الأربعاء 26 رمضان 1435 / 23 يوليو 2014    
في


أثر الغزو الفكري على المسلم


05-09-1432 11:43
باتت حرب الأفكار والغزو الثقافي والفكري تشكل تياراً جارفاً يهدد المجتمعات المسلمة ، لصرف المسلمين عن دينهم ومسخ هويتهم وتغيير انتماءاتهم ، مما يفتت الأمة ويضعفها ويبعدها عن واقعها ويشغلها بنفسها .
فليس مبالغة في القول إذا قررنا أن ما تعانيه أمتنا من هزائم فكرية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، هو نتيجة حتمية لتدمير الشخصية الإسلامية عقدياً وثقافياً وسلوكياً، بسبب الغزو الفكري الذي يعمل على أن تصبح مسخاً تابعاً لغيره ، يؤمر فيطيع ويُقاد فينقاد ، ووسيلتهم في تحقيق ذلك الخداع والتمويه وقلب الحقائق وتشويه الوقائع عن طريق تصنيع الكلمة، وزخرفة القول، والدخول إلى المخاطب، من نقطة ضعفه ، والإيقاع به، والإيحاء إليه بسلامة الفكرة، وصحة المفهوم المزيف الذي تحمله كلمات الغزو.
لقد كان الغزو الفكري موجوداً في كل جيل وفي كل عصر ، وله في كل مصر دوراً تخريبياً مدمراً ، إلا أن البشرية لم تشهد قط زمناً كان فيه للغزو الفكري خبراء، ومنظرون ، وأجهزة ، ومؤسسات ، ووسائل إعلام كعصرنا هذا، حيث صار للغزو الفكري صبغة الفلسفة، والنظرية، والمبدأ، الذي يعتنقه الأتباع، ويدافعون عنه، وينقادون له. ولذا كان أثره في الأمم والمجتمعات ، أشد فتكاً من تأثير المدفع والصاروخ والطائرة، وقد ينزل إلى الميدان، ويعظم خطره، حين تخفق وسائل الحديد والنار، في تحقيق الهدف، والوصول إلى الغاية . والخطر الذي يمثله هذا الغزو أكثر بكثير من قتل الأفراد، بل من قتل جيل بأسره ، إذ يتعدى ذلك إلى قتل أجيال متعاقبة والقضاء عليها قبل أن تولد .
إنه داء عضال يفتك بالأمم، ويُذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها، والأمة التي تُبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً.
ومصطلح الغزو الفكري يعني : الإغارة على أمة من الأمم إغارة ثقافية بأسلحة فكرية ، للهيمنة على عقول أفرادها وزعزعة الثوابت التي ينطلقون منها والتشويش على أفهامهم مما يدمر قواها الداخلية ، ويحطم مقوماتها.
والفرق بين الغزو الفكري، والغزو العسكري: أن الغزو العسكري يأتي للقهر وتحقيق أهداف استعمارية، دون رغبة الشعوب المستعمرة، أما الغزو الفكري فهو لتصفية العقول، والأفهام، لتكون تابعة للغازي. ولذا، فهو أشد فتكاَ وضرراً من الغزو العسكري لأن الأمة المهزومة فكرياً ، تنقاد إلى غازيها طواعية ، وتسلم رقبتها إلى جزارها عن رضا وقناعة بل وعن حب ومودة ، دون أن تفكر بالتمرد أو تسعى في سبيل الخلاص.
ومما يجدر التنبيه عليه أن هناك من ينكر وجود الغزو الفكري ، ويعتبر الحديث عنه مجرد وهم لأنه يتصور أن عالم اليوم : وطن واحد لحضارة واحدة، اسمها : (حضارة العصر) أو (الحضارة العالمية) أو (الحضارة الإنسانية) ، ويتصور أن الأمم والشعوب والقوميات مجرد درجات ومستويات في البناء الواحد، لهذه الحضارة الواحدة.
ومن ثم فليس في هذا التصور حدود تميز الأوطان .
ولهذا فإن عبور الفكر عبر الحدود ليس فيه عندهم شبهة (غزو) ولا أثر (عدوان).
وهذا التصور يُروَّجُ له الآن بشتى الأساليب، فثمة دعوة إلى (فكر عالمي) وهناك دعاوى إلى اعتبار الحضارة الحديثة (حضارة عالمية).



* ـــ أسباب الغزو الفكري :
أولاً: كره الإسلام والمسلمين: قال تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ، وقال { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } . يذكر أهل السير أن الجيوش الأوروبية الصليبية لما هاجمت بلاد الإسلام كانت مدفوعة إلى ذلك بدافعين:
الدافع الأول: دافع الدين، والعصبية العمياء، التي أثارها رجال الكنيسة، في شعوب أوروبا، مفترين على المسلمين أبشع الافتراءات، محرضين النصارى أشد تحريض على تخليص مهد المسيح من أيدي الكفار ـــ أي المسلمين ـــ . يقول «غاردنر» : إنّ الحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ هذه المدينة (القدس) بقدر ما كانت لتدمير الإسلام . (نقلاً عن الحروب الصليبية والغزو الفكري 53) .
والدافع الثاني: دافع سياسي استعماري، حيث سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد المسلمين من حضارة، وثروات، فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح، وما في نفوسهم إلا الرغبة في الاستعمار والفتح .
وبعد مضي أكثر من قرنين من حروب دامية، اشتد وطيسها، ارتدت الحملات الصليبية على أدبارها ، بعد أن باءت بالإخفاق والهزيمة، وبعد أن وقع القديس (لويس التاسع) قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا أسيراً في مدينة المنصورة في مصر ، ثم خلص من الأسر بفدية، ولما عاد إلى فرنسا، أيقن أن قوة الحديد والنار لا تجدي نفعاً مع المسلمين الذين يملكون عقيدة راسخة، تدفعهم إلى الجهاد، وتحضهم على التضحية بالنفس والنفيس .
لذا ،، كان لابد من تغيير المنهج والسبيل، فكانت توصياته: أن يهتم أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم، وذلك بعد دراستهم الإسلام لهذا الغرض، وصارت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها: (إذا أرهبك عدوك فأفسد فكره ينتحر به ، ومن ثم تستعبده). (الغزو الفكري» د. أحمد السايح: 51 ضمن سلسلة منشورات كتاب الأمة العدد(38) ط. قطر ).
وسبب هذا الكره للإسلام هو جهلهم به . فحينما سمعت أوربا لأول مرّة بالإسلام، وواجهتها تحدّي قوته المتزايدة لم يكن لدى أوربا حينذاك أيّة معرفة حقيقية بمن ستقاتله، فنتج عن هذا الجهل الممزوج بالخوف جملة من الأساطير والخرافات.يقول «ريتشارد سويثرن» في تاريخه الموجز: إنّ الذي انصقل كثيراً وازداد تعقيداً هو الجهل الغربي، وليس المعرفة الصحيحة بالإسلام، أدّى هذا الجهل بالإسلام إلى التفكير بضرورة القيام بعمل ما بشأن الإسلام. والواقع أنّ عدم الإنصاف يتمثل في التصور المسيحي للمسلمين ككفّار ووثنيّين يعبدون ديناً زائفاً، ولمحمد صلى الله عليه وسلم كساحر، بل نُظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنّه كاردينال في كنيسة روما، فلمّا اُحبطت آماله في أن يصير بابا ثار وفرّ إلى الجزيرة العربية حيث أنشأ هناك كنيسة خاصة به (صورة العرب في الصحافة البريطانية»: 25/ 26) ففي مثل هذا الجهل الفاضح الممزوج بالخوف والحذر «عشّشت وفقّست العديد من التصورات والمواقف والتأويلات الظالمة المشوّهة» على حدّ تعبير المستشرقة الالمانية د. آنا ماري شميل . (كتاب الإسلام كبديل لمراد هوفمان9) . وتستمر هذه الرؤية القاصرة لتطبع الذهنية الغربية المريضة تجاه الإسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم بمعونة جملة عوامل ومقومات أبرزها وجود الرموز التبشيرية والدوائر الغربية التابعة لها التي ما انفكت من العمل الدائب على تكريس هذا الواقع من خلال نسج الأساطير والخرافات حول الرسالة المحمدية البيضاء وحتّى يومنا الحاضر.
ولئن تعامل الغرب ـ في البداية ـ مع الإسلام والمسلمين بشيء من الحذر، فانّه قد تجاوز هذه الحالة إلى ما هو أشد فيما بعد، فعندما وصل المسلمون إلى أبواب أوربا وانفتحوا عليها تعاملاً وحضارة، قابلهم الاوربيون بالخوف والرعب المشوبين بالحذر والرغبة في الصدّ والمقاومة، خاصّة بعدما أملت عليهم الكنيسة الرؤية الضبابية باعتبار هؤلاء ما هم الاّ محتلّون وتوسعيون ومتوحشون وأعداء للمسيح في الوقت الذي شرعت الكنيسة لنفسها سياسة وحيدة الجانب تقوم على مواجهة «الخطر» الإسلامي، والعمل على إعادة الأمور إلى نصابها التي كانت عليه قبل ظهور الإسلام.
كتب المستشرق الكبير «رودنسون» يقول: لقد كان المسلمون خطراً على الغرب قبل أن يصبحوا مشكلته، وفي الوقت نفسه عامل اهتزاز شديد في بنيان الوحدة الروحية للغرب، وأنموذجاً حضارياً بديلاً يمتاز بتنافسه وحركته الإبداعية المتسارعة وقدرته الهائلة على الانفتاح والاستيعاب. وفي مواجهة تقدّم هذا الانموذج على المستوى الجيوسياسي عبّر مثقفو الغرب عن شعور عام بالاندهاش أمام المسلمين، وبدا ذلك لهم وكأنه خطر على المسيحية. (الحركة الصليبية وأثرها على الاستشراق الغربي د. علي الشامي منشور في مجلة الفكر العربي العدد سنة 1983م) .
ومن هنا كان لابد للكنيسة من اتباع برنامج دقيق يقوم على آلية عالية تعمل من أجل تكوين الصورة السلبية عن الشرق والإسلام لمواجهة هذا الخطر المحدق من جهتين:
الأولى: تشريع الكنيسة الغربية لوحدة إيديولوجية متكاملة في مواجهة فكر الإسلام وحضارته.
الثانية: اعتماد مشروع يهدف إلى تثبيت الإيمان المسيحي عند المسيحيّين من خلال تشويه الصورة الحضارية للإسلام وما يصل منها إلى مسامع الغربيّين بغية تغيير ما ترسخ في الوعي الغربي من إيجابيات الشرق الإسلامي . (الحروب الصليبية والغزو الفكري 51/52)
لقد أدرك الاوروبيون وساد الاعتقاد بينهم أنّ الصراع العسكري مع الإسلام لا يجدي نفعاً، ولا يكفي وحده لإسقاطه ودحره، وأنّه لابدّ من التفكير بعمق في تنظيم برنامج عمل كامل يقوم بدراسة وفهم مضامين الفكر الإسلامي ومعرفة مواضع القوة والضعف فيه كمرحلة أولى، ثم محاولة نقضه وإحداث الشرخ في جدرانه لغرض اختراقه وتحطيمه من الداخل، وبالتالي ضرب إرادة المقاومة عند هذا الخصم العنيد ثم استئصاله بالكلية.ذلك لأنّ قوة المسلمين إنما هي بالإسلام، ففي حالة حدوث الانفصال بينهما، و«الطلاق» بين الاثنين عندئذ يمكن كسر قوة المسلمين ودحر جحافلهم المنتشرة حول أوروبا.ومن هنا دخلت المواجهة بين الإسلام والغرب المسيحي مرحلة جديدة مبنية على استراتيجية جديدة تعتمد الأسلوب الثقافي الفكري سلاحاً لها لضرب الإسلام .( المصدر السابق 56/57) .
وفي هذا كتب المؤرّخ البريطاني المعروف أ.ج. تايلور قائلاً: إنّ أوروبا استنفدت الكثير من الوقت قبل أن تبدأ مسيرتها الصحيحة، إنّ استباقها على الحضارات غير الأوربية لم يبدأ الاّ في القرن السادس عشر حين خسر المسلمون الأندلس، أمّا انتصارها النهائي فتحقّق في القرن العشرين فقط . (نقلاً عن مابعد الدولة القومية المسلمة لكليم صدّيقي: 3) .
وهكذا تحولت المعركة من ميدان الحديد والنار إلى ميدان الفكر، لأن القضاء على الإسلام أو تحويل المسلمين عن دينهم، لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة والغزو المسلح.
بدأ النشاط التبشيري يأخذ صفة الجدّية، وكانت أُولى الرحلات قام بها بعض الرهبان الغربيّين فقصدوا الأندلس إبّان مجدها وانضمّوا إلى مدارسها وتثقفوا في جامعاتها وتعلّموا على يد علماء الإسلام في مختلف العلوم والمعارف.ثم بدأ التحرك الاستشراقي ينشط أكثر فأكثر في هذا الصعيد، خاصة بعدما أرسل «فرانسوا الاسيزي» ستة من الرهبان إلى بلاد المغرب فسلكوا الطريق عبر إسبانيا وهم متنكرون بثياب التجار. وتوالت الرحلات تلو الرحلات بعدها. وفي عام 1311م حثّ «ريموندليل» المجلس العالي في فيينا على تأسيس مدارس للعربية ولغات شرقية أخرى لغرض العمل التبشيري بين المسلمين وهدايتهم الى طريق «الحقّ» والذي باشره بنفسه بإخلاص كبير . (الفرنسيسكان واللغات اليونانية والشرقية في القرن الثالث عشر. مارتينيا نورونكاليا، ترجمة د. أسعد ذبيان: 18، نقلاً عن الحروب الصليبية والغزو الفكري 62 ) .
وتجدر الإشارة هنا أنّ سرّ اتجاههم نحو الدراسات العربية فالشرقية الإسلامية، يعود إلى أنّ الأُولى كانت ضرورية لفهم الثانية، والإسلام بمجموعه يعتبر الدين المنافس الوحيد للمسيحية. وبمرور الزمن اتسع نطاق الدراسات الشرقية لتشمل أدياناً ولغات أخرى غير إسلامية.
وعلى صعيد العمل التبشيري الانجليزي فقد كان أمثال: «يوم بدويل» و«جون غريفز» و«آموند كاستيل» و«ادوارد بوكوك» وغيرهم منهمكين في تأسيس دراسات عربية في جامعتي أكسفورد وكمبردج . (صورة العرب في الصحافة البريطانية» د. حلمي خضر ساري: 30).
فبدأت حركة الغزو الفكري بالعمل على ترجمة معاني القرآن ودوواين والسنة ومصنفات المسلمين في شتى الفنون ، للبحث عما توهموه ثغرات يدخلون منها إلى إثارة الشبهات ، وقد أعلنوا صراحة أن الإسلام هو عدوهم الأول، وأن أكبر غاية لهم هي ضرب وهدم قواعده .
يقول (وليم غيفورد لغراف) الإنجليزي الملقب (بالحرباء) : الكلمة المشهورة التي يلخص فيها عداء الغربيين للإسلام: (متى توارى القرآن، ومدينة مكة، عن بلاد العرب ، يمكننا أن نرى العربي، يندرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه).
وقال (جلاد ستون ) أحد رؤساء وزراء بريطانيا : (ما دام القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان).
ويرى غاردنر: (أن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا). أ . هـ .
ويوضح هذا العداء، ويذكر بعض أسبابه المستشرق (بيكر)، فيقول: (إن هناك عداءاً من النصرانية للإسلام ، لأن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى، أقام سداً منيعاً في وجه الاستعمار، وانتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها).
ويقول في هذا المعنى (لورانس براون) : (إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي) ويقول : ( أن خطر المسلمين هو الخطر العالمي الوحيد في هذا العصر، الذي يجب أن تجتمع له القوى، ويُجَيَّشُ له الجيوش، وتلتفت إليه الأنظار ) . ويحكي عن أحد المنصرين قوله : (إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية، إن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم، إنه دين دعوة، إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم، وبين غير النصارى، ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا - كما يراه المنصرون - والمسلمون لم يكونوا يوما ما أقلية موطوءة بالأقدام). . ثم يقول: (إننا من أجل ذلك نرى المنصرين، ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين، لقد كنا نُخَوَّف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر (اليابان والصين) وبالخطر البلشفي( الاتحاد السوفياتي )، إلا أن هذا التخويف كله لم نجده ولم يتحقق كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر، فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة، تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام).
واستمر كره الإسلام في نفس الرجل الأوروبي طيلة القرون السابقة وحتى هذا العصر وبات يخيم عليهم كسحابة سوداء لا تفارقهم ، فعندما دخل اللورد (اللنبي) القدس عام 1918 م قال : (الآن انتهت الحروب الصليبية) وكذلك كان مسلك الجنرال الفرنسي (غورو) قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، وقال قولته المشهورة: (نحن هنا يا صلاح الدين) وفي اليوم التالي ذهب إلى حمص ، ووقف عند قبر خالد بن الوليد وقال: (نحن هنا يا خالد).
تقول الدكتورة (آنا ماري شميل ) عميدة الاستشراق الألماني للعلوم الإسلامية: لكم يبدو لي أحياناً أنّ خوف الأوربيين من الزحف التركي (الإسلامي) مازال عالقاً بذاكرتهم التي لم تنس وقوف الترك مرتين أمام أبواب فيينا عامي 1529 و1683م كأنّ ذلك الخوف الدفين لم تخب ناره، فتراه يصبغ سلوك كثير من الناس إزاء دين الترك الذي هو دين العرب والفرس ومسلمي شبه القارة الهندية. ( نقلاً عن كتاب «الإسلام كبديل» د. مراد هوفمان: 17. ويجدر هنا التذكير بأنّ فيينا قد احتفلت شهراً كاملاً في شهر (مايو) 1983م بالذكرى الثلاثمائة لتراجع الترك (المسلمين) من أمام أبوابها ) .
ثانياً : الضعف الفكري لدى المسلمين : بسبب بعدهم عن هدي الوحيين المعصومين ( الكتاب والسنة ) وسيطرة الجمود والتقليد ، والانبهار بحضارة الغرب والركون إلى الدنيا .
ثم جاء التفكك الاجتماعي نتيجة حتمية للضعف الفكري، لأن الضعف الفكري لا يكشف لصاحبه مخاطر الانزلاق ومواطن الخلل .
فأي أمة تضعف في أفكارها، ولا تعرف إلا القشور من أمرها، وتعيش في تناحر وتمزق، لا بد أن تسقط، وينال منها من كان يتربص بها.
ثالثاً : تخلف الشعوب الإسلامية عن ركب الحضارة ، فالمجتمعات الإسلامية، حين أصابها الضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي، انشغلت بالتافه من الأمور ، وتخلفت عن ركب العلم والتقدم، والحضارة ، وكان وضع البلاد الإسلامية، كما صوره شاعر تركيا محمد عاكف : (يسألني الناس أنك كنت في الشرق مدة طويلة. فما الذي شهدت يا ترى، وما عسى أن يكون جوابي ؟ إنني أقول لهم: إنني رأيت الشرق من أقصاه، فما رأيت إلا قرى مقفرة، وشعوباً لا راعي لها، وجسوراً متهدمة، وأنهاراً معطلة، وشوارع موحشة، رأيت وجوها هزيلة متجعدة، وظهورا منحنية، ورؤوساً فارغة، وقلوباً جامدة، وعقولاً منحرفة. رأيت الظلم، والعبودية، والبؤس، والشقاء، والرياء، والفواحش المنكرة المكروهة، والأمراض الفاشية الكثيرة، والغابات المحرقة، والمواقد المنطفئة الباردة، والحقول السبخة القاحلة، والصور المقززة، والأيادي المعطلة، والأرجل المشلولة. رأيت أئمة لا تابع لهم، ورأيت أخاً يعادي أخاه، ورأيت نهاراً لا غاية له، ولا هدف، ورأيت ليالي حالكة طويلة، لا يعقبها صباح مسفر، ونهار مشرق).
هذا التخلف أضعف الثقة بالنفس، وأوقف عجلة التقدم والانطلاق لدى الشعوب المسلمة، وجعلها تعتمد في كل شيء على غيرها وترضى بالتبلد والخمول وموت الهمة.


* ــــ أساليب الغزو الفكري
أولاً : حملات التشويه التي مست كل ما يتصل بالإسلام من عقائد، ونظم، وتراث، وتاريخ، وفكر، وحياة :
1 ـــ فهناك محاولة تشويه عقائد المسلمين، يقول رينان الفرنسي، وهو يصور عقيدة التوحيد في الإسلام : (بأنها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم. كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك).
2ـــ محاولة تشويه القرآن الكريم . يقول المستشرق جب: (إن محمداً قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها، وشق طريقة بين الأفكار والعقائد الشائعة في بيئته، فالقرآن من صنع محمد ومن ملائمات هذه البيئة التي عاش فيها) .وكانت الخطوة الأولى التي قام بها الأب ( بطرس المبجّل) أن رعى أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية فأنجزت عام (1143م)معلناً هدفه من عمله هذا قائلاً : إنّ نقطة البداية في حرب الإسلام هي القرآن. وقد شكّلت هذه الترجمة الأساس في مجال الدراسات الإسلامية بأوربا الغربية.
وكتب المستشرق الفرنسي «أ. م. هذي» يقول: إنّ هذه الترجمة وكل الترجمات التي تلتها لم يكن لها أيّ هدف آخر سوى أن تكون الأساس لتوجيه المزيد من الإدانات ضد القرآن، تلك الإدانات التي امتدّت سلسلتها على مدى قرون تتناثر عليها بعض أشهر الأسماء.
لقد خطا (بطرس ) الخطوة الأُولى في هذا الاتجاه وقام بما لم يستطع غيره أن يقوم به، وبذلك يكون قد دشّن عهداً جديداً في العلاقة مابين الغرب المسيحي والإسلام، لكنّها هذه المرة قائمة على مرتكز خطير يهدف إلى اختراق العالم الإسلامي بسلاح آخر غير السلاح التقليدي، ولا يحتاج إلى القوة في المبارزة، بل كل حاجته إلى الكلمات الرشيقة والمعلومات المضللة.وهذا ما كان يؤكّده ( بطرس ) دائماً، ففي آخر كلماته الموجّهة إلى المسلمين مخاطباً إيّاهم قائلاً: (إنّني لا أهاجمكم كما يفعل كثيرون بيننا بالسلاح، إنّني أوجّه إليكم كلمات فقط بغير عنف وبتعقّل وهدوء من غير كراهية وبحبّ كبير، إنّني أحبّكم ولذلك أكتب اليكم ).!( نقلاً عن مقال «الحركة الصليبية وأثرها على الاستشراق الغربي» د. علي الشامي المنشور في مجلة الفكر العربي لسنة 1983م)
3 ـــ محاولة تشويه السنة النبوية . وقد جند أعداء الإسلام لتشويه السنة، ما جندوا من أقلام، وكتب، ومجلات، وبحوث، ويمكن تلخيص مجمل محاولاتهم لتشويه السنة بالتالي :
- الادعاء بأن هناك بعض الأحاديث لا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
- الادعاء بأن الفرق الإسلامية عندما اختلفت في الآراء، أخذ كل منها يضع لنفسه الأحاديث التي يؤيد بها رأيه.
- الادعاء بأن الأحاديث النبوية ليست إلا سجلاً للجدل الديني في القرون الأولى.
4 ـــ محاولة تشويه شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في رسالته . قال جيري فالويل أحد القساوسة البارزين في المجمع المعمداني ( أحد مذاهب الكنيسة البروتستانتية) في مقابلة مع شبكة (سي بي إس) الأمريكية : ( إن محمداً كان رجل عنف ورجل حرب ) .وقال في مقابلة ضمن برنامج ( ستون دقيقة ) : ( أعتقد أن محمداً كان إرهابياً، لقد قرأت ما يكفي للمسلمين وغير المسلمين لكي أقرر إنه كان رجلاً عنيفاً ورجل حرب ). ونشرت محطة ( سي بي إس ) على موقعها مقتطفات من المقابلة قبل بثها قال فالويل فيها : (في رأيي أرسى المسيح مثالاً للحب، وموسى فعل الشيء نفسه لكن محمداً ضرب المثل المناقض لهما )
5 ـــ محاولة تشويه التاريخ الإسلامي. فقد صور هؤلاء الفتوحات الإسلامية على أنها فتوحات غزو واستعمار، وأن الخلافة الإسلامية خلافة تآمر، وسفك للدماء، وغير ذلك كثير مما لا يقره عقل ولا دين.
6 ـــ محاولة تشويه نظام الحياة الإسلامية، بالادعاء بأنه لا يوجد نظام للحياة معروف في الإسلام.والتهم التي وجهت إلى نظام الحياة الإسلامية كثيرة ولكن أبرزها وأخطرها:
أولاً: اتهامهم للقوانين والنظم الإسلامية بالرجعية وعدم القدرة على مواكبة ركب التحضر والتقدم.
ثانياً: اتهامهم النظم الإسلامية بالمحلية والقصور والإقليمية.
ثالثاً : اتهامهم لها بأنها عند التطبيق والتنفيذ، تعتمد على وحشية أو همجية أو قسوة، وبخاصة فيما يتصل بالرجم والقطع والجلد.
رابعاً: اتهامهم للقوانين والنظم الإسلامية، بأنها لم تحظ بإجماع المسلمين عليها، في عصر من العصور.
خامساً: اتهامهم لها بأنها تتجاهل الأقليات غير الإسلامية ، في ظل الدولة الإسلامية.
وهذه التهم قد أطلقها أعداء الإسلام من غير المسلمين، وشاركهم في إطلاقها بعض المسلمين المخدوعين بالفكر الغربي.
ومن أساليب الغزو الفكري ثانياً : الترويج للعلمانية وفصل الدين عن الدولة. لإقصاء الدين عن الحياة وسجنه في المساجد ومنعه من التدخل في شؤون الحكم والسياسة والاقتصاد والتعليم وسائر مرافق الحياة الحية.
وقد كانت هذه الفكرة من أخطر ما جلبه الغزو الفكري إلى بلاد المسلمين فقد جاء الغزاة إلى الشرق المسلم وهم حديثو عهد بالتحرر من الطغيان البابوي الذي رزحوا تحت نيره زمناً طويلاً وعانوا منه ما عانوا باسم الدين ، واستطاعوا بعد صراع مرير إقصاء البابا والكنيسة من حياتهم ثم انطلقوا في الأرض وهم يحملون فكرة فصل الدين عن الدولة بمعنى أن الدولة في جميع شؤونها الخاصة والعامة لا تسترشد بمبادئ الدين ومعتقداته ، ورجال الحكم والسياسة أحرار في تصرفاتهم بغير وازع أو رقيب من الدين ، والدين بحد ذاته لا يعدو أن يكون علاقة خاصة بين العبد وربه.
وجاءوا إلى الشرق مدججين بهذه الفكرة ليجدوا في الشرق ديناً عظيماً يلبي جميع حاجات الإنسان في حياته الخاصة والعامة وينظم علاقته بربه وعلاقته بأخيه الإنسان. فكان هذا الدين بشموله وواقعيته وتكامل نظرته إلى الوجود أعظم عدو جابهوه .
ولكي تستقر أقدامهم في أرض الإسلام كان لا بد من الحيلولة بين الإسلام وبين الحياة وذلك بتشويه فكرة أبنائه عنه ومسخ مفهوم الدين في نفوس المسلمين وجعله رهبانية سجين الصوامع. ويطلقون بين الحين والآخر الكلمة الخبيثة: "الدين لله والوطن للجميع".
ثالثاً : من أساليب الغزو الفكري : الترويج لشعارات المدنية والحضارة والتقدم : وإطلاق الاصطلاحات الضبابية الفارغة والكلمات القاتمة الموهمة وجعل ذلك كله مبرراً للتخلص من كل قديم مهما كان ذلك القديم نافعاً. فكل قديم مناف للمدنية والتقدم وكل جديد هو الحضارة, وبناء على هذا المقياس فقد تُرك الدين في بعض بلاد الإسلام وهُجرت الأخلاق ونُبذت الفضائل، واستغني عن كل ذلك لأنه قديم وكل قديم ينافي المدنية والرقى.
رابعاً : الحركة النسائية وفكرة تحرير المرأة :
لم يكن يخفى على غزاة الفكر أمر المرأة ودورها في الهدم والتدمير لذلك أولوها اهتمامهم الزائد وعنايتهم البالغة وبحّت حناجرهم وهم ينادون بتحريرها واسودت صحفهم وهم يطالبون بحقوقها وكأن الديانات ما جاءت إلا لترشد الناس إلى ظلم المرأة وهضم حقوقها، وجاءوا هم ليرفعوا عنها هذا الحيف الذي عانت منه أجيالا طوالا. وإذا أردت أن تكون موضوعيا ومحددا في مناقشة أحدهم ترى أن خلاصة شغبهم وصراخهم وعويلهم حول هذا الأمر لا يتجاوز تجريد المرأة من دينها وخلقها ثم من حجابها وثيابها. فالظلم كله هو أن تبقى المرأة متمسكة بدينها وخلقها وعفتها وطهارتها، مسبغة عليها حجاب الصون والعفة، والعدل كله أن تتحرر من كل ذلك. وكنتيجة طبيعية لضعف المسلمين ، فقد انهزموا أيضا في هذا الميدان وحقق الغزاة انتصارا مذهلا مروعا، وجردت المرأة من حليها في الظاهر والباطن فأبدت عورتها للناس وتبرجت تبرجا أشد من تبرج الجاهلية الأولى وانطلقت في الشوارع كاسية عارية مائلة مميلة تغري الناس بزينتها وتحرضهم على الرذيلة وتدمر كل شيء بإذن أسيادها وأساتذتها من الغزاة وعملائهم. فتحطمت الأسر وهدمت البيوت وشاعت الفاحشة في الذين آمنوا وقوضت أركان المجتمع الإسلامي في بعض الدول وسرى الانحلال والانهيار في كل جوانبه، وكان للأعداء ما أرادوا.
خامساً : من أساليب الغزو الفكري: إحياء النـزعات الجاهلية التي لا تتفق مع تعاليم الإسلام كالدعوة إلى القومية ، والدعوة إلى الفرعونية، والآشورية، والفينيقية، وما جرى مجرى هذا، مما يتنافى مع الإسلام لتمزيق أواصر المودة والتآلف بين المسلمين ، على قاعدة ( فرق تسد).
سادساً : الدعوة إلى التحلل والإباحية عبر القنوات والمسلسلات والأفلام : وهذه دعوة خبيثة لأنها تطعن الأمة في أخلاقها وقيمها، وقد شاعت في بعض المجتمعات الإسلامية أمور منكرة وفواحش كثيرة وبلغ الانحلال الخلقي أدنى دركاته .
سابعاً: إبعاد العلماء عن مراكز القرار والتأثير ، وفي بعض المجتمعات تقلص دور العلماء، وأصبح قاصراً على خطبة الجمعة، وبعض الأحاديث التي تخضع للعيون الساهرة والمراقبة الدقيقة، وزاد من سوء الواقع أن بعض العلماء باتوا يجرون وراء المناصب جرياً، تذل له الجباه، ويطلبون المناصب بما لهم من مآثر في الأتباع، وأياد في التصفيق والتأييد.
ثامناً: من وسائل الغزو الفكري : التنصير. قام راهب انجليزي يدعى (روجر باكون) بطرح مشروعه التبشيري المفصل على البابا عام 1266م الذي تضمن سلسلة من النصائح للقيام بأعمال التبشير على أفضل وجه .
يقول الاسقف «دي ميستيل» وكيل إدارة البعثات التبشيرية في الشرق بروما بصراحة: إنّ الهدف الذي يتعيّن على المبشّر تحقيقه هو تحطيم قوة التماسك الجبارة التي يتمتع بها الإسلام، أو على الأقل إضعاف هذه القوة. وإنّ على المبشّر أن يدرس ويتفهّم قرآن محمد ليعرف كيف يذكّر الناس في الشرق بأنّه كانت هناك مدنيّة سابقة على الهجرة، وأنّها كانت مدنيّة مسيحية . (كتاب روائع إسلامية لإبراهيم نعمة 69 ) .
تاسعاً : من وسائل الغزو الفكري : تغريب التعليم ، إذ لا يخفى أن الغزو الفكري، ينتشر من خلال مدارس التعليم ومعاهده وجامعاته أفضل من أي وسيلة أخرى . يقول القس زويمر: (المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكم بالمسلمين).
وقد دخل الغزو الفكري إلى العالم الإسلامي، من باب يخيل إلى السطحيين من الناس أنه الباب الطبيعي. إذ حمل اسم العلم والمعرفة والتمدن. وبما أن الثقافة ليست علوماً ومعارف وأدباً وفنوناً فحسب، بل مناهج فكر وخلق، تصطبغ حياة الأمة بصبغتها في شتى ضروب نشاطها، فإن الغزو الفكري استطاع من خلال الثقافة، أن يلقي بمزيج من الأخلاط الغربية الملتمسة من الفكر الغريب المنحرف، والتوجيه الفاسد، . ولذا قام بعض أدوات الغرب بالدعوة إلى :
1- إضعاف العلاقة بين المسلمين بقطع الروابط الثقافية وإحياء الثقافات الجاهلية.
2- الدعوة إلى العامية، و إلى تطوير اللغة.
3- إيجاد الشعور بالتبعية الثقافية، والشعور بمركب النقص.
4- دفع الجامعات إلى الاعتماد على كتب المستشرقين العلمية.
5- توهين جهود المخلصين الثقافية والإبداعية.
6- تمجيد القيم الغربية، وتسفيه القيم الإسلامية، والدعوة إلى نبذها.
7- لفت المجتمعات إلى القشور، وإلهائها عما يفيد وينفع.
8- إحياء المذاهب الفلسفية والجدلية، والبعد عن الأساليب العلمية.
9- إنشاء الموسوعات التاريخية الإسلامية، وبذر الشكوك ولي الحقائق فيها.
10- الحرص على تكوين جيل مثقف، يحمل راية الاستشراق والدعوة إليه.
* ـــ أهداف الغزو الفكري :
1ـــ أن تظل الشعوب الإسلامية خاضعة لنفوذ القوى المعادية لها.
تلك القوى التي تتمثل في عدد محدود من الدول الكبيرة، التي تحمي بعضها بعضاً، ويتبادل ساستها الدفاع عن المصالح، التي تهم أي طرف من أطرافها.
2ـــ أن تظل بلدان العالم الإسلامي خصوصاً، تابعة للدول الكبيرة المتقدمة، ، تبعية غير منظورة.
3 ـــ أن تنتشر ثقافة الغرب بين المسلمين .
4ـــ الحيلولة بين الأمة وبين تاريخها وماضيها وسير الصالحين من أسلافها، ليحل محل ذلك تاريخ تلك الدول الكبيرة الغازية، وسير أعلامها وقادتها.
5 ـــ أن تزاحم لغة الغالب لغة المغلوب ، فضلاً عن أن تحل محلها أو تحاربها بإحياء اللهجات العامية أو الإقليمية، وما دام الإنسان لا يفكر إلا باللغة فإن إضعاف لغة أمة هو إضعاف لفكرها.
6ــ أن تسود أخلاق الغرب على أخلاق الأمة.
7ـــ تصوير تراث الأمة الإسلامية بصورة التخلف، وعدم قدرته على إمداد الحضارة بشيء مفيد. وأنه لم يكن له فضل على الحضارات التي جاءت بعد.
8ـــ إحياء الجوانب الضعيفة في التراث الإسلامي خاصة فيما يتعلق بالخلافات السياسية التي وقعت بين المسلمين أنفسهم، والتركيز على دعوات الحركات الباطنية، وإخراجها بصورة جميلة مضيئة، ووصف هذه الدعوات بأنها كانت تحمل فكراً عالياً، وفلسفة عميقة.
9ـــ إضعاف مثل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أي دعوة للتمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر.
10ـــ تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري، بدعوى أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها.
11ـــ اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين، وصرفهم عن التمسك بالإسلام نظاماً وسلوكاً.
12ـــ تفريغ العقل والقلب من القيم الأساسية، المستمدة من الإيمان بالله لتصبح هذه القلوب عارية أمام عاصفة هوجاء تحمل معها السموم عن طريق الصحافة والمسرح والفيلم والأزياء والملابس.


* ـــ تيارات الغزو الفكري
لكي يحقق الغزو الفكري أهدافه من إبعاد الأمة الإسلامية عن أصالتها، وآدابها، اتخذ له منافذ متعددة، وتيارات مختلفة، قد تبدو متباينة، ولكنها تلتقي جميعها في محاربة الإسلام والمسلمين، ومن هذه التيارات والحركات:
الاستشراق . / التبشير . / الصهيونية . / الماسونية . / أندية الروتاري . / العلمانية . / القوميات . / التغريب . / الحركات الباطنية كالوجودية والفوضوية والقاديانية والبهائية وغيرها .
وقد استطاعت هذه التيارات أن تثبت أقدامها، وتوطد علائقها، وتقيم معاهدها، ومدارسها.
ونجحت في ضم فئات مثقفة من المسلمين، وجعلتها في صفها تحارب الإسلام وثقافته. وأكثر من هذا، إن هؤلاء المثقفين صاروا يستنكرون الثقافة الإسلامية، إذا تناقضت مع الثقافة الغربية. وصاروا يستمرئون الثقافة الغربية ويعشقونها. ويتجهون في الحياة طبق مفاهيمها.

*ـــ آثار الغزو الفكري:
أولاً: استعمار العقلِ المسلمِ : فقد أدى الغزو الفكري إلى جعل العالم الإسلاميّ مشرع الأبواب والنوافذ أمام الفكر الغربيّ والنهج الغربيّ والثقافة الغربيّة، والعلم الغربيّ والحضارة الغربيّة والفنون والآداب والتقاليد الغربيّة بدرجات متفاوتة، وباتت الأجيال تتعرض لعمليّة استلاب فكريّ وثقافيّ هائل، انتهت بأنْ أصبحت جميع معارفنا النظريّة غربيّة مائة بالمائة في قالب وإطار غربيّين! وقد شمل ذلك الفكر، والمنهج، والفلسفة المعرفيّة وموضوعاتها، وأهدافها، وغاياتها، فأصابها الذهول والانبهار، ومارس البعض الانفتاح حتى الانبطاح، وبدأت تتشكل عقولهم وأذواقهم وفق النمط الغربي ، وأصبحت هذه العقول مناطق نفوذ للثقافة الغربيّة ، كما هو حال بعض الأوطان.
ولم تعد العولمة تكتفي بالانفتاح الذي حقّقه احتلال الأوطان والأدمغة، بل تريد استكمال المعركة مع آخر حصون العقل المسلم وهي القلوب؛ فالعولمة لا تعترف بالعقائد الدينية الأخرى من الإيمان بالله وبالأنبياء واليوم الآخر ، بل تنشر الحياة المادية والإلحادية عبر شبكاتها الكونية بأساليب في غاية الإغراء والتأثير في النفس الإنسانية، فتؤثر في مئات الملايين من المسلمين مباشرة أو بصورة غير مباشرة ، فتفقد ضحيتها شخصيته وثقافته ودينه وانتمائه ، ليتلذذ بالتبعيّة الكاملة والذوبان التام في حضارة الغرب ، مما يفقده أصالته ويقعده عن خدمة أمته .
وقد استطاع الغرب بخبثه ودسائسه أن يلجئ المخلصين إلى خندق الدفاع ، وذلك بدفعهم إلى تعريف بعض المفاهيم الإسلامية للدفاع عن الإسلام ورد الشبهات عنه , فإذا كتب الشانئون أن الإسلام انتشر بقوة السيف, رد المخلصون بأن الجهاد في الإسلام ليس عدائياً وليس استعمارياً .
وإذا كتبوا أن الإسلام لا يقوم على العقل, جهد المخلصون في أن يردوا ذلك ، وبعضهم قد يتجاوز ذلك إلى درجة إخضاع النص للعقل. ومن أسلحة الغرب في هذا الباب :
- نشر الأفكار الهدامة التي تدعو إليها بعض المؤتمرات والمنظمات والجمعيات العالمية.
- نشر الكتب أو الكتيبات أو النشرات التي تدعو إلى أديان باطلة أو تشكك في الإسلام.
- الدخول من باب الأدب لحرف الفكر الإسلامي, فتارة عن طريق الحداثة ، وتارة عن طريق القصص الغرامية, وتارة عن طريق فكر مخالف للدين بدعوى الحرية الفكرية.
- نشر الأدبيات المنحرفة وتمجيد أصحابها, سواء كان عن طريق القصة أو الشعر أو غيرها.
- ترجمة غير المفيد من اللغات الأخرى فلا تترجم الكتب العلمية المفيدة و إنما تترجم الغراميات ، أو التي تحمل الأفكار العلمانية أو الإلحادية.
- استغلال الإعلام لبث الأفكار التي يريدون.
- استغلال العادات والتقاليد ، وذلك عن طريقين:
أ‌- استغلال الأخطاء التي حدثت بسبب العادات والتقاليد ، فيقوم هؤلاء باستغلال هذا الوضع ويهاجمون الاسلام هجوماً شديداً متهمين الاسلام بأنه سبب ما جرى ومن ثم تشويه صورته في أعين الناس
ب‌- الطريق الثاني: الحرص على تصوير تعاليم الإسلام عادات وتقاليد مما يهون من شأنها ويسهل مهاجمتها ويهون على الناس التخلي عنها ، كالحجاب مثلاً.
- الحديث عن أعيادهم ، ونشر ما يحدث فيها كعيد الميلاد وعيد الحب.
- الدعوات إلى الفرق والأديان الباطلة.
- الدعوة إلى التقريب بين الأديان, والدعوة إلى الندوات والمحاضرات والمؤتمرات لمناقشة هذه القضية.وكل ذلك باسم الانفتاح .
فقد زُيّن مصطلح الانفتاح من قبل دعاة مأجورين ، سوّقوه، وحاولوا أن يستروا سوأته ببعض الأحاديث الصحيحة كحديث :"الحكمة ضالّة المؤمن" رواه الترمذي وابن ماجة وغيره . ومعلوم أن الحديث النبوي حق لكن زبانية التغريب يرددون هذا الحق ويريدون بذلك الباطل في محاولة لدفع الأمة إلى قبول ثقافة الاستعمار والتبعيّة .
وبعضهم ربط الانفتاح بالمرونة والوعي والعلم والتبادل الحضاريّ، فأوقع الأجيال في براثن الخداع والتضليل الذي جعلها تقبل بالاستلاب، لأنّه في الأصل انفتاح قسريّ إجباريّ .
فالانفتاح مصطلح عائم ومضلل لم يخدم الأمّة، ولم يُبَصّرها بعواقب القبول بثقافة عدوّها، لأنّه فُرِض على الأمّة قسرًا ، ورغم كل الشروط التي حاولت أنْ تُقنّن له، أو تضبطه، إلا أنّه لم يُستثمر إلا استثمارًا سلبيًّا في تغريب الأمّة ومحاولة اقتلاعها من جذورها.
ولا يعني هذا أن نوصد أبواب عقولنا أمام العلم والمعرفة والعلوم النافعة، بل يجب العمل على تحرير العقل من جحافل الاستعمار الثقافي الغربي ليعود إلى مرجعيّته وتميّزه من جديد.
وفي سبيل ذلك يجب علينا ألا نخاف من حصول فراغ علميّ إذا أوقفنا الاستعمار الثقافي الغربي للعقول ، وينبغي كذلك التخلص من عُقدة الانبهار بالغرب فالمبهور محبٌّ أعمى لا يمكنه معرفة ما عنده من مواطن القوة وما عنده عدوه من مواطن الضعف .
- ومن وسائل الغرب الفتاكة في استعمار العقول : حرب المصطلحات ، وذلك اعتماد تكتيك استراتيجي ومعركة تبدأ من العقل الباطن لتنتهي في استطراق الفكر وتحجيم القدرة وخصْي المبادرة .
ومما يؤسف له أن من الكتَّاب من يتحول إلى داعيةٍ لمصطلح بعينه، فيصير هاجساً له، وقضية يناضل من أجلها، حتى لو وقع في تناقضات مع نفسه، وابتلع مصطلحات متضاربةً أشد التضارب، وربما كانت كَنَسيّة المصدر، صليبية الاتجاه. ولو نظر الواحد بأدنى تأملٍ لوجد كثيرين ممن دعَوْا قديماً إلى الاشتراكية يدعون اليوم إلى الديمقراطية، ويتعصبون لها ويُنظّرون ؛ برغم ما بين المصطلحين من تضارب كما بين الليل والنهار.
أهداف هذه الحرب :
1- إرهاب المسلمين باستعمال ألفاظ قمعية كمصطلح التطرف والتشدد والتزمت في الوقت الذي يصف الغربيون أنفسهم على أنهم أهل الحرية والانفتاح والحوار والوسطية
2 ــ استعمال العبارات التي تؤدي إلى نتائج معروفة سلفاً لتحييد الطرف الآخر ومنعه من الاعتراض ، فلا يطرح أعداء الإسلام عداءهم بطريقة سافرة لئلا يثيروا غضب المسلمين ، وإنما يهاجمونه عبر مظلة اسمها: (تحليل التدين والسلوك الديني، أو الوعي الديني) ، ويسارعون بوضع هذا (العنوان ) في بداية أي دراسة أو تحليل لهم للإسلام لتحييد مشاعر المسلمين وعدم استفزازهم ، ثم يطعنون فيه أثناء هذه الدراسة أوالتحليل . ( نقلاً عن علماء الاجتماع 198 ).
3- تعمد المغالطة المنهجية لتحقيق أغراض خبيثة. فقد يكون للمصطلح دلالة خاصة في الإسلام فيجري تحريفها لصالح خصومه. مثال ذلك لفظ (الاجتهاد) الذي يحمل مفهوماً خاصاً وتعريفاً محدداً وهو: (بذل المجتهد الذي تحققت فيه شروط الاجتهاد للجهد والوسع وأقصى الطاقة في استخراج الحكم من الأدلة الشرعية ) . هذا المصطلح يستخدم الآن استخداماً معكوساً ؛ فبدلاً من أن يكون الاجتهاد داخل النص تعرفاً على معطياته، واستنباطاً لأحكامه الآمرة الناهية ، نراه يستخدم بمفهوم غربي غريب عن الاجتهاد المعروف في ثقافتنا الأصيلة ؛ إذ يُعبّر به الآن عن جهد بشري مطلقٍ من كل قيد، لا علاقة له بالنصوص والأدلة الشرعية؛ حيث يرى بعضهم أن الدين تجربة مجتمع، ونتاج ظروف وبيئة معينة . ( التبعية الثقافية 123).
4- صناعة ولاءات جديدة، وزرع أفكار ذات جذور عقلية وعقدية لا تنتمي للإسلام ، وذلك عبر توظيف المصطلح توظيفاً خاصاً. وممن يستعملون هذا الأسلوب : المنصرون الذين نصوا في أكثر من وثيقة من وثائق مؤتمر كلورادو 1978 على أن استعمال اللغة يمكن أن يكون وسيلة تنصير . ( التبعية الثقافية 611 ). فاقترحوا استخدام لقب : ( مسلمين عيسويين ) على معتنقي النصرانية المرتدين من المسلمين ليُبقوا جزءاً من ثقافتهم المحلية ووطنهم، وعدم استفزاز مشاعر الناس حولهم ، وكذلك مصطلح ( مسجد عيسوي ) للمكان الذي يلتقي فيه هؤلاء المرتدون في الكنيسة وتحدثوا أيضاً عن ( مسجد المسيح ) وكيف يمكن الوصول للمسلمين من أجل المسيح عن طريق تأويلات قرآنية، وتوظيف الحوار المضلل في التبشير. ( المرجع السابق 767 ـ 729 ) .
كما انحشر في قاموس اللغة العربية عدد كبير من المصطلحات ذات الأصول الكهنوتية : كالأصولية والتنوير والعقلانية والعلمانية ، وصرنا نسمع ممن يسمى مستنير متطرف يتحدث عن الإسلام الكهنوتي والأرثوذكسي.
كما يتعاطى كثير من الحداثيين في الأدب مصطلحات : الخلاص، والصلب، والتعميد، والفداء، وما شابه!وكلها مصطلحات كنسية .
ثانياً: من آثار الغزو الفكري : إثارة السعار الجنسي ، حتى باتت ناره تجتاح كثيراً من البيوت وتهدد القيم ، ولعل ما نسمع من قصص على اللواط والاغتصاب وزنى المحارم يدلل على ما نقول ن ونذكر قصة واحدة تبين مدى الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه البعض . تقول إحدى الأخوات : أنا سيدة متزوجة ولدى ابن في الثالثة من العمر وأعانى من الاكتئاب النفسي والشعور بالذنب والخوف من غضب الله على ، ما فعلت عندما تزوجت في الثامنة عشر بدأ والد زوجي بالتحرش بي وفى عدم وجود ابنه في المنزل وأغرقني بالمال وكان دائما يطلب مني أن أنام معه وكنت أرفض وأنا خائفة منه ، ومع الأيام والشهور ضعفت إرادتي وسمحت له أن يفعل بي ما يشاء وفعل . وأنا نادمة على ذلك كثيرا ولم أفعلها مرة أخرى ، والمعصية الأخرى أخوه فهو أيضاً يتحرش بي إلى أن وصل إلى غايته وورطني معه بالمخدرات لكي يرغمني على الذي يريده وأنا أشعر بالذنب تجاه ربى وتجاه زوجي وخائفة من الله ومن غضبه وعذابه وتجاه حقوق زوجي) . ( نقلاً عن موقع القناة الدينية ) . والقصص كثيرة جداً .
ويتولى كبر إشاعة الفاحشة القنوات التي تعرض ما يغري ويزين الفاحشة إضافة إلى ما في الشبكة العنكبوتية من مواقع إباحية تدمر الأخلاق وتنحر القيم وتشوه الفطرة.
إن سبب تركيز الغرب وأدواته على الإثارة الجنسية هو إدراكه ما في ذلك من أثر تدميري شامل على الشباب ، يقول جيمس روستون في النيويرك تايمز : ( إن خطر الطاقة الجنسية قد يكون في نهاية المطاف أكبر من خطر الطاقة الذرية ) ، ويقول جورج بالوشي هورفت في كتابه الثورة الجنسية : (ربما يتحول أطفال اليوم إلى وحوش عندما تحيط بهم وسائل الإغراء المتجددة بالليل والنهار ) .
لقد أدرك الغرب أنه بنشر الفاحشة في المجتمع يهدم الأسرة ، وكم من أسرةٍ هدمت نتيجة لذلك، كم من رجلٍ طلق زوجته، كم من زوجة هجرت زوجها تطبيقاً لما رأته أمام عينها، أو لما رآه هو بعينه من مشاهد، أو من مسلسلات، أو قصص، وما أشبه ذلك، وبذلك استطاع هذا الغزو أن ينقل بعض المجتمعات الإسلامية نقلةً بعيدة من مجتمعات محافظة ، إلى مجتمعات لا تكاد تفترق عن المجتمعات الغربية.
فالغرب يرى أن لا سبيل له للسيطرة على الشرق إلا من بوابة الشهوات، يقول أحدهم: ( لن يستقيم حال الشرق ما لم تخرج المرأة سافرة متبرجة)، ويقول آخر: ( يجب أن يتضامن الغرب المسيحي شعوبا وحكومات ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر ( الغزو الثقافي ) ولكن في أسلوب نافذ حاسم ) .
وأسلحته في هذا الباب عديدة منها :-
1) تعميم تجربة ما يسمى بتلفزيون الواقع (ستار أكاديمي / الأخوة الكبار )والذي يقوم بنقل أفكار بعض البرامج الغربية الساقطة وتهيئتها وتقديمها بالصبغة الشرقية.
2) أغاني الإباحية العربية ( الفيديو كليب ) التي أصبح مخرجوها يتفننون في إخراج المرأة في أبهى صورة بإظهار مفاتنها وجعلها شبه عارية بل إنهم يتفننون ويبتكرون في طريقة ذلك العري بهدف الإثارة ومحاولة الوصول إلى أكبر قدر ممكن من تحريك الغريزة لدى المشاهد .
3) الأفلام وخاصة الجنسية.
4) المسلسلات الهابطة التي تزين الفاحشة وتغري بها ( مسلسل مهند) ، والتي كان من آثارها تدمير كثير من الأسر ( العشرات من النساء طلقن بسبب مسلسل مهند ) ، ( نسبة كبيرة من المواليد في مصر سموا باسم مهند ) .
5)المجلات الماجنة الجنسية الفاضحة بالإضافة إلى إقبال المجلات العادية على نشر الصور العارية وظهور ذلك في أغلفتها.
6) القصص الغرامية وكثرة تداولها بين الشباب .
7) إفساد المرأة ، بالدعوة إلى تغريبها وسفورها واختلاطها ، ولا تخفى الدعوات التي يطلقها بعض المأجورين بين الفينة والأخرى لإخراج المرأة من خدرها وأزها على الاختلاط بالرجال ، ولهم في ذلك طرق كثيرة ودعوات مغرضة ؛ لأنهم يعرفون أهمية المرأة ودورها في المجتمع.
8 ) ما تقوم به بعض المؤسسات التربوية والسياحية من تنظيم برامج سياحية وأخرى للتعلم في بلاد الغرب ، فيذهب الشباب إلى هناك ، وربما سكنوا مع عائلات كافرة . ونتج عن ذلك ثلة جعلوا الغرب قبلتهم، ينهلون منه التصورات العقدية والفلسفية الشاذة والقيم الخُلُقية والقوانين والعادات والتقاليد، فحاولوا جاهدين أن ينشروا المدنية الغربية في بلادهم , وقد أسهم الاستعمار بما له من نفوذ في بعض الأقطار الإسلامية في أن يمكَّن لهؤلاء, ويوليهم المناصب الحساسة في البلاد, وقد كثر هؤلاء, وسيطروا على سياسة التعليم, وخرّجوا أجيالاً تنهج نهجهم ، وقد دأب هؤلاء على الدعوة إلى الحرية في الأخلاق ليفلتوا من رقابة المجتمع, ودعوا إلى تحرير المرأة ولحاقها بالمرأة الغربية.
ثالثاً: ومن آثار الغزو الفكري ، تفتيت العالم الاسلامي إلى دويلات وكانتونات ، وذلك بمحاولة إحداث تجزئة داخلية في كل بلد عربي أو إسلامي، حتى ينشغلوا بأنفسهم وينسوا تماماً أنهم أمة واحدة، ينتمون إلى دين واحد . ( مخطط انفصال الشرقية عن المملكة / الحوثيين في اليمن / الأكراد في العراق / إقليم آتشيه في اندونيسيا / باكستان مهددة بالانهيار حسب تقرير CIA / مخطط تقسيم السودان ) . وسبيله في ذلك العمل على طمس هوية الأمة الإسلامية ، لإدراكه بأنه إذا قضى على هوية الأمة لا تقوم لها قائمة بتاتاً لأنها بمثابة الروح من الجسد ، فطرح هويات ضيقة قومية وعرقية وإقليمية .
إن المستقرئ لتاريخ الأمة الحديث ، يجد أن الغرب قد جنى ثمار معركته الفكرية مع الأمة بهدم الخلافة ، عبر تشويه متعمد لصورة الخليفة والخلافة وبالتعاون مع أدواته من الأحزاب العلمانية والماسونية والقومية التي لبست لبوس التحرر والتقدم ، حتى إذا هدمها عام 1924م لم تنكر الأمة ما فعل ، ومر الأمر بهدوء وكأن شيئا لم يكن . وكان من ثمار ذلك :
أولاً: عدم التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، في كثير من بلاد الاسلام ، واستُبدل شرع الله بالأحكام الوضعية
ثانياً: تمزيق جسد الأمة : بعد أن كان المسلمون يعيشون في بلد واحد يحكمه خليفة واحد، يتكلمون لغة واحدة، ولهم راية واحدة، وجيش واحد، وهوية واحدة، لا تفصل بينهم حدود ولا سدود ولا عوائق ، يربطهم قول الله سبحانه { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } ، لكن الاستعمار مزق دولة الإسلام إلى كيانات متفرقة مما أفقد الأمة وزنها على الساحة الدولية ، بعد أن كانت قوية تخاطب ملوك الأرض بكل عزة: «من رسول الله محمد بن عبد الله إلى كسرى الفرس، أسلم تسلم»، «من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم»، «من المعتصم أمير المؤمنين إلى ملك الروم أطلق سراح المرأة المسلمة وإلا جئتك بجيش أوله عندك وآخره عندي» ، ولم يكن أي شخص في الدنيا يجرؤ على المساس بأي مسلم ، أصبحت الأمة اليوم في ذيل الأمم خيراتها تُنهب وأبناؤها يذبحون ، ونساؤها تغتصب ، والأدهى من ذلك وأمرّ أنها تستجدي أعداءها لحل مشاكلها.
رابعاً: من آثار الغزو الفكري ، ظهور العلمانية في المجتمع . وللعلمانية صورتان وكلتاهما في القبح سواء:
الصورة الأولى : العلمانية الملحدة : وهي التي تنكر الدين كلية ، وتنكر وجود الخالق ، وتحارب وتعادي من يدعو إلى الإيمان بالله ، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها ، إلا أن أمرها ظاهر معروف لكافة المسلمين ، فلا ينطلي - بحمد الله - على المسلمين ، ولا يُقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه ، فخطر هذه الصورة من العلمانية من حيث التلبيس على عامة المسلمين خطر ضعيف ، وإن كان لها خطر عظيم من جهة محاربة الدين ، ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم .
الصورة الثانية : العلمانية غير الملحدة ، وهي علمانية لا تنكر وجود الله ، وتؤمن به لكنه إيمان نظري ، وتنكر تنكر تدخل الدين في شؤون الدنيا ، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا ، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة من حيث الإضلال والتلبيس على عامة المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله ، وعدم ظهور محاربتها للتدين يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقتها ، فلا يتبينون ما فيها.
وإن مما يؤسف له أن أصحاب هذه الدعوى كثر، منهم الكتاب والأدباء والصحفيين، ومنهم أساتذة في الجامعات ، ومنهم جمهرة غفيرة منتشرة في وسائل الإعلام المختلفة ، وتسيطر عليها ، ومنهم غير ذلك.وهذه الطبقات تتعاون فيما بينها ، وتستغل أقصى ما لديها من إمكانات لنشر فكرها . وكان لذلك أسوأ الأثر على بعض المسلمين ، من ذلك :
- مطالبتهم بإقصاء الشريعة عن كافة مجالات الحياة ، والاستعاضة عن الوحي الإلهي المُنزَّل على سيد البشر صلى الله عليه وسلم بالقوانين الوضعية ، واعتبار الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله تخلفًا وردة عن التقدم والحضارة ، وسببًا في السخرية من أصحاب هذه الدعوة واحتقارهم ، وإبعادهم عن تولي الوظائف التي تستلزم الاحتكاك بالشعب والشباب ، حتى لا يؤثروا فيهم .
- العمل على تحريف التاريخ الإسلامي وتزييفه ، وتصوير العصور الذهبية لحركة الفتوح الإسلامية ، على أنها عصور همجية تسودها الفوضى ، والمطامع الشخصية .
- العمل على إفساد التعليم وجعله خادمًا لنشر الفكر العلماني.
- العمل على إذابة الفوارق بين المسلمين ، وبين الكفار ، تحت شعار المساواة وأن الجميع بمنزلة واحدة ، وإن كانوا في الحقيقة يفضلون أهل الكفر والعصيان على أهل التوحيد والإيمان .فالمسلم والنصراني واليهودي والشيوعي والمجوسي والبرهمي كل هؤلاء وغيرهم، في ظل هذا الفكر بمنزلة واحدة ، لا فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار الاستجابة لهذا الفكر العلماني .
- العمل الدؤوب على نشر الفواحش والفوضى الأخلاقية ، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية ، وتشجيع ذلك والحض عليه : وذلك عن طريق :
أ - القوانين التي تمهد للفاحشة ( إلغاء بند عدم الاختلاط مؤخراً من قانون العمل).
ب – استغلال وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وإذاعة وتلفاز التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة ، والترويج للرذيلة تلميحاً وتصريحاً .
- مهاجمة العلماء والدعاة والهيئات ومحاضن الخير والتضييق على الدعوة من خلال :
أ - إفساح المجال في وسائل الإعلام المختلفة للعلمانيين المنحرفين لمخاطبة المشاهدين لنشر فكرهم المنحرف ، مع تقليل فرص مشاركة العلماء والدعاة .
ب – نعت العلماء والدعاة بالأوصاف التي لا تليق ، وتصويرهم على أنهم جماعة متخلفة فكريًا ، ومتحجرة عقليًا ، وأنهم رجعيون ، يُحاربون كل جديد ، وأنهم لا يفقهون حقيقة الأمور بل يتمسكون بالقشور ويَدعون الأصول .
ج - الحديث بكثرة عن المسائل الخلافية ، واختلاف العلماء وتضخيم ذلك الأمر ، حتى يخيل للناس أن الدين كله اختلافات وأنه لا اتفاق على شيء حتى بين العلماء ، مما يوقع في النفس أن الدين لا شيء فيه يقيني مجزوم به ، وإلا لما وقع هذا الخلاف ، والعلمانيون كثيرًا ما يركزون على هذا الجانب ، ويضخمونه لإحداث ذلك الأثر في نفوس المسلمين .
د - الاتكاء على بعض القواعد الشرعية والمنضبطة بقواعد وضوابط الشريعة ، وإيرادها في غير محلها دون مراعاة هذه الضوابط، ومن خلال هذا الاتكاء الضال والمنحرف يحاولون تروج كل قضايا الفكر العلماني أو جُلها .فمن ذلك مثلاً قاعدة ( المصالح المرسلة ) يفهمونها على غير حقيقتها ويطبقونها في غير موضعها ، ويجعلونها حجة في رفض كل ما لا يحبون من شرائع الإسلام، وإثبات كل ما يرغبون من الأمور التي تقوي العلمانية وترسخ دعائمها. وكذلك قاعدة ( ارتكاب أخف الضررين واحتمال أدنى المفسدتين ) وقاعدة (لضرورات تبيح المحظورات ) ، ( ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ، ( وصلاحية الإسلام لكل زمان ) ، ( واختلاف الفتوى باختلاف الأحوال ) ، يتخذون من هذه القواعد وأشباهها ذريعة لتمرير ما يريدون .
ولا يخفى أن هذا المسلك من أخطر المسالك وأشدها ضررًا لما فيه من شبهة وتلبيس على الناس أن هذه الأمور إنما هي مرتكزة على قواعد شرعية معترف بها ، وكشف هذا المسلك على وجه التفصيل ومناقشة كثير من هذه الأمور على وجه البسط والتوضيح في حاجة إلى كتابة مستقلة لكشف كل هذه الأمور وتوضيحها وإزالة ما فيها من لبس أو غموض .
ومما يجب التأكيد عليه هو أن اعتمادهم على هذه القواعد أو غيرها ليس لإيمانهم بها ، وليس لإيمانهم بعموم وشمول وكمال الدين الذي انبثقت منه هذه القواعد ، وإنما جعلوها أداة يتوصلون بها إلى تحقيق غاياتهم الضالة المنحرفة .
هذه هي بعض الثمار الخبيثة التي أنتجتها العلمانية ، وإلا فثمارها الخبيثة أكثر من ذلك بكثير. ويمكن تلمس هذه الثمار في واقع كثير من بلاد المسلمين ، وفي الوقت ذاته نستطيع أن ندرك إلى أي مدى تغلغلت العلمانية في بلدٍ ما اعتمادًا على ما يجده من هذه الثمار الخبيثة فيها .
خامساً: توظيف الإعلام في محاربة الإسلام . فثمة حرب ضروس أدواتها وسائل الإعلام . فالمعلومة ركن أساسي في العملية الفكرية للإنسان، والأفكار هي التي تحدد حاضر الأمة وتحدد مستقبلها، فإن كانت الأفكار مبنية على معلومات صحيحة كانت أفكاراً صحيحة منطبقةً على الواقع، وكانت الأعمال التي تُؤسَّس عليها أعمالاً صحيحة تحقق غايتها وهدفها، أما إن كانت المعلومات خاطئةً، فإن التفكير على أساسها يكون خاطئاً، ويكون العمل المترتب عليه خاطئاً ولا يحقق الأهداف والغايات. وهذا الأمر أدركه الغرب جيداً ، ولذا سعى إلى أن يسيطر على تفكير لبرمجة عقولهم بالطريقة التي تخدم أهدافه، وعدم معارضته ، وقد اعتمد عدة أساليب للسيطرة على تفكير المسلمين ، منها:
- احتكار المعلومة .
- فبركة المعلومة أو تصنيعها.
- ربط الوسائل الإعلامية بأجهزته الاستخباراتية، وعدم الإبقاء على ما يمكن أن يسمى إعلام غير منحاز، أو إعلام موضوعي.
أما احتكار المعلومة، فللتدليل على ذلك نذكر ببعض الحقائق من أرض الواقع، فهناك أكثر من مائة معهد معلوماتي منتشرة في دول الغرب تقوم برصد كل ظواهر وبواطن نفسيات وعقليات المسلمين، وكلها تبحث بأسرار وإمكانيات وثروات وتوجهات ونقاط ضعف ونقاط قوة الإنسان المسلم، مثل مؤسسة روكفلر للدراسات الاستراتيجية، فور فاونديشن للمعلومات، ومركز نيكسون للدراسات، ومؤسسة التراث الأميركية (هيريتاج) وغيرها. وهذه المؤسسات المعلوماتية توظف عدداً هائلاً من الباحثين عن الحقائق المعلوماتية المتعلقة بنا، وهي التي توجه سياسات الغرب المتوجهة ضد المسلمين، ليس السياسات العسكرية والاقتصادية فحسب، بل وحتى السياسات الإعلامية، وهذه السياسات هي التي كانت تدفع باتجاه احتكار المعلومة من قبل الغرب.
والدول المهيمنة في العالم أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا تحتكر أكثر من 90% من وسائل الإعلام العالمية، وهي رقمياً تمتلك أكثر من 70.000 محطة إذاعية، بالإضافة إلى 50.000 محطة تلفزيونية مقابل ما لا يزيد عن 3000 محطة في كل العالم الثالث، فالهوة الهائلة واضحة في وسائل الإعلام. أما فيما يتعلق بالأخبار والصحافة ووكالات الأنباء فأكثر من 90% من الأخبار تصدر عن 5 وكالات أنباء هي: أسوشيتدبرس الأميركية، رويتر البريطانية، اليونايتدبرس الأميركية، ووكالة الصحافة الفرنسية، ووكالة الأنباء الألمانية، وهي بمجموعها تسيطر على أكثر من 90% من أخبار العالم، وتسيطر أميركا على أكثر من نصفها، وتوزع يومياً أكثر من 40 مليون كلمة على صحف العالم، أما العالم الثالث فلا يوزع إلا 30.000 كلمة أي لا يبث أكثر من 1% من مجمل ما تبثه وكالات المهيمنين على العالم، و99% من الأنباء والأخبار تصدر عن وكالات غربية، فهذه الوكالات الخمس الإعلامية الإخبارية تحتكر الإعلام السياسي في العالم.
هذه الوكالات تحتكر المعلومات، وتصوغ الخبر بالطريقة التي تريد، وبالطريقة التي تخدم دولها ، وهو ما يسمى "بعملية صناعة الخبر"، فالأصل أن يقوم الصحفي بنقل الخبر بصدق وأمانة وموضوعية، ولكن الذي يجري في وسائل الإعلام غير ذلك، إذ يحصل تصرف من قبل وسائل الإعلام في الخبر، حتى يمكن أن توصف العملية بأنها غسيل للأخبار وتبييض للمعلومات في صورة مشابهة لما تفعل المافيا في عالم المال.
فبعض المحطات الفضائية توضح كيف أن كل وسائل الإعلام تصوغ الخبر والمعلومة بالطريقة التي تريدها هي حتى يحقق لها مصالحها، فهناك عملية فبركة للحدث، أو صناعة للخبر. وقد اتبعوا لذلك عدة أساليب ملتوية لإعداد مصادر نشر للأخبار منها:
1- إعطاء بعض الصحفيين ودور النشر جوائز مما قد يجعلهم مصدر معلومات معتمد. فمثلاً قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية كذبة، لكن استطاعت وسائل الإعلام الأميركية إيهام الرأي العام بخطرها، واستخدمت لذلك الكاتبة جوديت ميلر بعد أن تم إبراز هذه الصحفية وإعطائها مصداقية وهمية بمنحها جائزة على مستوى الصحافة الأميركية.
2- مهاجمة بعض الصحفيين المحايدين وتهميشهم، أو قتلهم أحياناً.
3- إعطاء بعض الإعلاميين بعض الأخبار الصحيحة والخاطئة بسبق صحفي لخلط السم بالدسم.
أما مسألة عدم وجود إعلام غربي نزيه أو حر فأمر ثابت، فمثلاً حينما نسمع عن الـ(بي بي سي) يقفز مباشرة إلى الذهن معنى الرصانة والنزاهة والموضوعية والحرفية في نقل الخبر، لكن في سنة 1970م أرسلت الحكومة البريطانية إلى الـ(بي بي سي) أنها لم تعد راضية عن الكيفية التي تغطي بها الصراع مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، وطلبت منها أن تتبنى وجهة نظر الحكومة البريطانية؛ فتصف عناصر الجيش الجمهوري الإيرلندي بأنهم إرهابيون. ومن ذلك أيضاً ما نقلته صحيفة الواشنطن بوست أن رئيس الـ(سي إن إن) ولتر جاكسون طلب من مراسلي مؤسسته أن يُذَكِّروا جمهورهم بالأميركيين الذين قتلوا في أحداث الحادي عشر من أيلول كلما تكلموا عن الإصابات المدنية في أفغانستان، وقال لهم ما نصه «إنه من الحماقة أن نركز كثيراً على إصابات الأفغانيين وظروفهم الصعبة» وسبب ذلك أنه لا يريد أن يحدث أثراً لدى المستمع الأميركي مما يحدث أثراً عكسياً على تأييد شعبه للحكومة الأميركية في خطواتها. وهذا ما يقر به دهاقنة السياسة الغربية، فمثلاً في مقابلة صحفية مع بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي المخضرم الأسبق نيكسون، أجرتها معه قناة (سي إن إن) قبيل حرب الخليج الأولى حيث قال: «أنا آخذ فقط 20% من الأخبار السياسية المنشورة في الجرائد والتلفاز أما الثمانون بالمائة الباقية فإنها ببساطة كذب وتضليل».
وإذا نظرنا نظرة سريعة لصفحات المجلات والجرائد ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة لظهر كم هي بعيدة عن ترسيخ هوية الأمة وتكريس الانتماء لها من خلال:
1- تكريس مفاهيم تناقض العقيدة الإسلامية، كالدعوة للديمقراطية والتغني بصفاتها، والدعوة إلى التغريب ، والهجوم على المفاهيم الإسلامية التي تدعو إلى تطبيق الشريعة، بل ويتم غمز الشريعة الغراء من حين لآخر بدعوى عدم مناسبتها للعصر، وأن تطبيق الحدود "همجية"، وبعضهم يهاجم السنة والصحابة الذين نقلوها إلينا حتى يفرغوا الدين من محتواه .
2- الترويج للفاحشة والاختلاط بين الجنسين تحت دعاوى "الفن والتطور"، وانتشار الترفيه الساقط والخلاعة بشكل يتنافى مع أبسط النظم الأخلاقية ، ويكفي أن نذكر أن هناك أكثر من 20 محطة فيديو كليب "تبث برامجها حسب توقيت مكة المكرمة".
3- تركيز الهجوم على أحكام شرعية معينة كالحجاب والاستهزاء به في برامج عديدة ومناقشة موضوع تمسك الفتيات بالحجاب.
4- مهاجمة المخلصين في التيار الإسلامي، وتخويف الناس منهم بدعوى أنهم "إرهابيون".
5- ومن أخطر ما نجد في وسائل الإعلام المغالطات في عرض الحقائق بحيث تتجاهل الأمور الكبيرة وتبرز الأخبار التافهة، ومن أمثلة ذلك : - التركيز على العداء الصهيوني ضد الفلسطينيين خاصة والتغطية والتستر على أن عداء اليهود هو للأمة الإسلامية جميعاً.
- ومن ذلك إهمال الحديث عن التصريحات الخطيرة والكثيرة للسياسيين الغربيين التي تبين الكره للإسلام والمسلمين ، من ذلك :
أ - خطاب وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك الذي ألقاه في مؤسسة التراث(HeritageFoundation) بتاريخ (5/10/2005م ) وهي مركز فكر محافظ في واشنطن دي سي، حيث كشف فيه وبوضوح أجندة الحكومة البريطانية هي محاربة الإسلام.
ب - تصريح الجنرال ريتشارد مايرز -رئيس هيئة الأركان العامة في أميركا- أثناء زيارته لتركيا بعد جولة له في العراق وأفغانستان، ونشرته بعض الصحف التركية (تركمان وحريات ومليات) في 30/8/2005م وأفصح فيه عن محاربة الاسلام باسم محاربة التطرف فقال : " في حال انسحاب القوات الأميركية فستعم الفوضى العارمة في المنطقة، وسيتمكن الإسلاميون المتطرفون من الوصول إلى الحكم في كثير من الدول والتي من بينها تركيا ".
فلماذا تهمل وسائل الإعلام كل ما سبق، فضلاً عن غضها النظر عن ما أدلى به بوتين وكثير غيره من رؤساء العالم مراراً وتكراراً وفي مناسبات مختلفة، حيث اعتبروا أن التهديد الحقيقي للعالم يأتي من الاسلام ؟.
وبالمقابل تركز على الأخبار التافهة " الراقصة شاكيرا ترقص في فيلم هندي " . "باريس هلتون سجنت ستة أشهر لأنها ضبطت تقود السيارة وهي ثملة " ، " مايكل جاكسون حاول الانتحار خمس مرات". ؟.
والله أعلم وصلى لله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


خدمات المحتوى


جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1435 saadalbreik.com - All rights reserved