السبت 3 شعبان 1438 / 29 أبريل 2017    
في



01-20-1434 03:42

الحمد لله اما بعد : يقول تعالى {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} . فالله تعالى هو العلي الكبير العظيم المتعال الذي جاوزت عظمته حدود العقول وأذهلت الأفهام وقصرت عن مدارك البشر . فتعظيمه وتعظيم شعائره من أظهر علامات الإيمان. وإن من عظيم جلال الله وهيبته أنه إذا تكلم بالوحي ، أرعد أهل السموات خوفاً وفرقاً منه سبحانه ، حتى يصيبهم مثل الغشي {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}. قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير". رواه البخاري . وكان خاتم الأنبياء والمرسبين وسيد الأولين والآخرين ، صاحب المقام المحمود وحامل اللواء المعقود من أشد الناس تعظيماً لربه . أخرج أبو داود بسند صحيح أن أعرابياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نستشفع بالله عليك ، فقال صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه ". إذا كان هذا التعظيم وهذا الإجلال وهذا الخَضَعَان من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ومن خليل الرحمن وصاحب الشفاعة العظمى الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف بمن كُتِب عليه حظه من الذنوب والمعاصي؟. يقول ابن عباس رضي الله عنهما : (يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لَمَا تَأْمَنُ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَلَمَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ؟ وَقِلَّةُ حَيَائِك مِنْ مَلَكِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ: أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ, وَفَرَحُك بِالذَّنْبِ إذَا ظَفِرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ، وَضَحِكُكَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِك أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ, وَحُزْنُك عَلَى الذَّنْبِ إذَا فَاتَك أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ, وَخَوْفُك مِنْ الرِّيحِ إذَا حَرَّكَتْ سِتْرَ بَابِك وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ وَلَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُك مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إلَيْك أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ). عباد الله : يقول تعالى ذاماً من لم يعظمه حق عظمته ولم يعرفه حق معرفته ولم يصفه بصفات جلاله ونعوت كماله { مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} ، فما بالنا بالذين تطاولوا على الذات المقدسة بالسب والشتم والانتقاص وشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورموه بأنواع النقائص ، وسبوا القرآن ودين الإسلام ووصفوه بالأوصاف القبيحة ، كمن يصفه بأنه دين رجعي ودين متخلف . ومعلوم عند جميع أهل العلم أنه لا يعيب الإسلام، ولا ينتقص الإسلام ولا يسخر بأوامر الإسلام، ونواهي الإسلام من في قلبه إيمان، كما قال تعالى { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} . يقول ابن تيمية رحمه الله : ( من اعتقد الوحدانية والألوهية لله والرسالة لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام، بل قارنه بالاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول والفعل كان ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبا لفساد ذلك الاعتقاد ومزيلا لما فيه من المنفعة والصلاح ) . إن بعضاً ممن فُتنوا بحضارة الغرب وجدوا في التنقص من دين الله والسخرية به وبالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ، إشباعاً لعقدة النقص التي يعيشونها تجاه الغرب وحضارته . ومما أغراهم بذلك وأزهم عليه وحثهم إليه ضحالة فكرهم ، وجهلهم بدينهم ، فإذا قام غربي يهزأ بشرع الله ، وجد له تابعاً وإمَّعَةً من أبناء المسلمين يردد مقالته ، وإذا ذُكرت المخترعات الغربية تراهم يمجدونها وينبهرون بها ، وإذا ذُكرت السنن النبوية والمعجزات والكرامات التي أجراها الباري على يد نبيه صلى الله عليه وسلم والتي يعجز العقل البشري عن إدراكها ، سمعت منهم الغمز واللمز، والاستهزاء . ركبوا موجة الحرب على الإرهاب التي هي في حقيقتها حرب على الإسلام ، وقد حكى حالهم وبين حقيقتهم الكاتب الصهيوني (توماس فريدمان) عندما قال : (علينا أن نعي أنهم هناك، وأن الحادي عشر من سبتمبر شجعهم على الظهور، وأنه كلما أسرعنا في إنهاء المسألة العراقية أمكن لنا تهدئة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وأدى ذلك لاكتساب طرحهم المزيد من الزخم، تمنوا لهم التوفيق فهم : عبد الرحمن الراشد، وعبد الله أبو السمح، وأسامة غزالي.. أفضل من يمكن أن نعلق عليه الآمال بشأن إحداث التغيير من الداخل، وهو التغيير الوحيد الذي يهم الجميع ) . (جريدة الشرق الأوسط - بتاريخ: (16/12/2002م) . وفريق امتلكتهم النقمة على أهل الخير والصلاح لما هم فيه من طهر وعفاف وفضيلة وسمو ، كما أخبر تعالى عن سلفهم الذين كفروا بلوط عليه السلام { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } . وكما أخبر تعالى عن أهل أهل الكتاب { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } فسعوا إلى تشويه سمعة أهل الخير ، والعمل على تحويل المجتمع كله إلى مجتمع رذيلة وسقوط ودنس . وفريق آخر حاول أن يجعل من ذي الجلال والإكرام ودينه ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه مادة للطرائف والنكات المضحكة ، رغم تحذير المصطفى صلى الله عليه وسلم من ذلك . ففي الحديث الصحيح :" ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم. ويل له ويل له " رواه أحمد . أمة الإسلام : إن أشنع السب وأشده خطراً , وأعظمه جرماً مسبة رب العالمين ـــ تعالى وتقدس ـــ عما يقوله الكافرون علواً كبيراً ، ومن وقع في هذه الرزية رضي بأن يتخلق بخلق المغضوب عليهم والضالين ـــ اليهود والنصارى ـــ . فاليهود وصفوه سبحانه بالفقر ووصفوا أنفسهم بالغنى تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن الأغنياء }، { وقالت اليهود يد الله مغلولة } . ومن مسبة النصارى لرب العالمين ادعاء الشركاء والولد له { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}. قال الضحاك: يتشققن فرقاً من عظمة الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: غضباً له عز وجل. فمن صور السب والانتقاص للذات المقدسة ، ما يقوله الماديون الملحدون (لا إله ، والكون مادة ، والطبيعة تخبط خبط عشواء ولا حدّ لقدرتها على الخلق). وقد تربى على هذا الفكر المادي الإلحادي شرذمة أرادوا التمرد على ثوابت هذه الأمة فسخروا بالله واستهزأوا به وتجرأوا جرأة لم يسبق إليها . فهذا أحد روادهم الذي يصفه بعض الببغاوات بنبي الحداثيين يقول : ( صار الله رماداً ، صمتاً رعباً في كف الجلادين . حقلاً ينبت سبحات وعمائم بين الرب الأغنية الثروة والرب القادم من هوليوود ، كان الله قديماً حباً ، وكان نهاراً في الليل أغنية تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض . وقال آخر: ( الله في مدينتي يبيعه اليهود ، الله في مدينتي مشرد طريد ، أراده الغزاة أن يكون لهم أجيراً شاعراً قواداً ، يخدع في قيثارة المذهب العباد لكنه أصيب بالجنون ، لأنه أراد أن يصون زنابق الحقول من جرادهم ... ) . وينظم أحد الشعراء في قصيدة له بعنوان أصهار الله : ( يا إلهي … إن تكن رباً حقيقياً فدعنا عاشقينا). وملحد حداثي آخر يقول : ( نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير) . ويقول أحد كبرائهم: ( فنحن جميعاً أموات . أنا ومحمد والله وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة ، عليها يكتب اسم محمد والله) ... ثم يقول : ( وإن الله باق في قرانا ما قتلناه ، ولا من جوعنا يوماً أكلناه). تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً . هذه نبذ من أقوالهم وغيض من فيض ن والأدهى أن يظن أولئك المفتونون أنهم بمأمن من غضب الجبار ونقمته . ذكر ابن كثير في سبب نزول قوله تعالى : ( وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) ذكر ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي بسند صحيح من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله ، فقال : هذا الإله الذي تدعو إليه أمِنْ فضة هو أم من نحاس؟. فتعاظم مقالته في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال :" ارجع إليه فادعه إلى الله ". فرجع فقال له مثل مقالته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال :" ارجع إليه فادعه إلى الله ، وأرسَلَ الله عليه صاعقة "، فرجع فقال له مثل مقالته ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال :" ارجع إليه فادعه إلى الله ". ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق لا يعلم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن الله قد أهلك صاحبه ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم{ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ}. كان إبراهيم الفزاري شاعراً متفننا في كثير من العلوم ، وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة ، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم ، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء ، وأمر بقتله وصلبه ، فطعن بالسكين ، وصلب منكساً ، ثم أنزل وأحرق بالنار . ولما رفعت خشبته ، وزالت عنها الأيدي استدارت ، وحولته عن القبلة ، فكان آية للجميع ، وكبر الناس . ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى 355 ) . وذكر أحد الدعاة قصة امرأة كانت ترعى الغنم واثنان من الرجال غير بعيد عنها في رعي أغنامهم وكان الحر شديداً واشتد بنا العطش وبالغنم فاستغاث أحد الشابين بالله تعالى أن يسقينا ، ولكن الآخر قائلا لصاحبه بسخرية واستهزاء بالله ( لو كان عند ربك ماء سقى به نفسه ).تقول المرأة : بعد قليل أنشأ الله سحابة جاءت المغرب حتى أظلتنا فأمطرت علينا فارتوينا . أما الساخر بالله فتدلت عليه السحابة وأحاطت به تقصفه بصواعق أصابنا منها رعباً شديداً والبرق يسطع من خلال السحابة فكدت أنا والرجل الآخر أن يغمى علينا من هوْل الأمر ، ثم انجلت السحابة عنه فإذا هي قد قطعته قطعاً . ( أيها الزنادقة مهلاً عن الجبار مهلاً ، عبد الكريم بن صالح الحميد 14 ـ 15 بتصرف يسير ) . ومن صور الاستهزاء : الاستهزاء بشعائر الإسلام : ومن ذلك ما نشرته إحدى الصحف العربية حيث أخرجت رسماً كاريكاتيرياً تصور فيه شاباً متديناً له لحية طويلة جداً يؤذن في منارة مسجد ، فبدلاً من أن يقول : حي على الفلاح قال : حي على السلاح !!! .ثم رسمته في وضع آخر ويد خفية تدس في رأسه شريط كاسيت وفي فمه مسدس (روز اليوسف عدد 3322 ) . ومن الاستهزاء : السخرية باللحية ، بتكرار العبارة التي تقول : لو كان في اللحية خير ما نبتت في الفَرْج !. ومن ذلك : الإستهزاء بالحسبة ورجالها ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، حماة الأعراض وحراس الفضيلة.كتب أحدهم ( أحمد الجار الله ): باسم الدين يوقفون سيارتك ويطلبون منك أن تثبت أن زوجتك هي زوجتك !. وباسم الدين يستجوبون المرأة عن أسم آخر أبنائها وعن شكل غرفة نومها ، ولون حمامها وماركة ( الكلينكس ) الذي تستخدمه لإثبات أنها زوجتك . ثم يلفظ الله أنفاس حقده بقوله : واحد لحيته مثل التيس أوقفني وقال : لماذا تتحدث عن رجال الدّين. ومن ذلك الكتاب الذي نشرته إحدى الدوائر المسؤولة عن الكتاب في إحدى الدول العربية عنوانه (آية الجيم) لأحد الكتاب (حسن طلب) ، قسمه إلى خمس سور ، وكل سورة لها اسم يختص بها، ومما قال فيه: ( باسم الجيم، والجنة والجحيم، ومجتمع النجوم إنكم ستفجأون، كم وددتم لو ترجأون، إلى يوم لا جيم ولا جيوم... قل يا أيها المجرمون، إنكم يومئذ لفي وجوم، تستجدون فلا تنجون، وقل أيها الراجون، إنكم يومئذ الناجون... الجيم جل جلالها، صدق حرف الجيم ). ومن ذلك ما قاله أحدهم : زعيم الصين (ماو تسي تونج) يجب أن يكون من العشرة المبشرين بالجنة . وقال آخر مستهزئاً بحديث رسول الله وبالإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة : ( حدثنا الشيخ إمام عن صالح بن عبد الحي عن سيد ابن درويش عن أبيه، عن جده قال: يأتي على هذه البلاد زمان إذا رأيتم فيه أن الفن أصبح جثة هامدة فلا تلوموه ولا تعذلوا أهله بل لوموا أنفسكم قالها وهو ينتحب فتغمده الله برحمته وغفر له ذنوبه ). (مجلة الشرق عدد362) . نسج حديثاً من خياله ، وكأنه لم يجد طريقة يتحدث بها عن الغناء والمغنين، إلا أن يقلد سند حديث النبي صلى الله عليه وسلم . ومن صور الاستهزاء ، السخرية بحجاب المرأة المسلمة . وهذا من أكثر صور الاستهزاء المنتشرة اليوم حيث تشن حرب مسعورة محمومة على الحجاب والمحجبات ، يقود هذه الحرب الدنسة أصحاب الميل للشهوات ، والمتاجرون في سوق النخاسة بأعراض الناس . تقول إحداهن: ( عجبت لفتيات مثقفات يلبسن أكفان الموتى وهنَّ على قيد الحياة ). ويقول أحد الحداثيين: ( إن للسفور مساوئ لكنها أقل – قطعاً – من مساوئ الحجاب والنقاب ، وشبيه بمن يدعونا للعودة إلى الحجاب من يدعونا للعودة إلى ركوب النياق والحمير والبغال هذه هي عقلية عصور الإنحطاط ) . (جريدة الأهرام بتاريخ 12/10/1412 هـ . 15/4/1992 م) . وحداثي آخر ، معروف بدفاعه عن أم جميل زوجة أبي لهب التي نزل فيها قوله تعالى {تبت يدا أبي لهب * وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد}يقول : ( والنساء سواسية منذ تبت ، وحتى ظهور القناع تشترى لتباع ، وتباع ، وثانية تشترى لتباع ) . (جريدة الأهرام بتاريخ 12/10/1412 هـ . 15/4/1992 م) . أمة الإسلام : إن الاستهزاء بشعائر الإسلام كفر صراح . قال تعالى { ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً }. وذكر العلماء أن الاستهزاء بآيات الله وشرعه من أشد أنواع التكذيب . (تفسير ابن كثير 5/168 ) . قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : ( الاستهزاء بالإسلام أو بشيء منه كفر أكبر …… ومن يستهزئ بأهل الدين والمحافظين على الصلوات من أجل دينهم ومحافظتهم عليه ، يعتبر مستهزئاً بالدين ، فلا تجوز مجالسته ، ولا مصاحبته بل يجب الإنكار عليه ، والتحذير منه ، ومن صحبته ، وهكذا من يخوض في مسائل الدين بالسخرية والاستهزاء يعتبر كافراً ) . (مجلة الدعوة عدد 978 ) . ولما سئل الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – عن الذي يقول : إن اللحية وساخة هل يعتبر مرتداً ؟ فأجاب بقوله : فيه تأمل إن كان يعلم أنه ثابت عن الرسول فهذا استهزاء بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فحري أن يحكم عليه ذلك. ( فتاوى سماحته 12/195 ) . ولم يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب البعض وشتمهم ، وإن كان من يفعل هذا رعاع القوم وعامة الناس فالعجب ممن ينسبون أنفسهم إلى العلم والثقافة ، من كتاب ملأ الحقد على بين الهدى أضلعهم ، وساروا على خطى من سبقهم من أهل الزبغ والنفاق الذين لم تبلغ بهم القحة أن تعرضوا للنبي صلى الله عليه وسلم كما تعرض له بعض الكتاب المعاصرين. قال قتادة : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وبين يديه ناس من المنافقين إذ قالوا : أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات له ذلك !! فأطلع الله نبيه على ذلك ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم :" احبسوا علىَّ الركب ". فأتاهم فقال :" قلتم كذا وكذا ". فقالوا : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ، فأنزل الله تعالى{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}. (تفسير الطبري 10/172 ، وتفسير ابن كثير 4/112 وأسباب النزول للواحدي 250 ) . فمن صور الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ما رسمه (صلاح جاهين ) رسام كاريكاتير، حيث صور صورة ( في جريدة الأهرام ) رسم فيها رجلاً بدوياً يرمز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب حماراً في وضع مقلوب في إشارة إلى أنه رمز للرجعية ، وفي جانب الصورة ديك وتسع دجاجات وعنوان الرسم : محمد زوج التسعة . وأجرت صحيفة دانماركية (Jyllands-post) مسابقة عن أجمل رسم كاريكاتير للنبي صلى الله عليه وسلم في سابقة لا تخلو من العنصرية والكراهية الحقد و في مقابلة مع شبكة (سي بي إس ) الأمريكية ، قال جيري فالويل أحد القساوسة البارزين في المجمع المعمداني البروتستانتي : ( إن محمداً كان رجل عنف ورجل حرب ) .وقال في مقابلة ضمن برنامج ( ستون دقيقة ) : ( أعتقد أن محمداً كان إرهابياً، لقد قرأت ما يكفي للمسلمين وغير المسلمين لكي أقرر إنه كان رجلاً عنيفاً ورجل حرب ). ونشرت المحطة على موقعها مقتطفات من المقابلة قبل بثها قال فالويل فيها : ( في رأيي أرسى المسيح مثالاً للحب، وموسى فعل الشيء نفسه لكن محمداً ضرب المثل المناقض لهما ). وليست هذه المرة الأولى التي يتهجم فيها قساوسة أمريكا على الإسلام ونبيه  فقد سبق وأن قام المبشر التليفزيوني بات روبرتسون بوصف الإسلام بأنه ( دين يسعى للسيطرة على الآخرين والتحكم فيهم أو تدميرهم ) . وكان بات روبرتسون قد وصف في برنامج تلفزيوني أذاعته قناة فوكس الأمريكية في 18 سبتمبر الماضي النبي صلى الله عليه وسلم (بأنه كان مجرد متطرف ذو عيون متوحشة تتحرك عبثاً من الجنون وكان سارقاً وقاطع طريق). كما وصف الإسلام بأنه خدعة هائلة ، وأن القرآن هو سرقة دقيقة من الشريعة اليهودية ، وقال أنا أعني أن هذا الرجل [الرسول محمد] كان قاتلاً والتفكير في أن هذا [الإسلام] هو دين سلام هو احتيال كبير. ولسنا بحاجة إلى إيراد شهادات أحد في حق نبينا صلى الله عليه وسلم بعد أن زكاه ربه بقول {محمد رسول الله } ، وبقوله {فتوكل على الله إنك على الحق المبين }، وبقوله {وإنك لعلى خلق عظيم} . ولكن ننقل شيئاً من شهادات القوم في نبي الرحمة لعل فيها حجة على الحداثيين الذين لا يعظمون إلا ما كان غربياً ولا يتبعون إلا ما جاء من الغرب . جاء في كتاب طبع في ( أعظم مئة شخصية مؤثرة في التاريخ ) للمؤلف الأمريكي ( ميشيل هارت ) والذي تضمن دراسة سيرة عدة شخصيات بارزة كعيسى وموسى عليهما السلام ، وكذلك قيصر ونابليون وكولمبس وشكسبير وغيرهم ... واعتمد في ترتيبهم ترتيباً تنازلياً حسب أهميتهم . وتوصل في خاتمة كتابه لقناعة لا يقبلها الشك في أن من يستحق أن يكون اسمه على أعلى تلك القائمة ، كأعظم رجل في تاريخ البشرية ، هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . وقال : ( إن اختياري لمحمد عليه الصلاة والسلام ليكون على رأس تلك القائمة أعظم الناس أثراً ، قد يدهش بعض القراء ويثير التساؤل عند الآخرين ، إن محمد هو الرجل الوحيد في العالم الذي نجح إلى حد بعيد في الجانبين الديني والدنيوي معاً ... رجل نشأ نشأة متواضعة نجح في تأسيس ونشر واحدة من أعظم الديانات في العالم ، كما أصبح سياسياً ناجحاً ، واليوم بعد ثلاثة عشر قرناً – الصحيح خمسة عشر قرناً – ما زال تأثيره قوياً شاملاً ) . أما العالم النفساني يهودي الديانة ( جولز ما سرمان ) فقد أعلن للعالم أن أعظم رجل توافرت فيه خصال القائد في كل العصور هو محمد عليه الصلاة والسلام – ثم موسى عليه السلام على مستوى أقل . وقبله قال ( جوستاف لوبون ) مصنف كتاب حضارة العرب : ( إذا قيست الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ . وذكر الفيلسوف الإستكلندي الجنسية ( توماس كاريل ) في كتابه : ( الأبطال ) : ( إن محمداً قال إنه رسول من عند الله ، وبرهن على صدق قوله بدين نشره في الناس ، أخذ به مئات من الملايين ، ومضى عليهم في ذلك قرون طويلة وهم يحبون دينهم هذا ، ويتحمسون له أكبر تحمس ، فماذا يراد من الأدلة على نبوته بعد ذلك ..؟ ) وليقول الشاعر الفرنسي (لامارتين) بعد ما وقف على بعض ملامح من حياة رسولنا الكريم : (أي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثل ما أدرك ،وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثلما بلغ ). أما جورج برناردشو ) الأديب الإنجليزي المعروف الذي صفق له الغرب إعجاباً بعقله وفكره فقال : ( إنني اعتقد أن رجلاً كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق في العالم أجمع ، لتم له النجاح في حكمه ، ولقاده إلى الخير ، ولحل مشكلاته على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة ) . وأخيراً قال الزعيم الهندي الراحل ( مهاتما غاندي ) لمنتقصي النبي صلى الله عليه وسلم : ( هم يرون النار بدلاً من النور ، والقبح بدلاً من الجمال ، وهم يحرفون كل صفة جميلة ويقدمونها على أنها رذيلة كبيرة ، وهذا يوضح فسادهم وفجورهم ... أصاب الناقدين العمى ، فهم لم يروا أن السيف الوحيد الذي شهره محمد عليه الصلاة والسلام كان سيف الرحمة والشفقة والصداقة ، السيف الذي يقهر الأعداء وينقي قلوبهم في الوقت نفسه ، إن هذا السيف أحدُّ من السيف المصنوع من الصلب ) . إن مقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه عظيم ، وإن من سنته أنه ينتقم لمن انتقص رسوله وخليله وصفوته من خلقه صلى الله عليه وسلم . روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجلاً نصرانياً، فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فعاد نصرانياً، فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لَفَظَتْه الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه، نَبَشُوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له و أعمقوا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه. وفي رواية مسلم قال: كان منّا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فعرفوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأُعجِبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فَوَارَوْهُ، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا له فحفروا له فوَاروْه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، (ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها)، فتركوه منبوذاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عِرْضِه، تعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عَنْوَة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه.( الصارم المسلول 75 ) . وقال رحمه الله : ( كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يُسْلم، لكن قيصر أكرم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكرم رسوله صلى الله عليه وسلم ، فَثَبَتَ ملكه، وأما كسرى فمَزَّقَ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتله الله بعد قليل، ومزق ملكه كل ممزق، و لم يبق للأكاسرة ملك، وهذا تحقيق قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ }؛ فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله تعالى يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل، أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيت صنيع الله بهم.ومن الكلام السائر: "لحوم العلماء مسمومة" فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام.و في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ".فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله حُرِبَ، وإذا استُقرِئت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل، وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة، وباؤوا بغضب من الله، ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق مضموماً إلى كفرهم، كما ذكر الله ذلك في كتابه، ولعلك لا تجد أحداً آذى نبياً من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولابد أن يصيبه الله بقارعةٍ، وقد ذكرنا ما جرَّبه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسع لا يحاط به، ولم نقصد قصده هنا، وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي ) أ . هـ . ( الصارم المسلول 100 – 101 ) لقد انعقد إجماع علماء الأمة في الماضي والحاضر على أن الإستهزاء بالله وبدينه وبرسوله صلى الله عليه وسلم كفر بواح ، يخرج من الملة بالكلية. يقول أبن قدامة المقدسي رحمه الله : ( من سب الله تعالى كفر سواء مازحاً أو جاداً ، وكذلك من أستهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله ) . (المغني : كتاب المرتد 12/298 ، 299 ) . وقال النووي رحمه الله : ( والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عمد واستهزاء بالدين صريح ) . (روضة الطالبين / كتاب الردة 10/64 .) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم كفر ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه) . (مجموع الفتاوي 7/273) . وقال القاضي عياض : ( وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه بما يقتضي الاستخاف بعظمة ربه وجلالة مولاه ، أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته ، أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ، ولا عامد للإلحاد ، فإن تكرر هذا منه، وعرف به ، دل على تلاعبه بدينه ، واستخفافه بحرمة ربه ، وجهله بعظيم عزته وكبريائه ، وهذا كفر لا مرية فيه ... وأما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة والفلتة الشاردة ، ما لم تكن تنقصاً وإزراء فيعاقب عليها ويؤدب بقدر مقتضاها وشنعة معناها ، وصورة حال قائلها ، وشرح سببها ومقارنها ) . ( الشفا 403 ـ 404) . وحُكم من سبَّ سائر أنبياء الله تعالى وملائكته ، واستخف بهم أو كذبهم فيما أتوا به ، أو أنكرهم وجحدهم أنه كافر . قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } . قال مالك فيمن شتم الأنبياء أو أحداً منهم أو تنقصه قتل ولم يستتب. وفي النوادر عن مالك فيمن قال : إن جبريل أخطأ بالوحي ، وإنما كان النبي علي بن أبي طالب استتيب فإن تاب وإلا قتل .ونحوه عن سحنون. وكذلك من طعن بالقرآن وجحده أو كذب بحرف منه . قال أبو عثمان بن الحداد : جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من التنزيل كفر . وقال أصبغ بن الفرج : من كذَّب ببعض القرآن فقد كذَّب به كله ، ومن كذب به فقد كفر به ومن كفر به فقد كفر بالله . وكذلك سبُّ آل بيته وأزواجه وأصحابه رضي الله عنهم وتنقصهم فإنه حرام يؤدب فاعله ويوجع ضربا. قال مالك رحمه الله : من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ، ومن شتم أصحابه أدب . و قال أيضاً : من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أبا بكر ، أو عمر ، أو عثمان ، أو معاوية ، أو عمرو بن العاص ، فإن قال : كانوا على ضلال وكفر قُتِلَ ، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نُكِّلَ نكالاً شديداً . و شتم رجل عائشة بالكوفة ، فقدم إلى موسى بن عيسى العباسي ، فقال : من حضر هذا ؟ فقال ابن أبي ليلى : أنا ، فجلده ثمانين ، وحلق رأسه ، وأسلمه إلى الحجامين . ( الشفا 105 ـ 410 بتصرف كبير ) . قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله راداً على كاتبة في جريدة معروفة عندما قالت : ( والرجال يعتقدون أن المرأة كائن آخر، والمرأة في تعبيرهم ناقصة عقل ودين، وهم يعتقدون أن الرجال قوامون على النساء ) . فقال : ( وإن هذه الصحيفة -أي: التي نشر فيها المقال- قد تجاوزت الحدود، واجترأت على محاربة الدين والطعن فيه بهذا المقال الشنيع جرأة لا يجوز السكوت عنها، ولا يحل لوزارة الإعلام ولا للحكومة الإغضاء عنها، بل يجب قطعاً معاقبتها معاقبة ظاهرة بإيقافها عن الصدور، ومحاكمة صاحبة المقال، والمسئول عن تحرير الصحيفة وتأديبهما تأديباً رادعاً، واستتابتهما عما حصل منهما؛ لأن هذا المقال يعتبر من نواقض الإسلام، ويوجب كفر وردة من قاله أو اعتقده أو رضي به؛ لقول الله سبحانه وتعالى {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } . فإن تابا وإلا وجب قتلهما لكفرهما وردتهما ) .( انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز - جمع د. محمد الشويعر 3/165) . إن الواجب على أهل الإسلام الإنكار على هؤلاء تحقيقاً لهذه الفريضة التي جعلها الله تعالى صمام أمان للأمة ، فمن لم يستطع الإنكار فعليه أن يعرض عن هؤلاء المستهزئين ، قال تعالى {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شي ولكن ذكرى لعلهم يتقون * وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تُبسلَ نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } . لقد هدد الله من يجالس هؤلاء الهازلين الساخرين فقال { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً } . وإن مما يؤسف له أن هناك من يتخذ الهازلين أولياء وجلساء وأصفياء وأخلاء ، بل يدافع عنهم ويذب عن أعراضهم ، والله تعالى يقول { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً }. وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيماً }. أمة الإسلام : إذا علمنا عن عظم بعض مخلوقات الله استصغرنا أنفسنا، وأدركنا حقارتها وضعفها أمام عظم قدرة خالقها جل وعلا، وإن ما غاب عنا من مشاهد قدرة الله عز وجل أعظم وأعظم بكثير مما نشاهده . ومن ذلك ما رواه أبو داود بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام ". وقال صلى الله عليه وسلم :" ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة". رواه ابن حبان وصححه الألباني . وعن ابن مسعود صلى الله عليه وسلم : جاء حبر من الأحبار إلى الرسول فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، الثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع فيقول: أنا الملك فضحك النبي حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : (أما علمتم إن لله عباداً أصمتهم خشية الله، لا من عميّ ولا بكم، وإنهم لهم العلماء العصماء النبلاء الطلقاء غير أنهم إذا تذكروا عظمة الله أنكسرت قلوبهم وانقطعت ألسنتهم حتى إذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية فأين أنتم منهم). وعندما سئل مالك عن قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟. يقول الراوي: فما رأيته وجد من شيء لوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء، وأطرق القوم فجعلوا ينتظرون الأمر به منه ثم سرى عن مالك فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالا فأمر به فأخرج. وحضر الإمام أحمد وابنه عبد الله عند قاص ، فقال القاص : ينزل الله إلى السماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال. قال عبد الله : فأرتعد أبي واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته فسكن ثم قال: قف بنا على هذا المتخرص فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه منك، قل كما قال رسول الله. وقال القاضي عياض : ( قد روينا عن بن عبد الله أنه قال : ليعظم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شيء حتى يقول : أخزى اللهُ الكلبَ، وفعل به كذا وكذا ) . وقال : وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قل ما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل بطاعته . وكان يقول للإنسان : جزيت خيراً . وقل ما يقول : جزاك الله خيراً ، إعظاماً لاسمه تعالى أن يمتهن في غيره قربة. ( الشفا 405 ) . وبلغ من تعظيم السلف لمقام النبي صلى الله عليه وسلم أن نص بعضهم على كراهة أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب والاحتساب، توقيراً له وتعظيماً ، كما أمرنا الله . ( الشفا 370 ) . قال عمر بن عبد العزيز لرجل : انظر لنا كاتباً يكون أبوه عربياً . فقال كاتب له : قد كان أبو النبي كافراً فقال : جعلت هذا مثلاً ! فعزله ، وقال : لا تكتب لي أبداً . وحدثت مشاحنة بين رجلين فتنقص أحدهما الآخر ، فقال له : إنما تريد نقصي بقولك ، وأنا بشر ، وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفتى العلماء بإطالة سجنه ، وإيجاع أدبه ، إذ لم يقصد السب ، وكان بعض الفقهاء قد أفتى بقتله .( الشفا 371 ) . فاتقوا الله ربكم وعظموه ووقروه ، وعظموا نبيكم صلى الله عليه وسلم واعرفوا حقوقه وأدوها، واحذروا ألسنتكم ، فإن فيها العطب. قال تعالى { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } . وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه :" ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا ". وأشار إلى لسانه، قال: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال صلى الله عليه وسلم : "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ". رواه أحمد . إن الأعضاء كلها تلوم اللسان على ما يبدر منه .عن أبي سعيد صلى الله عليه وسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ". رواه الترمذي . فاحذروا ألسنتكم، وأحكموا وثاقها حتى لا توقعكم فيما لا يحمد عقباه . يقول عبد الله بن مسعود صلى الله عليه وسلم : (ما على الأرض شيء أحق بطول سجن من لسان)، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه يوصي ابنه: (يا بني، عثرة الرِّجل عظم يُجبر، وعثرة اللسان لا تبقي ولا تذر). والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

اضيف بتاريخ[2008-05-06]


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved