الأمور وتوجه المسيرة سيما زمن الفتن وتداعياتِ النوازلِ والمستجِدّات ، فالمسلم يحتاج إلى مرجعية تبين له الرؤية الشرعيّة الصحيحة ، والموقف الفقهي الصائب المبني على الوحيين المعصومين مع النظر في فقه السّنَنِ الكونية والاستقراء التّام للأحوال التاريخية والحضارية . وهؤلاء هم العلماء .
والالتفاف حول العلماء مما يعصم من الفتن بإذن الله : قال تعالى {وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولىِ الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً } .
وقد تجلى دور العلماء في حماية الأمة من الفتن واضحاً أثناء الدعوة إلى ثورة حنين فأصدروا بياناً شافياً كافياً حذر من الفتنة ونبه عليها، فعصم الله بهم المجتمع ، وأطفأ الفتنة وكبت المرجفين .
قال e :" كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، ولا نبي بعدي ". ، وهذه إشارة إلى أن العلماء هم من يسوس الأمة لأنهم وراث النبوة .
قال سماحة العلامة صالح الفوزان حفظه الله : على شباب المسلمين وفقهم الله لكل خير، وحماهم من كل شر أن يحذروا من دعاة السوء وأصحاب الأفكار الهدامة وان يتصلوا بعلماء المسلمين من أهل السنّة والجماعة ويتلقوا عنهم العلم النافع ويسألوهم عما أشكل عليهم قال الله تعالى {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وأهل الذكر هم العلماء الربانيون. وعلى من وقع من شباب المسلمين في شيء من تلك الأخطاء والأفكار الضالة المنحرفة ان يرجع الى الصواب. فالرجوع الى الحق فضيلة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. عليهم أن ينضموا إلى جماعة المسلمين. ( فإنّ يد الله على الجماعة. ومن شذ شذ في النار) ولا يكونوا عوناً للأعداء على تدمير بلادهم والاعتداء على إخوانهم وحرماتهم. فإنّ هذا من الإفساد في الأرض {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} ، {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} أ . هـ .
وأهل السنة من أشد الناس احتراماً لأهل العلم ، كما قال الإمام الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "أنهم يدينون الله باحترام العلماء الهداة".وهذه نماذج تبين ذلك :
- قال المروذي : قدم رجل من طرسوس فقال : كنا في بلاد الروم في الغزو ، إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء يقولون : ادعوا لأبي عبد الله يعني إمام أهل السنة أحمد بن حنبل .
- وقال حاشد بن إسماعيل : كنت بالبصرة ، فسمعت قدوم محمد بن إسماعيل ، يعني الإمام البخاري صاحب الصحيح ، فلما قدم قال بندار : اليوم دخل سيد الفقهاء .
- وقال أيوب : إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة كأني أفقد عضوا من أعضائي ، وقال : إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون .
- وقال يحيى بن جعفر : لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل البخاري ، من عمري لفعلت ، فإن موتي يكون موت رجل واحد ، وموته ذهاب العلم .
- وقال الامام أبو حنيفة في شيخه حماد : ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه أو علمني علما .
- وسأل رجل الإمام أحمد فقال : عندنا بالمشرق شاب يقال له أبو زرعة ، فغضب الإمام أحمد وقال : تقول شاب ؟ كالمنكر عليه ، ثم رفع يديه وجعل يدعو الله لأبي زرعة وكان من العلماء ، ويقول : اللهم انصره على من بغى عليه اللهم عافه اللهم ادفع عنه البلاء ، اللهم ، اللهم ..... في دعاء كثير .
إن غياب العلماء أو الانتقاص منهم يؤدي إلى زلل الأقدام ، وخَطَل الأقلام وضلال الأفهام ، وتشويش وحيرة عند الكثيرين ، وخلط في الأوراق ، ممّا يؤكِّد أهمّيّة مرجعيّة العلماء في الأمّة، والتي ترتكز في تحقيق أهدافها على سلامةِ المنهَج والعناية بمصالح الأمة الكبرى ومقاصِد الشريعة العُظمى، باعتدالٍ في الرؤى وتوازُنٍ في النظر وأسلوبٍ عالٍ في الطرح والحوار .
والمؤسف أن بعض كتاب الصحف لا زال يقع في العلماء ، فنراه يشكك في مرجعيتهم ، بل إنه يطعن فيهم بدعوى عدم التقديس والعصمة ، والبعض الآخر حاولوا جلدهم العلماء بقرار حصر الفتوى، ثم هاجموا العلماء المأذون لهم بالفتوى في مناورة هي أشبه ما تكون بلعبة العصا والجزرة .
والمؤسف أن بعض هؤلاء الكتاب حضروا بقوة في موضوع المرأة الكاشير ، وموضوع الدولة المدنية ، ومنتدى خديجة ، وغابوا يوم سب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقذفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وأيام الدعوة إلى ثورة حنين !!.
* ـ سادساً ، ومن قيم الاحترام الهامة في الاسلام : احترام الأمراء، ولا يزال الناس بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا فيهما، أفسدوا دنياهم وأخراهم".
وقد جاءت النصوص لتبين أن فشو المحبة المتبادلة بين الراعي والرعية وظهور الدعاء لولاة الأمور عن علامة خيرية الأئمة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم". قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فأكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعته".وفي لفظ أخر له: "ألا من ولى عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكرهه ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة".
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى : "فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإِثارة الناس وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها. فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر، ضاع الشرع والأمن؛ لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وأن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم، وحصل الشر والفساد.فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبط الإنسان نفسه، أن يعرف العواقب. وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة..." . (حقوق الراعي والرعية) .
وقد تضافرت النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة للولاة في غير معصية الله ، منها: ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلاَّ أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة".قال المباركفوري في "شرح الترمذي" (وفيه أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح، وجب).
ومنها ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك".
قال العلماء : "معناه: تحب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة". قال: "والأثرة: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم. أي: أسمعوا وأطيعوا وإن أختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم". (شرح مسلم 12/225).
وطاعة الأمراء واجبة وإن منعوا الحقوق أو ظلموا . أخرج مسلم في صحيحه عن وائل الحضرمي قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي لله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة؟ فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". وفي رواية لمسلم أيضاً: فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم".
والمعنى: أن الله تعالى حمَّل الولاة وأوجب عليهم العدل بيت الناس، فإذا لم يقيموا أثموا، وحمَّل الرعية السمع والطاعة لهم، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإلاَّ أثموا.
وأخرج مسلم عن حذيفه بن اليمان رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنا كنا بِشَرٍّ، فجاء الله بِخَيْرٍ، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم" . قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وأن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فأسمع وأطع".
وهذا الحديث من أبلغ الأحاديث التي جاءت في هذا الباب إذ قد وصف النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - هؤلاء الأئمة بأنهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك غاية الضلال والفساد، ونهاية الزيغ والعناد، فهم لا يهتدون بالهدي النبوي في أنفسهم، ولا في أهليهم، ولا في رعاياهم ، ومع ذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطاعتهم في غير معصية الله كما جاء مقيدا في أحاديث أخر ، حتى لو آل الأمر إلى الضرب وأخذ المال.
وهذا الأمر النبوي هو من تمام العدل الذي جاء الإسلام به، فإن هذا المضروب إذا لم يسمع ويطع، وذاك المضروب إذا لم يسمع ويطع... أفضى ذلك إلى تعطل المصالح الدينية والدنيوية، فيقع الظلم على جميع الرعية أو أكثرهم، وبذلك يرتفع العدل عن البلاد، فتتحقق المفسدة، وتلحق بالجميع. بينما لو ظُلِمَ هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج، وسمع وأطاع، لقامت المصالح ولم تتعطل، ولم يضع حقه عند الله تعالى، فربما عوضه خيراً منه وربما أدخره له في الآخرة. وهذا من محاسن الشريعة، فأنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً، فالحمد لله على لطفه بعباده.
ومن احترام الأمراء عدم الوقوع في أعراضهم ، أو الاشتغال بسبهم، وذكر معايبهم ، فهذه أمور نهى عنها الشرع وذم فاعلها ، لأنها نواة الخروج على ولاة الأمر، الذي هو أصل فساد الدين والدنيا معاً.
عن زياد بن كسيب العدوي، قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر - وهو يخطب وعليه ثياب رقاق - فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق. فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله". رواه الترمذي .
وقال أنس بن مالك قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله، واصبروا، فأن الأمر قريب". رواه ابن أبي عاصم في السنة .

* ـ سابعاً ، ومن قيم الاحترام الهامة في الاسلام : احترام غير المسلمين . فالشريعة الإسلامية لم تقتصر على إيجاب احترام المسلم للمسلم ، بل إنها أوجبت احترام المسلم لغير المسلم ، في صور شتى منها :
أ ـ احترام كرامته الإنسانية ، ومن صور ذلك أن النبي r كان يأمر بالقيام للجنائز كما في حديث عامر بن ربيعة t حيث روى عن النبي r أنه قال : " إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخَلِّفَكم " ، فمرت يوماً جنازة ، فقام ، فقيل له : إنها جنازة يهودي ، فقال : أليست نفساً ؟ .
وقد سار على هذا النهج أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ورضي الله عنهم وراعى الخلفاء المسلمون كرامة غير المسلمين ، حتى إن ابناً لعمرو بن العاص t حين كان عمرو والياً على مصر ضرب أحد الأقباط بالسوط ، وهو يقول أنا ابن الأكرمين، فما كان من القبطي إلا أن رحل إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب t في المدينة وشكا إليه ، فأخذ له عمر t حقه وجعله يضرب ابن الأكرمين . وهذا مما يستحق التسجيل ؛ إذ تبيِّن هذه القصة أن الناس قد شعروا بكرامتهم وإنسانيتهم في ظل الإسلام ، حتى أن لطمة يلطمها أحدهم بغير حق ، يستنكرها ، ويستقبحها ، وقد كانت تقع آلاف مثل هذه الحادثة ، وما هو أكبر منها في عهد الرومان وغيرهم ، فلا يحرك بها أحد رأساً ولكن شعور الفرد بحقه وكرامته في كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يركب المشاق ، ويتجشم وعثاء السفر الطويل من مصر إلى المدينة النبوية واثقاً بأن حقه لن يضيع ، وأن شكاته ستجد أذناً صاغية.
ب ـ ومنها : معاملتهم بالحسنى ، قال الله تعالى { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.قال الإمام القرافي في بيان المراد به : هو " الرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل التلطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته ، لطفاً مِنّا بهم لا خوفاً ولا طمعاً والدعاء لهم بالهداية ، وأن يُجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم : في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم إلى جميع حقوقهم إلخ " . وهذا كله من صور الاحترام .
ج ـ ومنها : معاملتهم بالعدل ، فالإسلام دين العدل ، والله I جعل الموازين الدقيقة ليقوم الناس بالقسط ، ويحذروا من الوقوع في الجور والظلم ، قال تعالى:{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} ، وأوجب عليهم الحكم بالعدل دائماً قال تعالى{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} . فإن سرق مسلم مال ذمي قُطِعت يد السارق ، مثله مثل الذمي لو سرق مال مسلم ، وكذا يقام على المسلم حد القذف لو قذف رجلاً أو امرأة من أهل الذمة بغير حق . قال نظمي لوقا :" ما أرى شريعة أدعى للإنصاف ، ولا أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا}. فأي إنسان بعد هذا يكرم نفسه وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ ؟ ، أو يأخذ بدين أقل منه تسامياً واستقامة " .
د ـ ومنها : احترام دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، فالإسلام يحفظ للإنسان الحقوق الأساسية في الحياة التي لا غنى له عنها ، وهي حفظ النفس والدم والمال والعرض والعقل ، ويستوي في هذه الحقوق المسلم وغير المسلم ، فهي حقوق وحرمات معصومة لا تنتهك إلا بسبب شرعي مثلهم في ذلك مثل المسلمين،فلا يصح إزهاق أرواحهم إلا قصاصاً أو حداً على عقوبة {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، قال صلى الله عليه و سلم : " من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً". رواه البخاري .
هـ ـ ومنها : احترام شيخوخة الكبير منهم ، قال صلى الله عليه و سلم : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ".متفق عليه، وقد سجل تاريخ الأمة صوراً ناصعة في توفير هذا الحق لغير المسلمين من قبل الخلفاء والولاة. ومن ذلك : ما جاء في عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد t لأهل الحيرة بالعراق وكانوا من النصارى : " وجعلت لهم : أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحتُ جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله"، وكان هذا في عهد أبي بكر الصديق t وبحضرة عدد كبير من الصحابة ، وقد كتب خالد به إلى الصديق ولم ينكر عليه ومثل هذا يعد إجماعاً.
وروى الإمام أبو يوسف :" أن أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب t مرَّ بباب عليه قوم وعليه سائل يسأل : ( شيخ كبير ضرير البصر)، فضرب عمر عضده من خلفه وقـال : من أي أهل الكتاب أنت ؟ فقال : يهودي ، قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : أسأل الجزية والحاجة والسن ، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله ، فرضخ له بشيء من المنزل ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال ، فقال : انظر هذا وضرباءه ، فوالله ما أنصفناه ؛ أن أكلنا شبيبته ، ثم نخذله عند الهرم {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب ، ووضع عنه الجزية وعن أضرابه .


خدمات المحتوى


جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1436 saadalbreik.com - All rights reserved