الأربعاء 29 رجب 1438 / 26 أبريل 2017    
في



01-20-1434 03:44

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
معاشر المؤمنين :كان الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله عالماً ربانياً ومصلحاً اجتماعياً وقائداً فذاً ميدانه النفوس وسلاحه الكتاب والسنة ، حباه الله بصفاتٍ حميدة ومناقب رشيدة رفعت مكانته بين الخلائق وأعلت قدره لدى العامة والخاصة كان يرى نفسه مستحفظاً على كتاب الله ومؤتمناً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحميهما من تحريف الغالين وتأويل المبطلين وعبث المبتدعة الضالين ، وكان دائم التأهب لحرب الباطل أول ماتنجم ناجمته وتظهر بوادره فلا يهدأ له خاطر ولا تلين له قناة حتى يوسعه إبطالاً ومحواً وكشفاً لحقيقته ، لا يتساهل في حق الله أبداً ولا يرضى مطلقاً عما يسخط الله تعالى من أي شخص كائن من كان بل يقول كلمة الحق ويدل عليها ويحرص على إيصالها للناس كافة ، فأوتي بسبب ذلك حسن القبول ورفعة الذكر وانكب عليه طلبة العلم من مشارق الأرض ومغاربها لينهلوا من علمه ، وتلمَّس الملايين فتاواه في الكتب والنشرات وفي الإذاعة والأشرطة يستنيرون بآرائه ويسترشدون بأقواله ويتوجهون بتوجيهاته وبذل لهم من علمه ووقته وجهده وصحته ما يطول الكلام في وصفه ، حتى أصبح مرجعاً للمسلمين في العالم كله .
ـ زهده وورعه : كان من أزهد الناس في زهرة الحياة الدنيا بالرغم من توفر أسبابها وحصول مقاصدها ، انصرف عنها بالكلية وقدَّم عليها دار البقاء .
{ والآخرة خير وأبقى } قام جلالة الملك المغفور له بإذن الله : خالد بن عبد العزيز ، بزيارة للشيخ في منزله في عنيزة ، وكان منزلاً من الطين قديم البناء ، فعرض على الشيخ أن ينتقل إلى سكن آخر أو قبول أي مبلغ لبناء مسكن مناسب ، فما كان من الشيخ إلا أن دعا للملك خالد وفضَّل البقاء في منزله ، فألح الملك على قبول هذا الأمر عندها آثر الشيخ أن يوجه هذا التبرع لشراء العمارة القريبة من الجامع الكبير لتكون مكتبة لطلبة العلم فاشتراها الملك بسبعة ملايين ريال وصرف مبالغ نقدية للطلبة .
كان زاهد القلب في الدنيا عفيف الروح لم يلهث خلف مال ولم يجرِ وراء ثروة ، جعل عائدات مؤلفاته وكتبه وأشرطته لطلبة العلم يتقوون بها على طلب العلم ، ولو أراد أن يجمع مالاً لجمع ثروة كبيرة .
زهد في أنيق اللباس وفاخر الثياب لم يغالِ ولم يتكلف ، يفضِّل البياض من الثياب ربما لبس الغترة غير مكوية وكثيراً ما يظهر على ثيابه خطوط من الحبر جرَّاء البحث والكتابة ، ولم ينقص ذلك من هيبته ولم يغضّ من مكانته بين الناس .
كان من أ ورع الناس وخاصة في الكسب ومواقفه في غاية العجب حيث كان يتحرى الكسب الحلال .
فعندما كان أستاذاً في فرع جامعة الملك سعود في القصيم ، كان يحدث أن يتخلف أحياناً عن المحاضرات المقرر أن يلقيها على الطلبة بسبب ارتباطاته مع هيئة كبار العلماء أو في الحج او في غيرها من الارتباطات فعندما جاءت أوراق تسلم الرواتب طلب من المسؤول حسم مكافاءة جميع المحاضرات التي اعتذر عنها .
كان أمنيته أن يتم إنشاء قسم للدراسات العليا للبنات في قسم العقيدة في كلية التربية في القصيم وعندما تحققت أمنيته بافتتاح ذلك القسم تقرر أن ينضم الشيخ لأسرة التدريس في القسم وباشر عمله ، وذات يوم أدخلت عليه الإدارة ورقة مغلقة فسأل عما فيها وكانت الإجابة أنها ورقة الرواتب عندها استدعى مسؤول الرواتب ليخبره بأنه إنما يقدم هذا العمل خدمة للفتاة المسلمة كي تكون قادرة على تأدية دورها الكامل في هذا المجال .
وعندما كان يدرِّس في الجامعة في بريدة كان يتولى نقله من القصيم إليها أحد طلابه وكان يستفيد في الطريق من علم الشيخ وفي آخر الشهر إذا به يفاجأ أن الشيخ يأخذ من راتبه الجزء المخصص للنقل ويدفعه إليه ، فحاول رده للشيخ فقال له الشيخ : : لا يمكن لأن هذا المبلغ مخصص للنقل وأنت نقلتني فيجب أن تأخذه .
وكان إذا استخدم قلمه في الجامعة واضطر أن يملأه من الدواة من مكتبة الجامعة فإنه بعد أن ينتهي من العمل وقبل أن يخرج يفرغ ما بقي من الحبر في قلمه في الدواة بالمكتب ثم ينطلق .
ـ تواضعه : عرف قدر ربه عز وجل وعرف قدر نفسه ، فتواضع لربه أشد التواضع ، وتواضع مع العباد تواضعاً تجلله عزة العلماء ، لا يزهو على مخلوق ولا يتكبر على أحد ممتثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم ": إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا فلا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد " .
سئل عن الشيخ الألباني رحمه الله بعد موته فقال : مثلي لا يسئل عن الألباني ، يقول هذا الكلام وسيرته ملء الأسماع وصيته أطبق في الآفاق وعلمه منتشر في الشرق والغرب .
كان يزور المعوقين والمرضى ويعودهم ويترفق بهم وبتلطف معهم بصورة تنم عن تواضع جم وحسن سكينة وعظيم أناة وحلم كبير .
دائم البشاشة والتبسم في وجه الجميع ، لم يرَ مقطباً يوماً إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله .
دُعي من قبل نادي الصم والبكم ليلقي محاضرة وكانوا يتكلمون بالإشارة فوافقت نزول المطر وجعل الشيخ يتحدث معهم بالإشارة والمطر ينزل عليه حتى انتهى من محادثته معهم .
قدم الرياض في حاجة له وكان فيها أحد طلبت القدامى الذين تتلمذوا على الشيخ فطلب من ابنه أن يرشده إلى منزله للسلام عليه وذلك من محبته لطلبته وتواضعه لهم .
ـ حلمه وسعة صدره : تميز رحمه الله بالحلم وسعة الصدر ، فالحلم من أشرف الأخلاق وأنبل الصفات وأجمل ما يتصف به ذوو العقول الناضجة والأفهام المستنيرة ، من اتصف به نال محبة الله ومحبة رسوله ، قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس ": إن فيك خصلتان يحبهما الله : الحلم والأناة ".
رواه البخاري ومسلم .
ولقد منَّ الله على سماحته رحمه الله فجمع له العلم مع الحلم ولذا اتسع صدره وامتد حلمه وعذر الناس من أنفسهم والتمس العذر لأغلاطهم .
يقول الدكتور سعود العجاجي الذي رافق سماحته في رحلة العلاج إلى أمريكا يقول : بينما نحن مغادرين الفندق الذي يسكنه توقف أمامه طفل أمريكي ومعه والدته ، فطبطب الشيخ على رأسه وبدأ يداعب هذا الطفل الذي أثارته هيئة الشيخ وهيبته بلبسه الثوب السعودي والمشلح فطلبت الأم من ابنها أن يُحَيِّي الشيخ فرد الشيخ التحية بأحسن منها ، ثم دعا للأم بالهداية وهو غاضّ بصره ، ولكن بعض المرافقين امتعض من هيئتها ولباسها فقال لها : قبح الله وجهكِ ، فلم يعجب الشيخ هذا الكلام فقال : يا إخوان ليس هذا من سمات الإسلام ، الطفل وأمه قابلانا بوجه حسن وكلام طيب فأحرى أن نعاملهم بالمثل فبدلاً من أن ندعو عليهم جدير أن ندعو لهم بالهداية .
تميز رحمه الله بهذا الحلم حتى مع مخالفيه الذين كانوا يظنون أن بعض اجتهاداته مخالفة للكتاب والسنة ، مما دفع بعضهم إلى التشكيك في عقيدته والطعن في دينه ، فكان الشيخ يحرص على توضيح مواقفه للمخالفين وبيان حجته ورفع أي التباس حتى ولو اقتضى الأمر أن يأتي بنفسه إليهم لبيان الحقيقة والقضاء على الفتنة في مهدها ، يقول رحمه الله : من سمع منكم عن عالم أو داعية أو عن إمام مسجد أو أي إنسان له ولاية ، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون فعليه أن يتصل به وأن يسأله هل وقع ذلك منه أم لم يقع ، ثم إذا كان وقع فليبين له أنه أخطأ فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه وإما أن يكون هو المصيب فيبين وجه قوله فتزول الفوضى التي قد نراها أحياناً خاصة بين الشباب ، وإن الواجب على الشباب وغيرهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم وأن يسعوا بالنصح .
ولقد طبق رحمه الله هذا الكلام تطبيقاً عملياً مع مخالفيه وقرن القول بالعمل ، يقول الشيخ عبد المحسن القاضي عن سماحته رحمه الله : لا زلت أذكر في رمضان عام 1406 كان يبحث في ساحة الحرم المكي عن أحد المشايخ الذين ألفوا كتباً في الرد عليه والتحذير من تلقي العلم عليه بعد أن بلغه أنه قد أتى للعمرة .
ـ منهجه العلمي : كان مدرسة فقهية مستقلة تقترن بالدليل وتتمسك به وتدور معه حيثما دار ، أرسى قاعدة الأخذ بالدليل والاستناد عليه ولو خالف المذهب .
كل فتاويه مقترنة بأدلة من القرآن والسنة فقلَّ أن يوجد له فتوى إلا والدليل مقترن بها ، كان راسخاً في العلم معتنياً باستقائه من منبع الوحي الصافي بعيداً عن التعصب للمذهب .
يقول عنه سماحة المفتي العام عبد العزيز آل الشيخ : كان رجلاً ذا علم وفضل ومناقشة وعدم اعتداد بالرأي إذا رأى الصواب ، فكان يرجع إلى الحق إذا استبان له رأي أهل العلم ، وهو غفر الله له لا يتعصب لرأي إذا جاء الدليل على خلاف ما هو عليه .
كان كثيراً ما يوصي الطالب بإخلاص النية لله عز وجل , وأن ينوي بطلبه العلم رفع الجهل عن نفسه وأمته والدفاع عن الشريعة ورحابة الصدر في مسائل الخلاف والعمل بالعلم والدعوة إلى هذا العلم بالحكمة والصبر واحترام العلماء وتقديرهم كل ذلك على هدي من الكتاب والسنة بفهم علماء سلف الأمة .
حبيب كان بالقرآن يهدي *** ويشفي النفس من داء غزاها أدار العلم في الحلقات يفتي *** سنين العمر في الفتيا قضاها عنيزة قد دهاها اليوم خطب *** عظيمٌ شلَّ معصمها رماها تقطعت القلوب على فراق *** وسال الدمع من حزن أتاها حبيب للورى حر أبِيٌ *** منار للهـدى أرخى ضياها أصولي وفِقهيٌ كبير *** صـروح للعلوم قـد ابتناها فوسع قبره أدخله ربي *** جنان الـخلد في عالي علاها ـ صبره : الصبر من الصفات الحميدة والمطالب العالية التي يسعى كل مؤمن إلى تحقيقها في نفسه ، وقد كان لفضيلته قدراً كبيراً من ذلك.
عندما أُصيب بالسرطان في المستقيم وانتشر في الجسد كله وبدأ يتألم من ذلك آلاماً شديدة وهو صامت صابر محتسب ، فعلم بعض محبيه بألمه وألحوا عليه أن يجري بعض الفحوصات المخبرية لمعرفة سبب الألم فوافق وأسفرت النتيجة عن وجود المرض الخبيث فقرر الأطباء عدم إخبار الشيخ بالنتيجة ، ولكنه أحس أن في الأمر شيء فألحَّ على الأطباء بشدة فأخبروه بمرضه ، وعندها تبسم وحمد الله وأثنى عليه وقال : إن الإنسان إذا قام بطاعة الله وفعل أوامره واجتنب نواهيه فإنه لا يرجو بذلك إلا رحمة الله ودخول الجنة ، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى الجنة إلا بالموت ، والموت قد كتب على جميع البشرية فمرحباً بالموت إذا كان الموت هو الذي بيننا وبين الجنة .
يقول ابنه عبد الرحمن أنه كان يرى الشيخ كثيراً ما يعضُّ على شفتيه من الألم ، فيسأله هل تتألم من شيء فإذا كان بالغرفة أحد غير ابنه يقول لا أبداً ، وإن لم يوجد إلا ابنه يقول إني أتألم ولكن قولي هذا من باب الإخبار لا من باب الشكوى ، ويقول الأطباء الذين كانوا يقومون بعلاجه : كنا نعلم أن الشيخ يتألم آلاماً شديدةً ولكن مع ذلك لا يتضجر ولا يتأوه بكلمة حيث يتحمل ويصبر احتساباً للأجر من الله عز وجل .
ـ رفقه وتلطفه في النصيحة : تخلَّق رحمه الله بأخلاق النبوة واتبع نهج المرسلين في رفقهم وحسن معاشرتهم يقول صلى الله عليه وسلم ": إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه " .
رواه مسلم .
تقول إحدى قريباته : كنت في سن صغيرة أبلغ من العمر عشر سنوات ألعب مع بناته في فناء بيته وكنت ألبس الملابس القصيرة فأمسك بيدي وكلمني برفق وداعبني حتى شعرت بالفرح والسرور ثم قال لي : إن هذا اللبس لبس النصارى وأمرني أن أبلغ أمي بذلك ، تقول فقد كانت نعم النصيحة فلا أذكر والله بعدها أني لبست هذا النوع من الثياب .
وثانية تقول : كنا نلعب نحن وأبناؤه في فناء بيته فمر من عندنا وسلم علينا وداعبنا بكلماته اللطيفة ولفت نظره لباس أخي الذي يبلغ من العمر أربع سنوات إذ كان يرتدي ملابس عليها قطعة بلاستيك على شكل صورة أسد فجلس رحمه الله بجانب أخي وأمسك به بيده الحانية وأخذ يتحدث معنا حتى استأنس أخي ثم أخرج له قطعة من النقود وقال له أعطيك هذه النقود وانزع هذه الصورة ففرح أخي بذلك المبلغ وغيَّر الشيخ المنكر بالحكمة واستفدنا جميعاً وللله الحمد وتجنبنا لبس المصورات حتى اليوم .
الناس تحيا إذا ما عاش عالمها ** متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها**وإن أبى عاد في أكنافها التلف تأتيه امرأة من الإماء اللاتي منَّ الله عليهن بالعتق لا ولد لها ولا زوج ولا قريب وكانت تسكن بالقرب من منزله فوقفت في الشارع وانتظرت خروجه وقالت له : يا عم أريد أن أحج أو أعتمر ، فوقف رحمه الله وأخذ يستمع إليها وهو غاض بصره وكان في طريقه إلى المسجد وأخذت تحادثه وتبين له أنها ليس لديها محرم وكان في لهجتها عجمة ولا تستطيع إخراج الحروف بطريقة صحيحة فوقف الشيخ رغم مشاغله يستمع إليها حتى انتهت من كلامها ثم قال لها : يا بنيتي عليك بالصيام والصلاة والتسبيح والتهليل ولا تذهبي فرضيت بذلك وطابت نفسها .
ـ تعامله مع ولاة الأمر : سلك في تعامله مع ولاة الأمر مسلك السلف الصالح القائم على السمع والطاعة والنصح والدعاء لهم بظهر الغيب ، وكان يحث الناس على السمع والطاعة لهم في غير معصية الله ويحذر من مخالفتهم أو الخروج عليهم ، ويردد كلمته المشهورة : إن الفتن لا تبدأ إلا من هذا الباب .
يقول الأمير فيصل بن بندر ، أمير منطقة القصيم ، عن الشيخ رحمه الله : كان يوصيني دائماً بمخافة الله سبحانه أولاً وثانياً الالتزام والاهتداء بولاة الأمر الذين كان حريصاً طيلة عمره على تنفيذ أوامرهم وتوجيهاتهم ، يقول : وكنت أشعر أن لولاة الأمر عنده مكانة عظيمة وقد تجلى ذلك في كل موقف وفي كل درس من دروسه الشيقة .
ويمضي في حديثه قائلاً : لقد كانت تربطه بولاة الأمر عدة أمور : أولاً المحبة ثم التقدير له لأنهم يرون أنه بالفعل على قدر كبير من العلم والحكمة والمعرفة والمحبة لهم .
ـ حرصه على الدعوة ومساعدة الناس : كان رحمه الله من أحرص الناس على الدعوة ونشر العلم ، نذر نفسه لذلك الأمر ونشر علمه بين المسلمين في شتى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وفي المساجد والجوامع والجامعات والكليات والدوائر الحكومية .
{ ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } كان لا يتخلف عن الدروس في المسجد الكبير إلا للضرورة القصوى كحضور اجتماعات هيئة كبار العلماء ، وكان يلغي أي موعد يتعارض مع أوقات الدروس التي يلقيها .
يقول أحد طلابه : كان الشيخ في سفر ووصل وقد حان موعد الدرس ، فترجل من السيارة ودخل المسجد وبدأ يلقي الدرس فوراً ولم يدخل منزله للراحة من عناء السفر إلا بعد أن انتهى من مجلس العلم ذاك .
أما مساعدته للمحتاجين في داخل المملكة وفي القصيم فيصعب حصرها وإحصاؤها لكثرتها وتنوعها سواء في مساعدة الراغبين بالزواج أو بالسداد عن المدينين أو بمساعدة الفقراء والمحتاجين وسد عوزهم أو ببناء المساجد وحفر الآبار الصالحة للشرب ولعل آخر مشروع بهذا الخصوص ما سعى في تمويله لصالح زيادة مياه الشرب بحفر آبار جديدة بمبلغ ثلاثة ملايين ريال أو تزيد .
كان مهتماً بحال الفقراء ورفع مستوى معيشتهم وذلك ببناء المساجد لهم وإرسال المساعدات إليهم ومحادثة المسؤولين والقادة عن حاجاتهم والاهتمام بهم .
وكان يبذل جاهه ووجاهته في خدمة المحتاجين كمساعدة المقيمين من طلبته وغيرهم على استقدام عائلاتهم إليهم والبحث لهم عن الكفلاء من معارفه وثقاته والوساطة للمحتاج منهم لعلاجه في المستشفيات الحكومية ، ومن يعرف الشيخ وسيرته يكاد يجزم بأنه لم يستخدم وجاهته هذه في حاجاته الخاصة أو لأقربائه ممن هم حوله .
وبلغ من حرصه وصبره أنه كان أحياناً يجيب على أسئلة الناس واستفساراتهم وقت تناوله للغداء ولا يرد من جاءه مستفتياً حتى في وقت الراحة المخصصة له .
لعمرك ما الرزية فقدُ مال ** * ولا ولد يموت ولابعير ولكـن الرزية فقـدُ فذٍّ *** يموت لموته خلق كثير لم يتوانى عن النصح والإرشاد حتى بعد أن دهمه المرض وأنهك قواه وفتك بجسمه ، يروي من رافقه في رحلة العلاج إلى أمريكا يقول : أمضى الشيخ هناك عشرة أيام تخللتها حلقات لتحفيظ القرآن وجلسات دينية عقدها في مجلس الجمعية الإسلامية في بوستن تمحورت حول سبل وأوجه تقريب المسلمين فيما بينهم وتوحيد كلمتهم والدعوة للتعاون بعضهم مع بعض .
وقبل موته بأيام وخلال العشر الأواخر من رمضان يطلب مغادرة المستشفى ويمضي إلى مكة ليجاور قرب بيت الله الحرام كما هي عادته كل عام وهناك أرشد ونصح وبيَّن الحلال من الحرام والألم يمزق جوفه والسرطان يفتك في أحشائه .
يتحدث ابنه إبراهيم عن موقف يعجز الفحول من الرجال عن القيام به، يقول : في اليوم التاسع والعشرين من رمضان حصل له بعض التعب في الصباح فقرر الطبيب المرافق أن يتم نقله من الحرم إلى مستشفى جدة وبالفعل تم نقله إلى هناك وأُدخل العناية المركزة وجلس فيها قرابة الأربع أو الخمس ساعات تقريباً وعندما جاء العصر تحسنت حالته شيئاً ما فأصرَّ على الذهاب إلى مكة رغم محاولاتنا إثناءه عن ذلك فقال لا تحرمونا هذا الأجر فهذه آخر ليلة من رمضان وبالفعل ذهبنا إلى مكة ومعنا الأطباء المرافقون وأجلسناه في غرفة داخل الحرم وأول ما دخل الغرفة طلب أن يتوضأ ويصلي المغرب والعشاء وبعد أن انتهى من الصلاة طلب أن يعد للدرس وبعد أن انتهى من الدرس قال للأطباء كيف تحرمونني من هذا الأجر العظيم .
لم يستسلم للنوم ولم يركن إلى الدعة ، طلب أن توصل المكبرات والتوصيلات من غرفته إلى سطح المسجد الحرام وتوضع السماعات في المكان الذي اعتاد أن يدرس فيه وكان يلقي الدرس في أحكام الصيام والقيام وتدافع الناس إلى مصدر الصوت كما كانوا يفعلون من قبل ولكنهم كانوا يتحلقون حول كرسي فارغ فيبكون لفقد جالسه ويتعزون بسماع صوته ، كان يلقي الدرس وهو مضطجع على السرير الأبيض والمغذي موصول بيده النخيلة والأجهزة تحيط به من كل جانب والأطباء ينصحونه بالراحة والنوم ولكنه كان يعلم أنه ما خلق لينام ، بل كان يعرض عن ذلك كله ويتحامل على البدن ويستجمع القوى المتناثرة ويعلِّم الناس الدين .
كان الصوت ضعيفاً واللسان ثقيلاً والجسد منهكاً ولكن الكلام كان مفيداً والعلم كان سديداً والثواب كان مديداً والهمة عالية والجنة دانية والملائكة تسمع والأعمال الصالحة بإذن الله تشفع .
وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام ـ عالميته في الدعوة : لم يعش لنفسه أبداً ولم يمثل البلد الذي يعيش فيه فقط ، بل كان يعيش للمسلمين جميعاً يحمل همَّ الجميع ويتفاعل مع قضايا الكل لا يألو جهداً ولا يدَّخر وسعاً ولا يتخلف عن واجب ولا يعرض عن نصرة مسلم .
كان تابع أخبار المجاهدين في الشيشان وكوسوفا والبوسنة والهرسك أولاً بأول ، ويسأل عن أدق التفاصيل في الساحة وعن دقائق الأمور وآخر التطورات وعن معنويات المجاهدين وكان يكثر من الدعاء لهم ويحث المسلمين على الدعاء والتصدق لنصرة الجهاد والمجاهدين .
يقول الشيخ عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي عن سماحته : أذكر أنه في أحداث البوسنة والهرسك كان كثيراً ما يطلب مني المرور عليه لأخذ الأموال التي وصلت إليه وإيصالها إلى هناك ولقد قمنا بطباعة عدد من الكتب على حسابه بواسطة مكتب هيئة الإغاثة أو بواسطة الهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة أو غيرها ، وكانت له صلة مباشرة مع المسلمين العاملين في البوسنة والهرسك حتى إنه أقام درساً أسبوعياً توجيهياً لأحد المراكز الإسلامية هناك بالهاتف .
يقول : وتكررت اهتماماته رحمه الله واتسعت همومه لعدد من قضايا المسلمين التي كان يشجعنا على العمل فيها وجمع التبرعات لها بل وتخصيص خطبة الجمعة عنها كقضايا الشيشان التي حظيت بنصيب من اهتمامه كبير في أواخر حياته رحمه الله وكذلك قضية فلسطين وكشمير والفليبين وإندونيسيا ، ويتابع الشيخ عبد المحسن حفظه الله كلامه قائلاً : وأقمنا بواسطته عدداً من المراكز العلمية في العالم التي كان يدعمها ويشارك في إلقاء المحاضرات بها وإرسال الكتب والأشرطة إليها .
وقبل موته بمدة قصيرة تباحث رحمه الله مع عدد من أبنائه وطلبته مشروع افتتاح موقع له على الانترنت تنشر فيه الفتاوى والمؤلفات والخطب مما يجعلها في متناول طلبة العلم في كافة البلدان بسهولة ويسر.
لم يبخل على أحد من المسلمين بالكلمة الطيبة والنصيحة والرأي المسدد ، فخلال رحلة العلاج الأخيرة إلى أمريكا أمَّ المسلمين في صلاة الجمعة مرتين ودعا فيهما لإصلاح ذات البين بين المسلمين وكيفية التعامل مع الأجانب مذكراً المصلين بضرورة والدعوة إلى الله عز وجل بالتسامح والنصح والإرشاد بالكلمة الطيبة والحسنى .
ـ مؤلفاته : ترك رحمه الله تراثاً كبيراً وآثاراً علمية كثيرة في مختلف الفنون والعلوم قسم كبير منها شروح للمطولات من الكتب كشرح العقيدة الواسطية وشرح كتاب التوحيد والشرح الممتع على زاد المستقنع وشرح المقدمة الآجرومية وتفسير لآيات الأحكام وكتاب آداب طالب العلم وكتاب الأصول من علم الأصول وكتاب تفسير الفرائض وكتاب مجالس شهر رمضان المبارك وشرح كتاب رياض الصالحين وكتاب الأضحية والزكاة ورسالة في الحجاب وهناك مؤلفات أخرى في سجود السهو ومشاكل الشباب ورسائل في الربا ورسائل في مواقيت الصلاة ورسائل في طهارة المريض وغيرها الكثير من الرسائل والفتاوى والمشاركات في الصحف والمجلات والإذاعة حتى فاق مجموع ما ألفه الخمسين مؤلفاً.
رحمه الله وأجزل مثوبته وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
اللهم آمنا في أوطاننا اللهم آمنا في دورنا اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً اللهم اهد ضالنا اللهم من ضل وتنكب الصراط اللهم رده إلى الحق رداً جميلاً .
اللهم عليك بمن تسلط وآذى ونال من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليهم جنودك التي لا يعلمها إلا أنت يا رب العالمين اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين اللهم ابسط لنا في عافية أبداننا وصلاح أعمالنا وسعة أرزاقنا وحسن أخلاقنا واستر على ذرياتنا واحفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك اللهم أحسن خاتمتنا في خير عمل يرضيك عنا ربنا لا تقبض أرواحنا على خزي ولا غفلة ولا فاحشة ولا معصية ولا تمتنا بحق مسلم في عرض أو دم أو مال نسألك اللهم عيشة هنية وميتةً سوية ومرداً إليك غير مخزٍ ولا فاضح.
إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً .
اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وارض اللهم عن البقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين, إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

اضيف بتاريخ[2007-05-24]


خدمات المحتوى


جديد الصور

جديد الفيديو

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1438 saadalbreik.com - All rights reserved