الجمعة 26 شوال 1435 / 22 أغسطس 2014    
في


ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها


03-23-1433 05:24
(الافساد في الأرض) من المعاني التي كرر القرآن ذكرها للتحذير منها وبيان عظيم خطرها، فالله تعالى قد نهى عن الفساد فقال: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، وقال: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}.
قال ابن كثير: ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض. وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد؛ فنهى تعالى عن ذلك. أ.هـ.
وجعل الله تعالى الفساد والإفساد بمقابل الصلاح والإصلاح، فقال عز وجل {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.
وقد كان الإفساد في الأرض من الأمور التي خشيت منها الملائكة لعظم خطرها وضررها، وذلك لما أعلمهم جل وعلا بخلق آدم عليه السلام فقال تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون}.
والإفساد في الأرض من سمات اليهود ، قال عز وجل { ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين}.
والإفساد في الأرض من عمل فرعون وشيعته ، قال تعالى {وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد}، وقال تعالى {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}.
وقد توعد الله المفسد في الأرض بالعقاب الأليم، فقال تبارك وتعالى {والله يعلم المفسد من المصلح}، وقال {فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين}، وقال عز وجل {وربك أعلم بالمفسدين} وهذا العلم ليس فقط هو مجرد الإدراك والإحاطة، وإنما يتبعه الحساب والجزاء، قال تعالى {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون}، وقال تعالى {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}.
ونهى الله تعالى عن متابعة المفسدين فقال {ولا تطيعوا أمر المسرفين* الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} لما في ذلك من عصيان الرب عز وجل والتعرض لعقوبته الشديدة وتضييع مصالح العباد والتضييق عليهم بقطع السبل ومنع الخيرات والصد عن سبيل الله.
ومدح الله تعالى أهل الصلاح والإصلاح، وبين أنهم لا يتساوون في ميزانه مع أهل الفساد والإفساد، فقال {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار}، وقال عز وجل {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي ". أخرجه الترمذي.
وحذر تعالى من الإفساد في الأرض؛ لأنه من صفات المنافقين فقال تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين...}إلى أن قال: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}. والإفساد في الأرض من أخلاق الفسقة العصاة كما قال {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}.
إن الإفساد في الأرض من أسباب الهلاك ، قال تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً }. وقال تعالى{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } .
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها لما سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت له: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ". رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه .وروى أبو داود في سننه وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" لن يهلك الناس حتى يَعْذِروا من أنفسهم". أي يكثر فسادهم وخبثهم.
ولا يقتصر شؤم المعصية على الإنسان وحده بل إنه ليشمل النبات والحيوان.
وجد في خزائن بني أمية حبة حنطة كنوى التمر ومعها ورقة مكتوب فيها : كان هذا ينبت في زمن العدل . وقال مالك بن أنس رحمه الله: كاد الضب يموت في حُجْره هزلاً من ظلم بني آدم . وقال رجل عند أبي هريرة رضي الله عنه : إن الظالم لا يظلم إلا نفسه ، فقال أبو هريرة: كذبت ، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن الحُبارى ــ نوع من الطيور يشبه الإوزـــ لتموت في وكرها من ظلم الظالم.ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات الإلهية ( 178 ـــ 179).وقال قتادة : إن دواب الأرض تدعو على خطائي بني آدم إذا احتبس القطر في السماء ، يقولون : هذا عمل عصاة بني آدم ، لعن الله عصاة بني آدم . ( المصدر السابق 69 ) .
وإن واقعنا لينذر بشر وشؤم ، فالعلمانيون يجاهرون بعداوتهم للدعوة والعلماء والحسبة وبعضهم يتطاول على الذات الالهية ، وبدأ الانحلال الخلقي يظهر على بعض الشباب والفتيات ومظاهر الانحراف في السلوك بدأت تنتشر ، وكثرت الفتن بكل ألوانها وأوصافها ، من مجاهرة بالسوء والفجور ، وإدمان على شرب المسكرات والخمور، وتنافس بين النساء في التبرّج والسفور . قال صلى الله عليه و سلم :" إن أمتي يشربون الخمر في آخر الزمان، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف، والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير". وقال صلى الله عليه و سلم :" ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف".
والفساد في الأرض معنى كبير يدخل فيه:
- الشرك بالله تعالى وعبادة غيره. قا ل ابن القيم رحمه الله : قال أكثر المفسرين في قوله تعالى { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض ، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم فساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بان يكون الله وحده هو المعبود المطاع والدعوة له لا لغيره والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا ، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أمر بمعصيته و خلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله.
- ومن الافساد في الأرض : قتل الأنفس المعصومة، وإتلاف الأموال المحترمة، وقطع السبل الآمنة، ونشر الرعب والخوف بين الناس؛ كما قال تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.
وبين سبحانه أنه لا يحب هذا الصنف من الناس فقال {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}.

- ومن الافساد في الأرض : المعاصي والذنوب مثل :
ترويج المخدرات ، حيث وقع ما نسبته 1 % في بعض التقديرات فريسة للمخدرات أي حوالي مائتي ألف شخص في المملكة ، وفي جدة وحدها هناك 30.000 شاب يتلقون العلاج من المخدرات ، فكم هو عدد من يُصرُّون على الإدمان ولا يتلقون العلاج ، وكم هو عدد المدمنين في مدن المملكة الأخرى ، الذين هُمشوا في المجتمع وأقصوا عن أي دور بنّاء ينفعهم وذويهم ووطنهم ، بعد أن دمرتهم الحبوب المخدرة ونقلت الكثير منهم من مقاعد الدراسة إلى السجون والاصلاحيات؟.
تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 28 % من المحكوم عليهم في جرائم جنائية هم ممن يتعاطون المخدرات ، وتتنوع جرائمهم ما بين القتل والسرقة والاغتصاب
إن توفيق الله وعنايته مكنت الأجهزة المختصة من ضبط أعداد كبيرة من الحبوب المخدرة قبل وصولها إلى السوق لتفتك بالأبرياء.
فقد تمكن رجال مكافحة المخدرات من كشف عصابات محلية وضبط مواد مخدرة تقدر بمئات الملايين من الريالات ، وفي آخر حصيلة تم الكشف عنها قبل أسبوعين ، أعلنت وزارة الداخلية عن إلقائها القبض على 362 متهما بالتورط في تهريب وترويج المخدرات، وذلك عبر عدد من العمليات التي تم تنفيذها في شهري ذي القعدة وذي الحجة من العام الهجري المنصرم 1432 ، شهدت 31 عملية منها "مقاومة مسلحة"، أصيب على أثرها 7 من رجال الأمن وأحد المروجين .
وضبطت السلطات الأمنية، طبقاً لبيان كشفت الداخلية عن تفاصيله، كمية من المخدرات، تقدر قيمتها السوقية بـ866.7 مليون ريال. وبلغ إجمالي ما تم ضبطه من المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في هذه العمليات ما يلي :
4كيلوجرامات و832 جراماً و900 مليجرام من الهيروين الخام.
5 أطنان و819 كيلوجراما و52 جراماً من الحشيش المخدر.
4 ملايين و920 ألفاً و945 قرصا مخدراً.
كما تم ضبط مبالغ مالية نقدية في حوزة المتهمين بلغ إجماليها 12 مليوناً و867 ألفاً و276ريالا سعودياً.
هذا فقط ما تم في الفترة القريبة الماضية ، فما بالنا بحجم المضبوطات على مدار العام ، وما بالنا بما دخل ولم يتم ضبطه؟، لا شك أن الأمر مهول ويبعث على الحذر لشديد والاحتياط الأكيد .
إن مادة الكبتاجون فضلاً عن كونها مادة مخدرة ، فإن أضرارها الصحية في غاية الخطورة لأنها تحتوي على مادتين هما (الأفدرين) و(الأنفيتامين) ودمجهما سوياً يؤدي إلى إصابة المتعاطي بحالة من الجنون. فقد أكد تقرير طبي أن 48% من متعاطي حبوب الكبتاجون قد يصابون بإعاقة عقلية مستديمة .
ويؤكد أخصائيو الطب النفسي أن حبوب الكبتاجون قد تسبب الوفاة المفاجئة ، فالكبتاجون من المواد المنبهة للجهاز العصبي ويسبب استعماله زيادة في الحركة والنشاط والاستيقاظ لساعات طويلة وأن التوقف عن تعاطيه يصيب الإنسان بالاكتئاب والخمول والكسل والنوم لساعات طويلة. كما أن استعمال جرعات عالية منه تؤدي إلى الإصابة بجلطات القلب، كما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم المفاجئ الذي يصيب المخ بنزيف يسبب الغيبوبة والوفاة ، وقد ينتج عن استعمال جرعات عالية من الكبتاجون الإصابة بنوبات صرع وغيبوبة.
ومن هنا فإن الوصية تتأكد بضرورة أن ينتبه الآباء والأمهات الشديد سيما هذه الأيام لئلا يقع الأبناء والبنات فريسة الإدمان من حيث لا يشعرون بسبب تعاطي الحبوب المنشطة ، فلمتعاطي هذه السموم أمارات وعلامات منها : السهر المفرط ، احمرار العينين، عدم التركيز الجيد ، قلة الشهية ، إضافة إلى تغييرات أخرى سيشعر بها الوالدان لو أحسنا الانتباه لتصرفات الأبناء.
ولا يجب أن نكتفي بما يقوم به رجال مكافحة المخدرات ونتكل على جهودهم ، بل الواجب أن نكون على يقظة وحذر من كل مروج ومهرب وبائع لهذه السموم ، لأن حماية العقول من عبث العابثين وتخريب المخربين واجب الجميع ، ولذا حرص أعداء هذه البلاد على إفساد شبابها ونحر عقولهم، وقد ظهرت محاولة إفسادهم لشباب المسلمين بضرب كل ميدان ومرفق، بغزو نشطٍ ومكثف من جميع الاتجاهات، ومن كل النواحي الثقافية والأخلاقية والفكرية.
ولعل سلاح المسكرات والمخدرات الذي تفننوا في إرساله إلى مجتمعنا بشتى الصور ومختلف المسميات من أكبر الأخطار المحدقة بنا لأنها تستهدف ديننا وأخلاقنا ومواردنا واقتصادنا ونسيجنا الاجتماعي وأمننا .وليس هذا الكلام من المبالغات ولا من باب التعبئة النفسية والتحفيز المعنوي بل هو حق وواقع ، يتجلى ذلك في أبعاد عديدة :
ـ أولها البعد اجتماعي ، لأن تعاطي المخدرات يؤثر على الحياة الاجتماعية تأثيرًا سلبيًا، فانشغال المتعاطي بالمخدر يؤدي إلى اضطرابات شديدة في العلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية. فكم مزَّقت المخدرات والمسكرات من صِلات وعلاقات، وفرقت من أُخُوَّةٍ وصداقات، وشتَّتت أسرًا وجماعات، وأشعلت أحقادًا وعداوات، كما قال تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ} وإن جوًا تنتشر فيه هذه الأدواء والمهلكات لهو جوّ يسوده القلق والتوتر، ويخيم عليه الشقاق والتمزق.
ـ ثانيها البعد الأخلاقي ، لأن الذي يلقي بنفسه في سموم المسكرات يسهل عليه أن يبذل كل غالٍ ونفيس، ويضحي بكل عزيز من أجل الوصول إليها والحصول عليها، حتى ولو كان ذلك من أضيق المسالك وأخطر الطرق، فقد يسرق أو يختلس ، وربما وصل به الأمر إلى التخلي عن كثير من القيم والأخلاق في سبيل الحصول على المخدر .
ـ ثالثها البُعد الصحي ، لأن من يسير في هذا المسلك الوعر تضعف قواه الجسدية والعقلية، ويعجز عن العمل لينقلب عالة على المجتمع ، وقد ينتهي به الحال إلى الإعاقة الكاملة أو التشوه، بعد أن يفقد كل مميزاته الإنسانية من عقل وخلق ، ومقوماته الاجتماعية من عمل مثمر أو وظيفة نافعة أو صناعة رابحة، كما يفقد أهله وعشيرته وأصدقاءه، وفي ذلك ضياع للفرد الذي هو كيان الأسرة ولبنة في قيام المجتمع، وإذا فقدت الأسرة كيانها حل بِها التمزق، فيصبح بناء المجتمع هشًا ضعيفًا، لا يستطيع أن يقف أمام العواصف المعادية والتيارات الوافدة، ويصير فريسة سهلة لأي عدو يتربص به الدوائر.
ـ رابعها البعد الاقتصادي ، فالأضرار الاقتصادية الناجمة عن تعاطي المخدرات كبيرة جدًا ، ذلك أن مدمني المسكرات والمخدرات يشكلون عائقًا كبيرًا في طريق التنمية والتقدم الاقتصادي، إذ يصبحون عبئًا ثقيلاً على عاتق الدولة بما يهدرون من ثروات في أيديهم ، فضلاً عن عدم الجدوى الوظيفية، فلقد أثبتت الدراسات التي قام بِها الباحثون المتخصصون أن تعاطي وإدمان المخدرات يؤثران على إنتاجية الفرد في العمل، من خلال ما يطرأ على الفرد من تغييرات نتيجة للتعاطي والإدمان، وأن هذا التأثير يشمل كَمَّ الإنتاج وكيفَه ، إضافة إلى تكلفة الجهود التي تبذل لمكافحة تهريب وترويج وتعاطي المخدر من حيث تخصيص إدارات مهمتها مكافحة المخدرات والقضاء عليها، وما يتبع ذلك من إنفاق الأموال الطائلة عليها، وتكليف الكثير من الكفاءات للعمل بها، وكان يمكن أن توجه تلك الأموال، وأن تصرف تلك الجهود إلى أعمال نافعة ومهام أخرى تسهم في توفير كثير من الخدمات الأخرى للمجتمع ، ثم علاج المدمنين من الإدمان ثم تأهيلهم ليعودوا لبنات صالحة في المجتمع.
ـ خامسها وأخطرها البعد الأمني ، فالأمر لا يقف عند حدود القبض على مروج أو مدمن ، بل يتعدى ذلك إلى تحقيق قدر كبير من الأمن بكافة أنواعه الحسي والفكري والاجتماعي ، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن انتشار الجرائم وتفشيها في المجتمعات تعود بشكل رئيسي إلى تعاطي المسكرات والمخدرات ، ذلك أن المدمن عادة ما يكون فاشلاً في مجتمعه، عاجزًا عن القيام بأي عمل ينفعه، إضافة إلى أنه يتجرد من الشعور بالمسؤولية، نتيجة تعاطيه لتلك السموم، ومن كان هذا شأنه فإنه سيقدم على طلب المال وتحصيله من أي مصدر، وبأي وسيلة حتى لو استدعى ذلك منه ارتكاب الجرائم بشتى صورها.
كذلك فإن تَهريب المسكرات والمخدرات وترويجها وتعاطيها يؤدي إلى تحريك النزعات العدوانية والإجرامية لدى كل من يتعامل معها، فالمهرب لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم في الحصول على منفذ لإيصال ما لديه من سموم إلى المكان المقصود، كما أن المروج لا يتوقف عن ابتكار أسوأ الطرق والوسائل للوصول إلى فريسته، ولعل تأثيره على الأطفال وحديثي السن كبير جدًا؛ لما يقدمه لهم من إغراءات، ولعدم وعيهم الكافي عن أضرار المخدرات، وعدم معرفتهم بالشخصية التي ينتحلها ذلك المروج، ليوقعهم في وحل التعاطي والإدمان، مما قد يضطر أولئك ـ بعد تناولها والإدمان عليها ـ إلى ارتكاب جرائم السرقات والسطو للحصول على المال الذي يمكّنهم من شرائها والاستمرار في تعاطيها، وفي ذلك زعزعة لأمن واستقرار المجتمع، إضافة إلى إخلال المتعاطي بالأمن العام عند وجوده في الأماكن العامة، كما أن قيادته للسيارة تحت تأثير المخدر يشكل خطرًا عليه وعلى الآخرين .
والأخطر من هذا كله أن مهربي المخدرات لا يتورعون عن التعاون مع أي جهة حتى لو كانت من الأعداء، في سبيل تحقيق أهدافهم ومآربهم، وتحصيل مكاسبهم غير المشروعة .
انطلاقاً من هذه الأبعاد كلها كانت الأمانة الملقاة على عاتق الجميع لمكافحة المخدرات جسيمة ، والأمانة مسؤولية عظيمة أبت الجبال الرواسي أن تحملها ، قال تعالى { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً }.
والتدخين مشكلة أخرى يقع فيها الكثير ، فالتدخين يفتك بصحتهم ويلتهم جزءاً لا بأس من مداخيلهم ، إذ بلغ حجم الإنفاق على التدخين في المملكة حسب تقديرات أمين عام الجمعية الخيرية لمكافحة التدخين 17 مليار ريال ، وهذا المبلغ يكفي لتأمين راتب قدره 5000 ريال لـ 3.4 مليون أسرة محتاجة وشاب عاطل عن العمل ، أو يكفي لبناء 17مدينة طبية تسهم في تحسين مستوى تقديم الخدمات الصحية والذي وصل مستوى متميزاً حيث بلغ 92 % حسب تقرير منظمة الصحة العالمية ، وتسهم أيضاً في ضخ الكفاءات المؤهلة والمدربة التي يحتاجها القطاع الصحي والطبي وتغنينا عن أصحاب الشهادات المزورة والكفاءات المزيفة .
- ومن الافساد في الأرض : ما يفعله البعض من الطعن بالشريعة وبسنة المصطفى صلى الله عليه و سلم واعتبارها تخلفاً ويطعنون بالتدين ويرونه جموداً وتحجراً . إذا ذكرت الخرافات قالوا: هذه ثقافة ، وإذا ذكرت العادات قالوا: سائغة، وإذا ذكرت الأفكار الوافدة قالوا: تحضّر وتقدّم، يعظمون التقاليد والعادات وإن كانت فسقاً، وما عليه الكفار وإن كان جهلا وسخفاً.أما إذا تعلّق الأمر بالشعائر الدينية ، والسنن النبوية ، سلّوا سيوف الجدال واللجاج، وأطلقوا الألسنة الحداد، فقالوا: دعونا من التشدد والتنطع، وذرونا نساير ركب التقدّم والتحضّر . وهم في كل ذلك يطعنون في الشريعة ويحاربون التدين ويستهزؤن بالشعائر . ولعمر الله إن عقوبة الاستهزاء والسخرية عاجلة غير آجلة ، وإن لم نأخذ على أيدي هؤلاء هلكنا جميعاً.
عن سليمان بن يسار قال : كان أقوام في سفر فلما ارتحلوا قالوا : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} فقال رجل من القوم ، له ناقة رازم ـــ أي هزيلة من شدة المرض ـــ: أما أنا فقد أمسيتُ لهذه مقرناً . قالها مستهزئاً ، فمضت به ناقته فدقت عنقه . ( العقوبات 202 ) .
فليحذر هؤلاء من عاجل العقوبة وسرعة النكال . قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي : حدثني أحمد بن عبد الأعلى قال اخبرني أبو روح قال : كنا بمكة في المسجد الحرام قعوداً، فقام رجل نصف وجهه أسود ونصف وجهه أبيض ، فقال : يا أيها الناس اعتبروا بي ، فإني كنت أتناول الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بسبهما ، فبينا أنا ذات ليلة في شأني إذ أتاني آتٍ فرفع يده فلطم حر وجهي فقال : يا عدو الله، أي فاسق، أتسبَّ الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ؟. فأصبحت وأنا على هذه الحالة . وعن عمر بن الحكم عن عمه قال: خرجنا نريد مكة ومعنا رجل يسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فنهيناه فلم ينته ، فانطلق لبعض حاجته فاجتمعت عليه النحل والزنابير ، فاستغاث فأغثناه ، فحَمَلَتْ علينا فرجعنا ، فلم تُقْلِع عنه حتى قطعته.( العقوبات 200 ) .
إن نظرة سريعة إلى بعض ما يكتب في الصحافة أو ما تبثه بعض القنوات ، تطلعنا على حجم الإفساد والتضليل الي تمارسه . والقاسم المشرك بينها موضوع المرأة وحجابها وإخراجها من بيتها، أو لمز القائمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتتبع أخطائهم، أو الهجوم على حلقات تحفيظ القرآن للبنين والبنات والتنفير منها، وغير ذلك مما من شأنه محاربة العقيدة والفضيلة وبث الشبهات والشهوات.
ولقد كان للمرأة نصيب الأسد في هذه الحملات المشبوهة حيث دأبت منذ سنوات في الحديث عن المرأة وحجابها وحقوقها المسلوبة بزعمهم، وعن حقها في العمل والرياضة واختلاطها بالرجال وحريتها في السكنى والسفر وتمردها على قوامة الرجل ، وكأن المرأة في بلدنا تعيش في حالة من الظلم والذلة والضياع.
إن المتابع لهذا الطرح حول المرأة ليقف على أمر خطير ألا وهو سيرهم في أطروحاتهم على مخطط مرسوم قد توزعوا فيه الأدوار بين بعضهم. كما أن كتاب الصحيفة الواحدة قد وزعوا الأدوار في الصحيفة الواحدة بينهم فهذا يكتب عن عمل المرأة واختلاطها بالرجل وآخر عن بطاقتها وثالث عن سفرها وسكنها بلا محرم ورابع عن قيادتها للسيارة وهكذا إلى آخر هذه المنظومة المنظمة المتوادة بينها في الحياة الدنيا.
- ومن الافساد في الأرض : أكل الربا فإنه يخرب البلاد، ويهلك العباد، ويوجب سخط الرب عز وجل. قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } .
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم َقَالَ : " مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .رواه البخاري ومسلم .وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إذا ظهر الزنا والربا في قرية ، أُذن بهلاكها.(العقوبات 24 ) .
وها هي الحرب الربانية على الأمة قد أُعلنت ونشبت أوارها واشتد ضرامها بعد أن صار التعامل بالربا أمراً علناً . وإن ما نراه من كوارث ونكبات هنا وهناك ؛ سببه هذه الحرب التي لا يشعر بها كثير من الناس.
أورد ابن أبي الدنيا في كتابه " العقوبات " عن كردوس الثعلبي قال : قال رجل في هذا المسجد ــ يعني مسجد الكوفة ــ وكان أبوه ممن شهد بدراً : مررت على قرية تزلزل ، فوقفت قريباً أنظر إنساناً يخرج إليَّ فأسأله ، قال فخرج علي رجل ، فقلت : ما وراءك ؟، قال : تركتها تزلزل ، قال : قلت: وما كانوا يعملون ؟. قال : كانوا يأكلون الربا. (العقوبات 222 ) . وذكر عن القاسم البدري أنه قال : إن الله عز وجل إذا أراد هلكة قرية ؛ أظهر فيها الربا . ( المصدر السابق 223) .
ولو لم يكن من عقوبات أكل الربا إلا عدم استجابة الدعاء لكفى . عن ليث بن أبي سليم القرشي قال : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل : أن قومك يدعونني بألسنتهم ، وقلوبهم مني بعيدة، رفعوا إليَّ أيديهم يسألونني الخير ، وقد ملؤوا بها بيوتهم من السحت.الآن حين اشتد غضبي عليهم.(العقوبات 210 ) .
- ومن الافساد في الأرض : انتشار الزنا قال تعالى { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}.
ما استجلبت الأمراض المدمرة بمثل الزنا . ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم أقبل على المهاجرين يوماً فقال: يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن فذكر منها : " ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنـوا بهـا إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم "رواه ابن ماجه والدارمي وحسنه الألباني .
بلغ عدد المصابين بمرض الإيدز في العالم حوالي 70 مليونًا في آخر احصائية ، هذا فضلاً عن ملايين المصابين بالأوبئة الأخرى كالهربس والزهري والسيلان وأنفلونزا الطيور .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل على عائشة رضي الله عنها ومعه رجل ، فقال لها الرجل : يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة . فقالت : إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمور وضربوا بالمغاني ، وغار الله عز وجل في سمائه ، فقال للأرض : تزلزلي بهم ، فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم . قال أنس رضي الله عنه : قلت : يا أم المؤمنين أعذاب لهم ؟. قالت : بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين ، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين . قال أنس رضي الله عنه : ما سمعتً حديثاً بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا أشد فرحاً مني بهذا الحديث . ( العقوبات 29).
ومثل الزنا : اللواط . فإنه فاحشة الكبرى وجريمة نكراء ومفسدة للدين والدنيا وهدم للأخلاق، ومحق للرجولة ، وفساد للمجتمع ، وذهاب للخير والبركات ، وجلب للشرور والمصائب ، إنه معول هدم وخراب ودمار وسبب للذل والخزي والعار، والعقول والفطر السليمة تنكره وترفضه، والشرائع السماوية تزجر عنه وتمقته، لأنه ضرر عظيم وظلم فاحش ، فهو ظلم للفاعل بما جرّ إلى نفسه من الخزي والعار ، وقادها إلى ما فيه الهلاك والبوار ، وهو ظلم للمفعول به حيث هتك نفسه وأهانها ورضي لها بالسفول والانحطاط ، ومحق رجولتها فكان بين الرجال بمنزلة النساء لا تزول ظلمة الذل من وجهه إلا أن يتوب ، وهو ظلم للمجتمع كله بما يفضي إليه من حلول المصائب والنكبات ، ومتى فشت هذه الفاحشة في مجتمع من المجتمعات ولم يعاقبهم الله بدمار الديار فإنه سيحل بهم ما هو أعظم من ذلك : انتكاس القلوب وانطماس البصائر، وانقلاب العقول ، حتى يسكتوا على الباطل ويزين لهم سوء عملهم فيروه حسناً وتفشو فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم.
ولذا بلغت عناية الشريعة في سد أبواب هذه الفاحشة مبلغاً عظيماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ". والحكمة من التفريق بينهم في المضاجع سواءً كانوا من جنسين متشابهين أو مختلفين لئلا يحصل بينهم إحدى الحالات الثلاث الزنا أو اللواط أو السحاق .
قال حماد بن أسامة القرشي ، حدثنا أبو طاهر ، عن مطر الوراق أحسبه عن أبي الجلد واسمه جيلان بن فروة البصري ، قال : والذي نفس أبي الجلد بيده ، ليكونن في آخر الزمان قوم مخصبةً ألسنتهم ، مجدبةً قلوبهم ، قصيرةً أحلامهم ، رقيقةً أخلاقهم ، تتكاف الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، فيُعلَّمون قول الزور لوناً غير لون ، فإذا فعلوا ذلك انتظروا النكال من السماء. ( العقوبات 187 ) .
- ومن الافساد في الارض : شرب الخمور . قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }.
الخمر توقع العداوة والبغضاء وتصور لشاربها خلاف الواقع، ويتوهم وهو سكران القدرة على مصارعة الأسود وأنه السيد المطاع والحاكم المطلق والبحر الخضم في الكرم والجود ، لكنه في الحقيقة أضعف من دجاجة وأخبث من جمل وأبلد من حمار وأديث من خنزير . يصده الشيطان بشرابه الخبث عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقعه في معصية الله وسخطه ، يرتكب الكبائر، ويقترف الجرائم ويقع في الآثام ويخبط في الحرام ، ويترك ما يجب عليه ، من الأحكام فيفعل نكراً ، وينطق كفراً يسب ربه وأمه وأباه ، ويطلق ويزني ويلوط ويعبث بالأعراض والكرامات ويتلف أثاثه ويقيء على نفسه ، يبكي بلا سبب ويضحك من غير عجب فتهزأ به الصبيان ويسخر به السفهاء ويمقته العقلاء ويبغضه أهله وجيرانه ورحم الله عدي بن حاتم، إذ قيل له: مالك لا تشرب الخمر؟ فقال: ما أحب أن أصبح حكيم قومي وأمتي وسفيههم .
لهذا ولغيره ، حرمها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه و سلم وأجمع على تحريمها المسلمون سماها النبي صلى الله عليه و سلم أم الخبائث ، وقال : " هي مفتاح كل شر ".رواه الحاكم وهو صحيح . ( صحيح الترغيب والترهيب 2 / 601 ). وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فأحبته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة فجاء البيت ودخل معها فكانت كلما دخل باباً أغلقه دونه حتى وصل إلى امرأة وضيئة ( أي حسناء جميلة ) جالسة عندها غلام وإناء خمر فقالت له إنها ما دعته لشهادة وإنما دعته ليقع عليها أو يقتل الغلام أو يشرب الخمر فلما رأى أنه لابد له من أحد هذه الأمور تهاون بالخمر فشربه فسكر ثم زنى بالمرأة وقتل الغلام ) ثم قال عثمان رضي الله عنه : (فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه).
جعلها النبي صلى الله عليه و سلم عدلاً للشرك . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" لما حرِّمت الخمر مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بعضهم إلى بعض وقالوا : حرِّمت الخمر وجعلت عدلاً للشرك ". رواه الطبراني وهو صحيح . وقال أبو موسى رضي الله عنه :" ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السارية من دون الله عز وجل " . رواه النسائي وهو حديث صحيح موقوف .
ولعن صلى الله عليه و سلم أهلها ، قال أنس بن مالك رضي الله عنه : " لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة لها" .رواه ابن ماجه والترمذي وهو صحيح .
ونفى صلى الله عليه و سلم الإيمان عن شاربها وقت معاقرته إياها فقال صلى الله عليه و سلم : " لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " متفق عليه .
وشارب الخمر لا تقربه الملائكة.عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق. رواه البزار وصححه العلامة الألباني رحمه الله .( صحيح الترغيب والترهيب 2 / 603 ).
ولا تقبل له صلاة أربعين يوماً . عن عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" لا يشرب الخمر رجل من أمتي فتقبل له صلاة أربعين يوماً ". رواه الحاكم وهو صحيح .
وهي سبب العقوبة والهلاك . عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" يشرب أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير".رواه ابن ماجه وابن حبان وقال الألباني رحمه الله : صحيح لغيره.( صحيح الترغيب والترهيب 2 / 604 ).
واستحلالها إيذانٌ بنزول الدمار على الأمة . عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار : إذا ظهر التلاعن وشربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القيان واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء " . رواه البيهقي وقال الألباني : حسن لغيره .( صحيح الترغيب والترهيب 2 / 608 ) .
- ومن الافساد في الارض : هضم حقوق الضعفاء والتعدي عليهم وإهانتهم . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : "أبغوني في ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم" . رواه أبو داود والترمذي . وفي رواية عند البخاري والنسائي واللفظ له :" إنما تنصر هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ".
وتتأكد العقوبة إذا رأى الناس ظلم الأقوياء للضعفاء فلم يأخذوا على أيديهم .
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول إنك ظالم ، فقد تُوُدَّع منهم ". رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي .
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عينك والمظلـوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
وروى ابن ماجه بسند صحيح ،عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه و سلم يتقاضاه ديناً كان عليه ،فاشتد عليه حتى قال له: أحرّج عليك إلا قضيتني فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك ،ترى من تكلم؟ قال:إني أطلب حقي ،فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "هلا مع صاحب الحق كنتم؟" ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: "إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضي لك". فقالت نعم بأبي أنت يا رسول الله ،قال فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه ،فقال الأعرابي: أوفيت أوفى الله لك ،فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "أولئك خيار الناس ،إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعتَع ".
واحذر من المظلوم سهما صائبا واعلم بأن دعاءه لا يحجب
ذكر الإمام الذهبي في كتابه الكبائر : أن رجلا مقطوع اليد من الكتف كان ينادي في النهار من رآني فلا يظلمن أحدا فقال له رجل: ما قصتك؟ قال: يا أخي قصتي عجيبة، وذلك أني كنت من أعوان الظلمة، فرأيت يوما صيادا قد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني، فجئت إليه وقلت له: أعطني هذه السمكة، فقال: لا أعطيكها أنا آخذ بثمنها قوتا لعيالي، فضربته وأخذتها منه قهرا ومضيت بها، قال: فبينما أنا ماش بها إذا عضت إبهامي عضة قوية وآلمتني ألما شديدا حتى لم أنم من شدة الوجع وورمت يدي فلما أصبحت أتيت الطبيب وشكوت إليه الألم، فقال: هذه بدوّ آكلة اقطعها وإلا تلفت يدك كلها، قال: فقطت إبهامي ثم ضربت يدي فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم فقيل لي: اقطع كفك فقطعتها وانتشر الألم إلى الساعد فآلمني ألما شديدا ولم أطق النوم ولا القرار وجعلت أستغيث من شدة الألم، فقيل لي: اقطعها من المرفق فانتشر الألم إلى العضد، فقيل لي: اقطع يدك من كتفك وإلا سرى إلى جسدك كله فقطعتها، فقال لي بعض الناس: ما سبب هذا فذكرت له قصة السمكة، فقال لي: لو كنت رجعت من أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة، فاستحللت منه واسترضيته، لما قطعت يدك فاذهب الآن وابحث عنه واطلب منه الصفح والمغفرة قبل أن يصل الألم إلى بدنك قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته فوقعت على رجليه أقبلهما وأبكي، وقلت: يا سيدي سألتك بالله إلا ما عفوت عني، فقال لي: ومن أنت؟ فقلت:أنا الذي أخذت منك السمكة غصبا وذكرت له ما جرى وأريته يدي، فبكى حين رآها، ثم قال: قد سامحتك لما قد رأيت من هذا البلاء، فقلت :بالله يا سيدي، هل كنت دعوت علي؟ قال: نعم، قلت: اللهم هذا تقوّى علي بقوته علي وضعفي وأخذ مني ما رزقتني ظلما فأرني فيه قدرتك. أ.هـ.
إذا ما الظلوم استوطأ الأرض مركبا ولـج غلـواً في قبيح اكتسابه
فكلـه إلى صـرف الزمـان فـإنه سيبدى له ما لم يكن في حسابه
- ومن ذلك : ظلم العمال، وعدم إعطائهم حقوقهم في وقتها، والمماطلة في ذلك والتأخير، قال صلى الله عليه و سلم :" أعطوا العامل أجره قبل أن يجفّ عرقه ".
وفي قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وانطبقت عليهم الصخرة، فدعوا الله بصالح أعمالهم، فكلما دعا واحد فرج الله عنهم جزءاً منها حتى كان آخرهم، قال: اللهم كان لي أجراء، استأجرتهم، فأعطيتهم حقوقهم إلا واحداً، ترك الذي له وذهب، فثمّرته حتى كان منه الإبل والبقر والغنم والزرع، فجاءني فقال: يا فلان أعطني حقي، فقلت له: كل ما ترى من إبل وبقر ورقيق وحرث هو لك، قال: أتستهزئ بي؟! قلت: لا، قال: فأخذه كله، ولم يدع لي منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت وخرجوا يمشون رواه البخاري .
- ومن الإفساد في الأرض : النقص والتطفيف في الكيل والميزان إذا باعهم ، وعدم إعطائهم حقهم من الزكاة ، ومنعهم حقوقهم ، وقد حذر النبي صلى الله عليه و سلم من هذه الأسباب في حديث واحد.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ : " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". رواه ابن ماجه وهو صحيح .
كتب أخو محمد بن يوسف إليه يشكو جور العمال فكتب إليه : يا أخي ، بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه ، وإنه لا ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة ، وما أرى ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنب. (صفة الصفوة 4/18 ).
- ومن الافساد في الأرض : السرقة . لأنها تعدٍ على حقوق الآخرين، وداخلة في أكل أموال الناس بالباطل؛ ولذلك حرمها الله عز وجل وأوجب فيها حدّ القطع {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم } . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً " متفق عليه .
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله عليه النار وحرّم عليه الجنة قيل: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك ".
فخف القصاص غدا إذا وفيت ما كسبت يداك اليوم بالقسطاس
في مـوقف مـا فيه إلا شاخص أو مهطـع أو مقنـع للراسِ
أعضاؤهم فيه الشهـود وسجنهم نار و حاكمهم شديد البـاس
إن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى فغدا تؤديهـا مـع الإفلاس
وبالرغم من التوعية المستمرة بحرمة السرقة وخطورتها ، وبالرغم من الحدود والعقوبات التي تطبق على من وقع فيها ، فإن معدل السرقة يتزايد بشكل واضح، وفي ظل عدم وجود إحصائيات دقيقة تبين مدى زيادة معدل السرقة ، فإني أورد دراسة حديثة عن حجم السرقة في سوق الذهب لأدلل على ازدياد حجم ونسبة السرقة في المملكة ، هذه الدراسة نشرتها بعض المواقع المتخصصة حيث أوردت أن سوق الذهب تعرض لسرقة مبالغ طائلة تبلغ 400 مليون ريال !!. هذا في سوق الذهب وحده ، ولا يمكن تحديد حجم هذه الظاهرة في باقي الأسواق والقطاعات لكن الأمر خطير دون أدنى شك .
ومن السرقة اغتصاب الأراضي . روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: " من ظلم من الأرض شيئاً طوقه من سبع أرضين ". وروى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين ".
ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله ، أنه كانت هناك امرأة يقال لها أروى بنت أويس ،شكت الصحابي الجليل سعيد بن زيد رضي الله عنه إلى مروان بن الحكم أمير المدينة واتهمته بأنه أخذ شيئاً من أرضها ،فقال سعيد رضي الله عنه : أنا آخذ شيئاً من أرضها بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في ذلك ؟. فقال له مروان وماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟. قال: سمعته يقول: " من اقتطع شبراً من أرض طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين ". فقال مروان: لا أسألك بعد هذا بينة ،يكفيني قولك هذا، فقال سعيد رضي الله عنه : اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها ،وفي رواية واجعل ميتتها في هذه الأرض ، قال راوي الحديث ، عروة بن الزبير ، : فو الله لقد عمي بصرها حتى رأيتها امرأة مسنة تلتمس الجدران بيديها، وكانت في هذه الأرض بئر ،وكانت تمشي في أحد الأيام فسقطت في البئر وكان ذلك البئر قبرها.
روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ". وقال صلى الله عليه و سلم :" من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم ،قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ،إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه". رواه البخاري .
وقال النبي صلى الله عليه و سلم : " أتدرون من المفلس؟، قال:المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة ونسك ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وضرب هذا وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه ثم طرح في النار ", رواه مسلم . وقال النبي صلى الله عليه و سلم لكعب بن عجرة رضي الله عنه : " يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم أو دم نبت من سحت، النار أولى به. يا كعب: الناس غاديان؛ فغاد في فكاك نفسه فمعتقها، وغاد فموبقها ". أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني .
- من الافساد في الأرض : الرشوة . فإن من شر ما تصاب به الأمم أن تمتد أيدي عمَّالها وأصحاب المسؤوليات فيها إلى تناول ما ليس بحق. فصاحب الحق لا ينال حقه إلا إذا قدم مالاً، وذو الظلامة فيهم لا ترفع مظلمته إلا إذا دفع رشوة.
وهذه من صفات اليهود قال تعالى { سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ } . وقال تعالى { وَتَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلاْحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} .
الرشوة اجتراء على الحقوق، واستباحة لحمى الله ومحارمه ، وتجعل الكرامة ضائعة، والحقوق مهضومة، والنبوغ مقبور، والجد مدفون، والغيرة على مصالح الأمة مضمحلة. والأمانة غائبة .
الرشوة خيانة وأي خيانة لأنها تخفي الجرائم، وتستر القبائح وتزيف الحقائق. ولهذا لعن النبي صلى الله عليه و سلم الراشي والمرتشي والرائش بينهما .
فالراشي والمرتشي والرائش بينهما مطرودون من رحمة الله ممحوق كسبهم، زائلة بركتهم، خسروا دينهم وأضاعوا أمانتهم، استسلموا للمطامع، واستعبدتهم الأهواء. وأغضبوا الرب، وخانوا الإخوان، وغشوا الأمة، في نفوس خسيسة وهمم دنيئة.كم من مظالم انتهكت، وكم من دماء ضيعت، وكم من حقوق طمست، ما أضاعها وما طمسها إلا الراشون والمرتشون .
بالرشوة يفلت المجرم ويدان البريء ، وبها يفسد ميزان العدل الذي قامت به السموات والأرض، وقام عليه عمران المجتمع ، فهي المعول الهدام للدين والفضيلة والخلق.
- ومثل الرشوة : الغلول ، وهي هدايا العمال . أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً من بني أسد يقال له: ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي . فقام النبي صلى الله عليه و سلم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا أهدي لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيْعَِر. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ـــ أي بياض إبطيه ــــ . ألا هل بلغت ـ ثلاثاً ـ " . قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد:
1ـــ منع العمال من قبول الهدية ممن له عليهم حكم، لحديث معاذ بن جبل لما بعثه الرسول صلى الله عليه و سلم إلى بلاد اليمن قال له: " لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول ". أخرجه الترمذي.
قال ابن حجر : يقصد بالعمال: كل من ولاه السلطان عملاً من الأعمال كالقضاة وموظفي الدولة على مختلف أعمالهم، فالنهي يشملهم.
2 ـــ وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ.( فتح الباري 13/167)
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ومن شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقد أتى باباً عظيماً من الربا ". رواه أحمد وصححه الألباني . وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مرفوعاً: " هدايا العمال حرام " . وعن أبي حميد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " هدايا العمال غلول ". رواهما أحمد والطبراني والبيهقي . وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!. وقال بعض السلف: لو قمت قيام السارية ما نفعك حتى تعلم ما يدخل بطنك؛ أحلال أم حرام .
وبوّب البخاري في صحيحه باباً وقال: (باب من لم يقبل الهدية لعلة) ثم ساق أثر عمر بن عبد العزيز قوله: (كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم هدية، واليوم رشوة).قال ابن حجر العسقلاني في هذا الباب: قال فرات بن مسلم: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئاً يشتري به، فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم ردّ الأطباق، فقلت له في ذلك. فقال: لا حاجة لي فيه . فقلت: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يقبلون الهدية؟ فقال: نها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة . متفق عليه .
قال ابن قدامة : فأما الراشي؛ فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه حقاً فهو ملعون، وإن رشاه ليدفع عنه مظلمة ؛ فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع على نفسه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (29/258).: ولهذا قال العلماء يجوز رشوة العامل لدفع الظلم، لا لمنع الحق، وإرشاؤه حرام فيهما، وكذلك الأسير والعبد المعتق إذا أنكر سيده عتقه له أن يفتدي نفسه بمال يبذله، ويجوز له بذله وإن لم يجز للمستولي عليه بغير حق أخذه.وكذلك المرأة المطلقة ثلاثاً إذا جحد الزوج طلاقها فافتدت منه بطريق الخلع في الظاهر، كان حراماً عليه ما بذلته، ويخلصها من رق استيلائه. واستدل بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتلظاها ناراً ، قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل ". رواه أبو يعلى بإسناد جيد ، وروي عن أحمد نحوه ورجاله رجال الصحيح . ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن ذلك ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فلو أعطى الرجل شاعراً أو غير شاعر لئلا يكذب عليه أو يهجوه أو يتكلم في عرضه كان بذله لذلك جائزاً.
- ومن الافساد في الأرض : الإسراف والتبذير . قال تعالى {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا – إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} ، وقال عز وجل {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} ، وقال سبحانه { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} .
وعن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ". رواه الشيخان .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا، وتصدّقوا، والبَسُوا، في غير إِسراف، ولا مَخيلة" رواه النسائي بسند صحيح .
كشف نائب الأمين في غرفة جدة عثمان باصقر عن أن الإحصاءات تؤكد أن السعوديين ينفقون ما يقارب من 20 مليار ريال سنويا على السفر إلى الخارج.
ومجموع ما أنفقوه على العطورات والتجميل فقط دون غيرها من الكماليات بلغ 1.4 مليار دولار عام 2006 حسب تقديرات مؤسسة Ac nilson .
لو أن هؤلاء اقتطعوا 1 % من إنفاقهم على السياحة وعلى الكماليات لتوفر مبلغ يفوق 14 مليون دولار يمكن استثماره في تدريب الشباب وتأهيلهم وفي أوجه التنمية البشرية المختلفة
ولنقُلْ مثل ذلك عن ما يمكن أن يتوفر من مبالغ طائلة من الإنفاق السياحي وفائض الأطعمة والتدخين والمخدرات والسيارات وألوان الكماليات الأخرى فنسبة الـ 1 % كفيلة بإذن الله في حل كثير من المشكلات الاجتماعية التي يكون سببها مالي .
حاويات مخلفات الأطعمة تستقبل ما يربو على 90 طناً من فائض الأرز، وهذه الكمية تستنزف من ميزانيات الأسر السعودية حوالي 300 مليون ريال سنوياً ( جريدة الرياض السبت 15 صفر 1431 الموافق 30 يناير 2010م العدد 15195 ) .
هذا الرقم يتعلق بفائض الأرز الذي يرمى في حاويات مخلفات الأطعمة، فكم هي الأرقام التي تعود إلى أصناف الطعام الأخرى غير الأرز والتي ترمى في حاويات القمامة لا في الحوايات المخصصة لمخلفات الأطعمة ؟.
عن أبي العبيدين قال: سألت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن المبذرين؟ قال: "الذين ينفقون في غير حق" (تفسير ابن كثير 3/39).
وعن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "لا تنفق في الباطل فإن المبذر هو المنفق في غير حق" ( الدرر المنثور 5/275). فلم يكن من هدي السلف الصالح الإسراف وتضييع الأموال؛ بل كانوا مقتصدين ينفقون أموالهم في الحق، ويحفظونها عن الإنفاق فيما لا فائدة فيه .
قال الحسن رحمه الله: "كانوا في الرحال مخاصيب، وفي الأثاث والثياب مجاديب" (إحياء علوم الدين مع إتحاف السادة المتقين 6/160).
قال الزبيدي: "أي: ما كانوا يعتنون بالتوسعة في أثاث البيت من فرش ووسائد وغيرها، وفي ثياب اللبس وما يجري مجراها كما يتوسعون في الإنفاق على الأهل" . (إتحاف السادة المتقين للزبيدي 6/160).
وأبصرت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها حبة رمان في الأرض فأخذتها وقالت: "إن الله لا يحب الفساد" (الطبقات الكبرى لابن سعد8/110).
وقال أحمد بن محمد البراثي: قال لي بِشر بن الحارث لما بلغه ما أنفق من تركة أبينا: قد غمني ما أُنفق عليكم من هذا المال؛ ألا فعليكم بالرفق والاقتصاد في النفقة؛ فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال أعجبُ إليّ من أن تبيتوا شباعاً وليس لكم مال، ثم قال له: اقرأ على والدتك السلام وقل لها: عليك بالرفق والاقتصاد في النفقة. (الحث على التجارة والصناعة والعمل لأبي بكر الخلال 58 ـ 59) .
قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى {ولا تبذر تبذيراً}: "قال أشهب عن مالك: التبذير هو منعه من حقه، ووضعه في غير حقه، وهو أيضاً تفسير الحديث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. وكذلك روي عن ابن مسعود، وهو الإسراف، وذلك حرام بقوله: }إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين{ وذلك نص في التحريم" (أحكام القرآن 3/ 1203).
قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله: }إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين{ أي في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته؛ ولهذا قال: }وكان الشيطان لربه كفوراً{ أي جحوداً؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته" (تفسير ابن كثير 3/40).
من مضار الإسراف :
أ- أن فيه طاعة للشيطان ومعصية للرحمن.
ب- يباعد من الجنة ويقرب من النار.
ت- المبذر أخ للشيطان.
ث- التبذير رجوع إلى الجاهلية وعاداتها القبيحة.
ج- التبذير إتلاف للمال وتضييع له.
ح- التبذير عند الموت لا يعد من الصدقة المقبولة وهو مردود على صاحبه .
خ- التبذير يؤدي للفقر ويحتاج صاحبه إلى الذل للخلق في حال إفلاسه.
د- المبذر معرض للعين، والحسد، والحقد.
ذ- التبذير فيه اتباع للهوى وبعد عن الحق.
ر- التبذير يشعر الإنسان بالمرارة خاصة إذا اقترب الجل.
ز- مجلب لغضب الرب سبحانه لأنه ينافي كمال الإيمان .
ر- التشبه بالشيطان في الإفساد.
س- يجلب الندم والحسرة على ما ضاع من المال من غير فائدة.
ش- يطبع المجتمع بطابع الانحلال والبعد عن الجد والاجتهاد.
ص- المبذر يصبح عالة على غيره.
ض- قسوة القلب، خمول الفكر.
(نضرة النعيم (9/3884-3895)، و(9/4120-4113).
- ومن الافساد في الارض : أكل مال اليتيم والضعيف . فأموال اليتامى أمانة لدى الولي، وإن تعدى على شيء منها كان ظالماً { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } وبين تعالى أن أكل أموالهم بغير حق ظلم { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً }.
- ومن الافساد في الأرض : ظلم المرأة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة" رواه ابن ماجه والنسائي وهو صحيح .
فمن ظلم المرأة : منعها صداقها { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}، فالصداق من حقوقهن الخاصة ليس لأحد فيه حق إلا بطيب نفس منها، قال تعالى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }.
ومن ظلم المرأة ً: المضارة في العشرة قال تعالى {وعاشروهن بالمعروف}فبعض الناس إذا لم يحب امرأته ، اعتدى عليها بالضرب والإهانة والتجريح لكي تفتدي نفسها منه ، وإن لم يكن منها قصور ولا خطأ، فيسعى في الإضرار بها، وتشويه سمعتها، وتلفيق التهم بها، وعيبها وعيب أهلها، ليتقوا شر لسانه، فيدفعوا له ما دفع لها قال تعالى{وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} .
ومن ظلم المرأة : منعها من الزوج الصالح التقي، قال صلى الله عليه و سلم : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " . رواه الترمذي.
ومن ظلم المرأة : عدم تعليمها أمور دينها، وعدم تعليمها مكارم الأخلاق كالصدق والبر وحسن الكلام .وعدم حمايتها من المعاصي. وكل هذا من غش الرعية، قال صلى الله عليه و سلم : "ما من عبد يسترعيه الله رعية فيموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". رواه مسلم .
ومن ظلم المرأة : الميل مع بعض الزوجات دون بعض . فالعدل بين الزوجات أمر واجب ، وتفضيل بعضهن على بعض في الأمور الظاهرة محرم شرعاً، وقد أخبر صلى الله عليه و سلم أن من له زوجتان فمال مع إحداهما عن الأخرى، جاء يوم القيامة وشقه مائل . رواه أحمد وأبو داود والترمذي .


خدمات المحتوى


جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1435 saadalbreik.com - All rights reserved